عبّاس صلادي بين مجد اللوحة وصمت الورثة: نداء من أجل إنصاف الذاكرة والحق في الرواية

عبّاس صلادي بين مجد اللوحة وصمت الورثة: نداء من أجل إنصاف الذاكرة والحق في الرواية

ليس أشدّ قسوة على الذاكرة الفنية من أن يتحول صاحب الأثر، بعد رحيله، إلى موضوع نزاع صامت بين الاعتراف الرمزي والإهمال الإنساني. ففي الوقت الذي تُقام فيه معارض استعادية وتُستعاد أسماء الفنانين الكبار داخل المؤسسات الثقافية وفضاءات العرض، يبرز سؤال أخلاقي لا يقل أهمية عن السؤال الجمالي: من يملك حق الحكاية؟ ومن يحرس ذاكرة الفنان حين يغيب؟

يُستعاد اليوم اسم عباس صلادي بوصفه أحد الأسماء التي تركت بصمة خاصة داخل التجربة التشكيلية المغربية؛ تجربة اقترنت بالتفرد البصري، والاشتغال على العوالم الداخلية، والقدرة على تحويل الهشاشة الاجتماعية إلى لغة تشكيلية ذات قوة رمزية. غير أن استعادة الاسم وحدها لا تكفي إذا لم تُفتح أيضاً أسئلة السياق الإنساني والاجتماعي المرتبط بمساره، وما آل إليه وضع المقربين منه بعد الرحيل.

وفق ما يرويه بعض أفراد العائلة وذوو الحقوق والجوار الاجتماعي بحي ديور المساكين، ثمة شعور متنامٍ بالحسرة والخذلان؛ ليس فقط بسبب ما يعتبرونه غياباً للإنصاف الرمزي، بل كذلك بسبب إحساسهم بأن أصواتهم لم تجد مكاناً داخل السرديات المتداولة حول الفنان. ويعبّر بعضهم عن استغرابهم من إقامة تظاهرات أو معارض تستحضر أعمال الراحل دون أن تتحول المناسبة أيضاً إلى لحظة استماع، أو على الأقل مناسبة لتوثيق شهادات العائلة والوسط الاجتماعي الذي عاش فيه.

ومن بين أكثر النقاط حساسية، ما يثار حول كيفية تداول بعض أعمال الفنان خلال مراحل مختلفة من حياته أو بعد وفاته، وما إذا كانت عمليات البيع والترويج قد جرت في ظروف منصفة تحفظ الكرامة الفنية والحقوق القانونية والأخلاقية المرتبطة بالإرث الثقافي. وهي أسئلة لا يجوز الجزم فيها أو تبني رواية واحدة بشأنها دون وثائق وشهادات متعددة ومستقلة، لكنها تظل أسئلة مشروعة تستحق البحث والتوثيق كلما تعلق الأمر بتراث فنان أصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية الوطنية.

إن الحديث عن المرحومتين مليكة وحليمةوهما أختي المرحوم عباس صلادي، وعن ما يروى من شعور بالخذلان لدى بعض أفراد الأسرة والجيران، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مواجهة مع المؤسسات أو الأشخاص، بل باعتباره مطالبة بإعادة التوازن بين الاحتفاء بالمنجز الفني والالتفات إلى الامتداد الإنساني والاجتماعي لصاحبه. فالتراث لا يقتصر على اللوحات، بل يشمل أيضاً الحكايات والروابط والبيئات التي صنعت الفنان.

من هنا، يبدو ضرورياً التفكير في مبادرات عملية:

  • فتح ورش للتوثيق الشفهي لشهادات الأسرة والجيران والمعاصرين للفنان.
  • ضمان الشفافية في تدبير الأرشيف الفني وأماكن وجود الأعمال ومسارات عرضها.
  • تمكين ذوي الحقوق ـ وفق الأطر القانونية المعمول بها ـ من الاطلاع والتعبير والمشاركة في أي مشاريع استذكارية.
  • تشجيع بحث أكاديمي مستقل يعيد قراءة تجربة الفنان بعيداً عن التقديس أو الاختزال.

إن تكريم الفنان الحقيقي لا يكون فقط بإضاءة القاعات وتعليق اللوحات، بل أيضاً بإضاءة المناطق المعتمة من التاريخ الإنساني الذي رافق إنتاجها.

وربما يكون السؤال الأشد إيلاماً:

كيف يمكن لذاكرة فنان أن تحظى بكل هذا الاعتبار الرمزي، بينما يظل المحيط الذي عاش فيه يشعر بأن شيئاً من الحكاية لم يُقل بعد؟

لوحة احتفاء بمسار عباس صلادي بريشة الفنانة التشكيلية و الكاتبة لبابة لعلج

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *