تيه الضوء في منازل الذاكرة: إرث الشعيبية طلال بين مطامع السوق وواجب الأمة
ليست الأمم بما تملكه من أراضٍ وحدود ومؤسسات فحسب، بل بما تحفظه من ذاكرة رمزية قادرة على أن تمنح الأجيال المتعاقبة معنى الاستمرار التاريخي. وعندما يتعلق الأمر بتجربة استثنائية مثل تجربة الفنانة المغربية الرائدة الشعيبية طلال وابنها الفنان الحسين طلال، فإن السؤال يتجاوز حدود الملكية الخاصة ليصبح سؤالاً وطنياً يتعلق بمصير أحد أهم الروافد المؤسسة للهوية التشكيلية المغربية الحديثة. فبعد رحيل الشعيبية، ثم الحسين طلال، بات الإرث المادي والرمزي الذي خلفاه معلقاً بين الذاكرة والنسيان، بين منطق السوق ومنطق التاريخ، وبين الرغبة في التملك الفردي والحاجة إلى التثمين الجماعي.
لقد استطاعت الشعيبية طلال أن تفرض اسمها ضمن التجارب الفنية الأكثر فرادة في القرن العشرين، ليس في المغرب فقط، بل في المشهد التشكيلي العالمي أيضاً. فقد تحولت من امرأة بسيطة تنتمي إلى الهامش الاجتماعي إلى رمز ثقافي يعكس قدرة الفن على تجاوز المحددات الطبقية والتعليمية. ومن خلال أعمالها، تأسست لغة بصرية خاصة، قوامها العفوية والخيال والاحتفاء بالحياة، الأمر الذي جعل النقاد يضعونها ضمن أبرز ممثلي التعبير الفطري في الفن العالمي. أما الحسين طلال، فقد واصل هذا المسار عبر بناء تجربة شخصية استطاعت أن تزاوج بين الوفاء للذاكرة العائلية والانفتاح على رهانات التشكيل المعاصر.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإرث لا تكمن فقط في اللوحات الموزعة بين المجموعات الخاصة والفضاءات الفنية، بل أيضاً في الأرشيف الشخصي، والوثائق، والمراسلات، والصور، والأدوات، وفضاءات العيش والإبداع التي شهدت ولادة هذه التجربة. فالمنازل التي احتضنت لحظات الخلق الفني ليست مجرد عقارات قابلة للبيع أو التفويت، وإنما هي مواقع للذاكرة الجماعية، تحمل في جدرانها آثار التحولات الثقافية التي عاشها المغرب خلال العقود الأخيرة.
ومن هنا تبرز الإشكالية الأكثر حساسية: من المستفيد من استمرار هذا الوضع الضبابي؟ هل هي بعض المجموعات الخاصة التي راكمت أعمالاً فنية ذات قيمة تاريخية متزايدة؟ أم بعض الفاعلين في السوق الفنية الذين يجدون في غياب التصنيف القانوني فرصة لتداول الأعمال خارج أي تصور وطني شامل؟ أم أن الأمر يعكس ببساطة غياب سياسة ثقافية استباقية قادرة على تحويل الرأسمال الرمزي إلى رافعة للتنمية الثقافية؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف التشكيك في شرعية الملكية الخاصة أو في دور المقتنين والمهنيين، بل يسعى إلى التنبيه إلى أن الإرث الثقافي عندما يبلغ مستوى الرمزية الوطنية يصبح أكبر من مجرد موضوع للتداول التجاري.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن بيوت الفنانين الكبار يمكن أن تتحول إلى متاحف ومراكز بحث وإشعاع ثقافي تستقطب الزوار والباحثين والمهتمين. فكم من منزل بسيط تحول إلى معلمة وطنية تحفظ الذاكرة وتنعش الاقتصاد الثقافي المحلي. ومن هذا المنطلق، فإن منزل عائلة الشعيبية طلال يمتلك جميع المقومات التي تؤهله ليصبح فضاءً للذاكرة الفنية المغربية، يحتضن الأعمال والأرشيف والبرامج التربوية والبحثية، ويعيد وصل الجمهور بتاريخ إحدى أكثر التجارب التشكيلية المغربية تأثيراً.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في ضياع بعض الأعمال الفنية فحسب، بل في تفكك السردية الثقافية التي تمنح هذه الأعمال معناها التاريخي. فحين تتوزع اللوحات بين الأسواق والمجموعات الخاصة دون وجود مشروع وطني للحفظ والتوثيق، يصبح من الصعب إعادة بناء الذاكرة الكاملة للتجربة. وعندما يضيع الأرشيف أو يتعرض للتلف أو التشتت، فإن جزءاً من تاريخ الفن المغربي يختفي بصمت، تاركاً الباحثين والأجيال القادمة أمام فراغ يصعب تعويضه.
إن اللحظة الراهنة تستدعي تعبئة جماعية تشمل وزارة الثقافة والمؤسسات المتحفية والجماعات الترابية والجامعات والباحثين والنقاد والفاعلين المدنيين، من أجل إطلاق مسار رسمي يفضي إلى جرد شامل لإرث الشعيبية طلال والحسين طلال، وتصنيف منزل العائلة ضمن التراث الثقافي الوطني، والعمل على إنشاء مؤسسة أو متحف يحمل اسميهما ويضمن استدامة هذا الرصيد للأجيال القادمة. فالقضية ليست قضية عائلة بعينها، وإنما قضية ذاكرة وطنية تتعلق بصورة المغرب الثقافية في العالم.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الاحتفاء المناسباتي إلى منطق الحماية المؤسساتية. فالفنانون الكبار لا يرحلون حين تتوقف حياتهم البيولوجية، بل يرحلون فعلاً عندما تعجز مجتمعاتهم عن صيانة آثارهم وتحويلها إلى معرفة مشتركة. والشعيبية طلال ليست مجرد اسم في تاريخ الفن المغربي، بل هي جزء من الوجدان الثقافي للأمة. أما الحسين طلال، فقد أسهم بدوره في صون هذا الامتداد وإغنائه. ولذلك فإن أفضل تكريم لهما لا يكون عبر الخطب والذكريات العابرة، وإنما عبر قرار شجاع يجعل من إرثهما ملكاً رمزياً للأمة، محفوظاً بالقانون، ومصاناً بالمؤسسات، ومفتوحاً أمام الجمهور والباحثين.
إن التاريخ لا يحاسب الشعوب على ما فقدته فحسب، بل على ما كان بإمكانها أن تنقذه ولم تفعل. وبين صمت المؤسسات وضجيج السوق، يبقى إرث الشعيبية طلال والحسين طلال اختباراً حقيقياً لمدى قدرتنا على تحويل الذاكرة الفنية من رأسمال خاص إلى تراث وطني مشترك، ومن أثر مهدد بالاندثار إلى منارة ثقافية تضيء مستقبل الأجيال القادمة.
