«مصطفى خليلي بين التراث والحال» 

«مصطفى خليلي بين التراث والحال» 

قراءة في سيرة فنان صمد في وجه النسيان

صدر مؤخرا عن منشورات رباط نت بالرباط كتاب من تأليف الإعلامي والكاتب حسن هموش الصويري، يحمل عنوان «مصطفى خليلي بين التراث والحال»  ، وهو عمل يندرج في خانة السيرة الذاتية الموثقة المدمجة بالتراث الشفهي المدون، ويعد إضافة نوعية إلى المكتبة الثقافية المغربية في مجال التأريخ للذاكرة الفنية الحية.

جاء هذا الإصدار ثمرة لشراكة إنتاجية متميزة، إذ تولت شركة آل الصناع للإنتاج الفني، التي يقودها المهتم بالشأن الثقافي علي عباس الصناع، الإشراف على إنتاجه وإخراجه في صورة تليق بمكانة موضوعه. وقد أضفى الغلاف الفني الذي أبدعته المهندسة خولة هموش على الكتاب بعدا جماليا يعبر بصريا عن روح المدينة التي يتناولها المتن، مزاوجا بين الأصالة والحداثة في توليف بصري رفيع.

يشكل هذا الكتاب وثيقة إنسانية وأدبية نادرة في المكتبة الثقافية المغربية، إذ يضطلع الكاتب حسن هموش الصويري بمهمة مزدوجة: يؤرخ لمسيرة الفنان مصطفى خليلي، وينقذ في الآن ذاته رافدا من روافد التراث اللامادي لمدينة الصويرة من براثن الاندثار. وقد أتاحت صدفة تواجدهما معا خلال تصوير مسلسل الناس لملاح في صيف 2023 فرصة ذهبية، تحولت فيها الغرفة الواحدة إلى فضاء للاستجواب الدقيق والتدوين الأمين.

من خريجي مدرسة الطيب الصديقي العريقة  و رموز الدراما المسرحية و التلفزيونية والسينمائية

مصطفى خليلي، ليس فنانا عاديا؛ فهو ابن البيئة الروحية للصويرة بامتياز. ولد سنة 1953 بدرب اللبانة، قرب زاوية الحمادشة، فتشرب إيقاعاتها وأهازيجها منذ أن كان طفلا يافعا، ثم نبت فنيا في حضن حزب الاستقلال ليصقل موهبته في الغناء الأندلسي والشكوري والملحون، قبل أن يلتحق بمدرسة الطيب الصديقي سنة 1981، فيتوج مسيرة تكوين ذاتي استثنائي بشهادة عميد المسرح العربي نفسه.

تتوزع صفحات الكتاب وفق مسار كرونولوجي يتخلله الحوار المباشر، وهو ما يمنح النص إيقاعا حيا يجمع بين متعة الرواية الشفهية ورصانة التوثيق التاريخي. يستعرض المؤلف محطات حياة خليلي بدءا من طفولته اليتيمة التي عوضها بمرافقة تلامذة والده الفقيه البشير بنجداير، مرورا بممارسة كرة القدم مع نادي الأمل الصويري، ثم انغماسه في فن الملحون والرزون والعيطة الشياظمية والحمدوشي، حتى يصل إلى تجربته التلفزيونية والسينمائية الناضجة في أعمال من قبيل قصر الباشا والناس لملاح.

غير أن العمق الحقيقي للكتاب يتجلى في استدعائه لأصناف فنية تكاد تنسى. فالرزون، ذلك الفن المحاوراتي الشعري الإيقاعي الذي نشأ من احتكاك حيي بني عنتر والشبانات في الصويرة، يجد في هذا الكتاب مساحة للتعريف والتوثيق يندر مثيلها. وكذا العيطة الشياظمية التي يقرأ فيها المؤلف صوتا ثوريا في عمقه وفضاحا للقهر الاجتماعي، وتحمدوشيت التي يربطها خليلي بالسياق الصوفي والبعد الشفائي الذي توارثته الزاوية الحمدوشية بالصويرة، فضلا عن فن الملحون الذي حظي باعتراف اليونيسكو تراثا عالميا غير مادي في دجنبر 2023، في توافق رمزي مع صدور الكتاب.

على الصعيد الأسلوبي، يعتمد المؤلف لغة عربية مرنة تتداخل فيها الفصحى بالدارجة الصويرية في نقل الأغاني والحكايات، مما يضفي على النص أصالة ميدانية تفقدها لغة التوثيق الأكاديمي الجاف عادة. كما تبرز في الكتاب صور ووثائق وشهادات تعزز مصداقية العمل وتفتح أمام القارئ نافذة بصرية على تلك الحقب.

لا يكتفي المؤلف بالتأريخ؛ إذ يسائل في جرأة هادئة علاقة المدينة بفنانيها وما تتعرض له الذاكرة الصويرية من إهمال مؤسسي. فمصطفى خليلي، الذي كرم في فاس ومكناس وسلا والدار البيضاء، يظل شبه منسي في المشهد الرسمي لمدينته.

