محمد الغيث كين شاعر الصحراء المخضرم
ذ
محمد الغيث ولد كين من أبرز رموز الشعر الحساني بالصحراء المغربية، وأحد الأصوات الشعرية التي أسهمت على مدى عقود في حفظ التراث الشفهي الحساني وصونه من الاندثار، من خلال مسار حافل بالإبداع الشعري والعطاء الثقافي والعمل الجمعوي. وقد استطاع أن يرسخ مكانته في المشهد الثقافي الصحراوي باعتباره شاعرا مخضرما ومثقفا ملتزما بقضايا الهوية والتراث، جعل من الكلمة الشعرية وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية ونقلها إلى الأجيال الصاعدة.

وُلد محمد الغيث ولد كين بمدينة آسا، جنوب المملكة المغربية، ونشأ في أحضان بيئة صحراوية أصيلة شكلت ملامح شخصيته وطبعت وجدانه منذ سنواته الأولى. فقد رافق والده الفقيه في تنقلاته بين القبائل والرحل بمنطقة آسا الزاك، حيث كانت الصحراء فضاءه الأول للتعلم والاكتشاف، ومصدر إلهامه الدائم. وفي رحاب البادية، وبين الخيام ومجالس السمر، تشكل وعيه المبكر على وقع الحكايات الشعبية والأشعار الحسانية التي كان يتداولها كبار شعراء المنطقة، فنهل من معينها القيم النبيلة والمعارف المتوارثة التي شكلت لاحقاً جوهر تجربته الإبداعية.
بدأت علاقة ولد كين بالشعر الحساني في سن مبكرة، من خلال حسن الإصغاء والإنصات إلى القصائد التي كان يتبادلها الشعراء الذين يفدون على مجلس والده. وقد أتاح له هذا الاحتكاك المباشر بكبار الشعراء فرصة ثمينة لاكتساب المعرفة الشعرية وحفظ العديد من النصوص التي تزخر بها الذاكرة الحسانية. ومع مرور الوقت، تمكن من استيعاب أوزان الشعر الحساني وإيقاعاته المختلفة، قبل أن يخوض أولى تجاربه في النظم خلال مرحلة الشباب، مبرزاً موهبة لافتة في فن “الكطع”، الذي يعد من أبرز أشكال المبارزة الشعرية في الثقافة الحسانية وأكثرها انتشاراً.
وقد انعكست البيئة الصحراوية بوضوح على تجربته الشعرية، فحضر فضاء البادية بكل تفاصيله في قصائده، من ترحال وقيم الكرم والشهامة، إلى الخيمة والماشية وعلاقة الإنسان بالأرض والصحراء. ولم تكن الصحراء بالنسبة إليه مجرد فضاء جغرافي، بل تحولت إلى رمز ثقافي وإنساني حاضر في معظم أعماله، يستلهم منها الصور والمعاني ويستحضر من خلالها ذاكرة المكان وأصالته.
يرى محمد الغيث ولد كين أن الشعر الحساني يتجاوز كونه فناً للتعبير أو وسيلة للتسلية، ليشكل مدرسة متكاملة للقيم والأخلاق والتربية. فالشعر، في نظره، رسالة نبيلة تستمد قوتها من الصدق وعمق المعنى وجمال الصورة، وهو مسؤولية ثقافية وأخلاقية قبل أن يكون إبداعا فنيا. ومن هذا المنطلق، يدعو باستمرار الأجيال الجديدة من الشعراء إلى التمسك بالقيم الرفيعة والغوص في المعاني السامية، وجعل الشعر أداة للبناء والتوجيه والإسهام في ترسيخ الهوية الثقافية للمجتمع.
لم تقتصر اهتمامات ولد كين على الشعر وحده، بل امتدت إلى مجالات فنية وثقافية أخرى، حيث خاض تجربة مميزة في المسرح بمدينة العيون خلال سبعينيات القرن الماضي، وهي التجربة التي أتاحت له الانفتاح على أشكال جديدة من التعبير الفني. كما شارك في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية التي بثتها قناة العيون الجهوية، من بينها مسلسل “غزي انيمش” الذي عرض خلال شهر رمضان سنة 2017، إضافة إلى مسلسل “حاسي العطش”، وهي أعمال ساهمت في إبراز جوانب من الثقافة الحسانية والتعريف بالموروث الصحراوي لدى جمهور واسع.
في مرحلة مبكرة من حياته المهنية، التحق بالقوات المسلحة الملكية، حيث قضى فترة من شبابه في خدمة الوطن، غير أن إصابة تعرض لها إثر حادثة سير حالت دون استمراره في هذا المسار. وبعد مغادرته المؤسسة العسكرية، اتجه إلى ممارسة التجارة والأعمال الحرة، مواصلاً في الوقت ذاته نشاطه الثقافي والأدبي، ومكرساً جهوده لخدمة التراث الحساني وإغنائه.

حارس الذاكرة الحسانية
على مستوى الإنتاج الأدبي، أصدر سنة 2012 ديواناً شعرياً جمع بين دفتيه نخبة من قصائده التي تعكس ثراء تجربته الشعرية وتنوع موضوعاتها. كما شارك في العديد من الملتقيات والمنتديات الثقافية داخل المغرب وخارجه، سواء بصفته شاعراً أو عضواً في لجان تحكيم المسابقات الشعرية. ومن أبرز المحطات في مسيرته تتويجه بالجائزة الأولى في مسابقة شعرية نظمها اتحاد الأدباء الحسانيين بمدينة الداخلة سنة 1995، بمناسبة الاحتفال بذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب، وهو تتويج شكل اعترافاً بمكانته الشعرية وبإسهاماته في خدمة الثقافة الحسانية.
كما بصم الشاعر حضوره في مجال العمل الجمعوي، حيث تقلد عدداً من المسؤوليات داخل هيئات ثقافية واجتماعية، من بينها منصب مستشار بهيئة اتحاد الأدباء الحسانيين، وعضوية اللجنة المركزية للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين والمتقاعدين العسكريين. وقد مكنته هذه المسؤوليات من الإسهام في الدفاع عن قضايا الثقافة والتراث، فضلا عن تمثيل المغرب في عدد من الملتقيات الدولية التي احتضنتها كل من المملكة العربية السعودية وليبيا وغانا، حيث ساهم في التعريف بالثقافة الحسانية وإبراز غناها وتنوعها.
وبين الشعر والفن والعمل الجمعوي، يظل محمد الغيث ولد كين نموذجاً للمثقف الصحراوي الأصيل الذي ظل وفيا لجذوره وقيمه الثقافية. فقد استطاع أن يجمع بين المحافظة على التراث والانفتاح على مختلف أشكال الإبداع، وأن يجعل من تجربته الشخصية جسرا يربط بين الماضي والحاضر. ومن خلال عطائه المتواصل، يواصل أداء رسالته الثقافية في صون الموروث الحساني وإشعاعه داخل المغرب وخارجه، مؤكدا أن الثقافة الحسانية ليست مجرد إرث تاريخي، بل مكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية المغربية ورافد غني من روافد التنوع الثقافي للمملكة.
