ملحمة الأثر واللاّمرئي: عبد الله حريري أو حين تستعيد العلامات ذاكرتها العميقة

في زمن تتسارع فيه الصور وتتآكل فيه الحدود بين المرجعيات الثقافية، تأتي تجربة الفنان عبد الله الحريري كما تجلت في معرضه الأخير الموسوم بـ «ملحمة أو تراكم الآثار» بفضاء Artorium بالدار البيضاء، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول مصير العلامة البصرية داخل الثقافة المغربية المعاصرة. فالملحمة هنا لا تحيل إلى السرد البطولي بمعناه التقليدي، بقدر ما تشير إلى ذلك التراكم الرمزي الذي تختزنه الذاكرة الجماعية عبر القرون، فيما يحيل الأثر إلى ما تبقى من حضور الأشياء بعد غيابها، وإلى ما يظل عالقاً في اللاوعي الفردي والجماعي من صور وعلامات وأشكال تستمر في إنتاج المعنى حتى بعد انفصالها عن سياقاتها الأصلية.

من هذا المنطلق، لا تبدو أعمال عبد الله الحريري مجرد اشتغال على الحرف أو اللون أو الهندسة التشكيلية، بل تبدو كمحاولة لإعادة بناء أرشيف بصري متخيل، تتقاطع داخله طبقات متعددة من الذاكرة المغربية، من المعمار التقليدي والزخارف الأندلسية والحروف العربية والرموز الشعبية إلى الإرث الحداثي الذي أسسته مدرسة الدار البيضاء باعتبارها أحد أهم المنعطفات الفكرية والجمالية في تاريخ الفن المغربي الحديث.
إن المتأمل في البنية التشكيلية لأعمال المعرض يكتشف منذ الوهلة الأولى حضوراً قوياً للنظام الهندسي الذي يتوزع عبر مساحات لونية متجاورة ومتقاطعة، وكأن الفنان يقيم حواراً مستمراً بين البناء والتفكيك، بين الامتلاء والفراغ، وبين الشكل وذاكرته المضمرة. غير أن هذه الهندسة لا تعمل بوصفها نسقاً عقلانياً مغلقاً، بل تتحول إلى فضاء تتسلل عبره أشباح العلامات والصور الكامنة في عمق الوجدان البصري المغربي. فالأشكال التي تظهر للعين ليست سوى الطبقة المرئية من شبكة أكثر تعقيداً من الاستدعاءات الرمزية التي تنتمي إلى حقل اللاوعي البصري.
هنا تحديداً تكتسب فكرة «تراكم الآثار» بعدها الفلسفي العميق. فاللوحة عند الحريري ليست مكاناً لتمثيل الأشياء، بل فضاءً لترسيب آثارها المتعاقبة. كل لون يحمل ذاكرة لون آخر، وكل شكل يخفي داخله أشكالاً سابقة، وكل خط يستدعي تاريخاً طويلاً من العلامات التي مرت عبر الثقافة المغربية منذ النقوش الحجرية الأولى إلى الزخارف المعمارية والحروفية الحديثة. وهكذا تتحول اللوحة إلى ما يشبه الحفريات البصرية التي تكشف عن طبقات متراكبة من الزمن الثقافي.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم اللاوعي البصري باعتباره مفتاحاً أساسياً لفهم مشروع عبد الله الحريري . فالفنان لا يشتغل على استعادة الرموز بشكل مباشر، وإنما على استثارة تلك الصور المختبئة في الذاكرة الجمعية والتي تستمر في التأثير على إدراكنا للعالم دون أن ننتبه إلى حضورها. إن الأشكال الهندسية، والألوان الصافية، والإيقاعات الخطية، لا تستدعي فقط مرجعيات فنية أو معمارية، بل تستحضر أيضاً مخزوناً نفسياً عميقاً تشكل عبر أجيال من التفاعل مع الفضاءات المعمارية والأسواق العتيقة والزليج والنقوش والخطوط العربية. لذلك تبدو أعماله مألوفة وغامضة في الآن نفسه؛ مألوفة لأنها تنبع من ذاكرة مشتركة، وغامضة لأنها تنتمي إلى منطقة اللاوعي التي يصعب الإمساك بها بشكل نهائي.

ولا يمكن فصل هذه المقاربة عن الإرث الفكري والجمالي لمدرسة الدار البيضاء التي راهنت منذ بداياتها على إعادة الاعتبار للثقافة البصرية المحلية باعتبارها مصدراً للحداثة لا نقيضاً لها. غير أن عبد الله الحريري يذهب أبعد من هذا الرهان؛ فهو لا يكتفي باستلهام العناصر التراثية، بل يعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها داخل نظام بصري جديد يجعل من العلامة التراثية مادة مفتوحة للتحول المستمر. ومن ثم فإن الحرف عنده لا يعود حرفاً بالمعنى اللغوي، كما أن الشكل المعماري لا يعود عنصراً وصفياً، بل يتحولان معاً إلى وحدات طاقية داخل نسيج بصري تتداخل فيه الذاكرة مع الخيال.
وتكمن أهمية هذه التجربة في قدرتها على تجاوز الثنائية التقليدية بين الأصالة والمعاصرة. فالحريري لا ينظر إلى التراث بوصفه مخزوناً ثابتاً ينبغي المحافظة عليه، ولا إلى الحداثة باعتبارها قطيعة مع الماضي، بل يرى فيهما معاً حركة مستمرة من التفاعل وإعادة الإنتاج. ولهذا فإن أعماله تشتغل على ما يمكن تسميته «دينامية الأثر»، أي قدرة العلامات القديمة على إنتاج دلالات جديدة كلما دخلت في سياقات بصرية مختلفة.

إن معرض «ملحمة أو تراكم الآثار» لا يقدم للمتلقي صوراً جاهزة بقدر ما يضعه أمام تجربة تأويلية مفتوحة، حيث تتحول اللوحة إلى فضاء للبحث عن تلك الآثار المطمورة التي تشكل وعينا الجمالي والثقافي. ومن خلال هذا المسار، ينجح عبد الله الحريري في تحويل اللون إلى ذاكرة، والحرف إلى طيف، والهندسة إلى سردية بصرية تستعيد ما ضاع من العلامات وتمنحه حياة جديدة داخل أفق معاصر.
إنها ملحمة لا لأبطال التاريخ، بل لآثارهم البصرية؛ ملحمة تجعل من اللوحة موقعاً تتجاور فيه الأزمنة وتتقاطع فيه الذاكرات، ليغدو الفن فعلاً من أفعال التنقيب في الطبقات الخفية للهوية المغربية، وإعادة اكتشاف ما يسكنها من إمكانات جمالية وفكرية لا تنفد.