في المحصلة، يعد هذا الكتاب إسهاما جوهريا في أدب السيرة المغربية، ومرجعا لا غنى عنه لكل باحث في التراث الفني اللامادي لجنوب المغرب. إنه شاهد على أن الحفاظ على الذاكرة الجماعية فعل إبداعي بامتياز، ومقاومة صامتة للنسيان.

الإعلامي  والسيناريست أحمد بوعروة : مصطفى خليلي فنان بن الصويرة البار وأيقونة التراث المغربي في مسلسل الناس

كتب الإعلامي  والسيناريست أحمد بوعروة في توطئة الكتاب : ”

في درب اللبانة بمدينة الصويرة، ولد الفنان القدير مصطفى خليلي ابن الفقيه الجليل حسن بن جداير وحفيد العلامة البشير بنجداير، حيث نشأ في بيئة تجمع بين الأصالة الروحانية والتنوع الثقافي الذي ميز الصويرة موكادور عبر العصور. كان للطريقة الحمدوشية ولطقوس الزاوية بالقرب من بيته تأثير عميق على تكوينه الفني، حيث تعرف منذ طفولته على الإيقاعات التراثية وألحان الدقة الصويرية ( شريب أتاي)، والتي تمثل تراثا مميزا يعكس هوية المدينة.

بدا خليلي مشواره الفني كممثل في مسرحية اليتيم المظلوم وهو في الثالثة عشرة من عمره ، ولم يتوقف شغفه عند حدود المسرح، بل امتد إلى عالم الموسيقى، حيث انضم إلى فرقة موسيقية برفقة صديقه الفنان عبد الرحيم الصويري، مشاركا في حفلات وطنية وعائلية تعكس الروح الصويرية الأصيلة، تعلم فن الملحون من شيوخ الصويرة وحفظ قصائدهم ، ليصبح متمكنا من هذا التراث الذي جمع بين التقاليد الشفهية والإبداع الفني. كان فن (الرزون )، أحد أبرز ما استمده خليلي من تنوع مدينته الثقافي، فأصبح قادرا على تمثيل هذه الإيقاعات بطريقة تجمع بين الأصالة والإتقان.

أصبح خليلي جزءا من فرقة المخرج القدير الطيب الصديقي بعد مهرجان الموسيقى أولا في عام 1981، حيث أضافت له هذه التجربة أبعادا جديدة في التمثيل المسرحي الذي دمج فيه التراث الصويري باحترافية فنية قل نظيرها. تميزت مسيرته بادوار في أعمال تلفزيونية وأفلام، لكن عمله في مسلسل الناس لملاح كان محطة خاصة. في هذا العمل الذي أشرفت على إعداده كسيناريست ومنتج، برز خليلي ليس فقط كفنان محترف، بل كإنسان ذي شخصية أصيلة وقيم عالية، يحمل في طياته روح الصويرة، المدينة التي تجسد التنوع و الانفتاح.

خلال تجربتنا في تصوير الناس لملاح، اكتشفت في خليلي إنسانا طيبا، خلوقا، مثقفا، وخدوما. كان متعاونا إلى أقصى الحدود، حريصا على مساعدة فريق العمل بمنحه لكل من حوله الثقة والحب. لم يكن مجرد ممثل يؤدي دوره، بل كان شريكا في تجسيد روح الصويرة في المسلسل، مؤديا دورا مركبا بثقافة عميقة وحس فني راق، بين التصوير والنقاشات الثقافية، أتاح لي العمل معه فرصة اكتشاف فنان محب للثقافة والتعلم، يشارك تجاربه ومعارفه بكل تواضع وصدق، ويعكس عمق التراث المغربي بكل أمانة.

تقديرا لمسيرته الفنية الثرية، كرم خليلي مرات في مدن مغربية متعددة كفاس ومكناس وسلا والدار البيضاء ومراكش وتارودانت وزاكورة، حيث يعتبر رمزا للفن الأصيل، وسفيرا لمدينة الصويرة وتراثها المتنوع. إن مسيرته الفنية تجسد نموذجا ملهما، وفنانا حافظ بإخلاص على التراث، وجعل من أعماله مرآة لهوية المغرب الثقافية. في الناس لملاح كان مصطفى خليلي أكبر من ممثل، كان مرآة لتراث مدينته، وشخصية تربط بين الماضي والحاضر، ورحلة حية لعمق وأصالة الفن المغربي”.

مصطفى خليلي الذاكرة المنسية في مدينة الصويرة واللؤلؤة الساطعة في كل الأرجاء 

في مدخل  الكتاب المعنون ب” المصادفة” كتب حسن هموش  عن سياق تدوين هذه السيرة الذاتية والفنية، تكريما لتاريخه كذاكرة فنية صويرية فذة اجتمع فيها ما تفرق في غيرها من فنون تراثية جمة، منها الحمدوشي والرزون والملحون والغناء والتلحين ثم العيطة علاوة على التمثيل المسرحي والدراما التلفزيونية والسينمائية :

”  نحن الآن في بداية فصل الصيف من سنة 2023 الجافة، كنت اليوم رفقة أصدقائي عصرا بمقهى الصويرة الثقافي – حين هاتفني السيناريست والمنتج المغربي البهي : الحاج أحمد بوعروة، المشهور ببرنامجه الاجتماعي (الحبيبة أمي) –  ليذكرني بالموعد الذي عقده معي للمشاركة في مسلسل تلفزيوني وضع له عنوان (الناس لملاح) عن مدينتي الصويرة التي أعشقها حتى الثمالة، بعد النجاح الذي عرفته الحلقة التي صورها معي عن سيرتي الذاتية لبرنامجه الاجتماعي (حنا معك) تبثه القناة الثامنة المازغية لمخرجته المبدعة جميلة بن عيسى البرجي.

يوم  16 يوليوز كنت قد وصلت فرحا إلى استوديوهات التصوير بمنطقة الدروة التابعة لمنطقة برشيد ناحية مدينة الدارالبيضاء. لقد كنت حينها على علم مسبق أنني سألتقي بالصديق الفنان مصطفى خليلي الذي وصل المكان قبلي بيوم واحد، كم كنت سعيدا عندما استقبلنا المنتج وقدمنا  للحاضرين: ممثلين وطاقم فني منسجم، عرفني حينها كمبدع فنان وكاتب وشاعر أمازيغي، كما قدم خليلي الغني عن التعريف مصرحا أن المسلسل الذي سنشارك فيه هو بمثابة تكريم خاص لمصطفى خليلي، وازدادت فرحتي وسعادتي حينما علمت أن مكان إقامتي ستكون معه في غرفة واحدة. فرصة سانحة لي كي أضرب عصفورين بحجر واحد كما يقول المثل: تجربة التمثيل التلفزيوني والذي سأقتحم عالمه لأول مرة، ثم استغلال تواجد خليلي معي لأسأله عن سيرته الذاتية والفنية، وأدونها للتاريخ كذاكرة فنية صويرية فذة اجتمع فيها ما تفرق في غيرها من فنون تراثية جمة، منها الحمدوشي والرزون والملحون والغناء والتلحين ثم العيطة علاوة على التمثيل المسرحي والدراما التلفزيونية والسينمائية.

نعم أعزائي، لقد صادفت دررا ثمينة خلال هذه الفترة التي عايشت خلالها الفنان مصطفى خليلي الذاكرة المنسية في مدينة الصويرة واللؤلؤة الساطعة في كل الأرجاء، لقد أتيحت لي الفرصة الكاملة كي أنفرد به أنصت إليه بإمعان وألتقط كل كلمة تخرج من فمه عطرة، أدونها كي أوصلها لك عزيزي القارئ بكل صدق وأمانة. هي حقيقة، جزء لا يتجزأ من تراثنا وعنصر هام من ذاكرة الصويرة موكادور، فهو الحامل لتراثها اللامادي في فن الملحون والرزون والحمدوشي و العيطة الشياظمية، هوالمشبع بقيمنا المشتركة ومبادئنا رمز هويتنا، التي أبان عليها المغاربة غب الزلزال الذي ضرب الحوز في 8 شتنبر من سنة 2023 حيث عبرت عن سمو الروح الإنسانية وزهدها وتعلمنا منهم دروسا في الحياء والإيثار وحب الوطن، هذا الوطن الذي سيظل شامخا وصامدا بهؤلاء الشرفاء لإخراج كل المنسيين من التهميش والتجهيل إلى نور العلم والتعلم والمساواة لتمكينهم من حقهم في التعليم والصحة والتشغيل، مطلبهم حتى يسير الوطن بسرعة واحدة في كل المجالات.

لقد اخترت لك عزيزي القارئ طريق الشدرات هذه لأرسم لك فيها ما التقطته عيناي وما سمعته أذناي وما تستشعره أحاسيسي، و يدي ممتدة لخليلي تستجلب الذكريات تلو الأخرى التي عايشها وعشنا معه بعضا منها وأنا استبق الكلمات وهي تخرج مسترسلة من فمه الذي أعياه الزمن، أكتب عن كل هذا على أوراقي التي سحبتها من جسدي لعلني أخرج ما خفي الأعظم إلى العلن آملا أن أفي هذا المبدع البهي الراقي النذر الناذر من حقه على هذه البسيطة السعيدة التي أنجبته وجعلت منه إنسانا يسعد الآخرين بإبداعاته الفنية أينما حل وارتحل.

لقد انتهجت في هذا البحث أسلوبا حواريا استهدفت من ورائه استعراضا كرونولوجيا لحياة مصطفى خليلي الإنسان وعالمه كفنان، بدءا بتدرجه في تكوينه المسرحي والغنائي بمقر حزب الاستقلال بالصويرة مرورا بلعب كرة القدم ثم كمريد بالزاوية الحمدوشية حيث صقل موهبته الفنية في عوالم تحمدوشيت والملحون، وكل ما يتعلق بالتراث كعاشق ولهان للعيطة الشياظمية، وختاما داخل مدرسة الطيب الصديقي العتيدة  والتي أهلته كي يقتحم خشبة أبي الفنون و ميدان الدراما التلفزيونية والسينمائية وينجح في ذلك نجاحا مبهرا بشهادة الجميع”.

 

 

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *