التفكير بالنظر كخلفِية للحضارة الجديدة
في إطار فعاليات الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي الذي نظمته مؤخرا جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور بمدينة الدار البيضاء، انعقدت ندوة فكرية تحت عنوان “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية ” ، من تسيير الكاتب والناقد التشكيلي المغربي بنيونس عميروش ، وبمشاركة الدكتور غازي حسني، الباحث والفنان التشكيلي التونسي، والدكتور أحمد السلامة، الفنان التشكيلي السعودي، و الدكتور عباس كويش، الأكاديمي والفنان العراقي، و الفنانة التشكيلية والباحثة المغربية شلا زموري ،و الدكتورة كنزة الصحراوي، الباحثة الجامعية والفنانة التشكيلية التونسية. في مايلي ورقة بنيونس عميروش التأطيرية:
من نافل القول إن الفن العربي عموما أثبت نوعا من الحضور بقدر من الاستحقاق، غير أن هذا الحضور ما زال يدفع بتحقيق شرعية الفنون التشكيلية والبصرية إلى دائرة الفكر العربي المرتبط أساسا بالمكتوب والشفهي. ففي الوقت الذي أنفق فيه الفنانون العرب عدة عقود في تثبيت الأصالة والهوية والخصوصية التعبيرية، يجدون أنفسهم اليوم أمام عملية قفز صريحة على القطعة النحتية واللوحة اللَّتَيْن صارتا سريعا في عداد الإبداعات التشكيلية التقليدية، أمام الفنون الراهنة التي وضعت المادة النبيلة والعجينة الصباغية جانبا، لتعتنق الخفة والسيولة عبر الشاشات والمأطورات Les panneaux والأداءات Les performances والتركيبات الفضائية العابرة التي تغير جلدها مع كل مكان جديد.

نحن أمام تَحَد جديد، بمعطيات جديدة، وطرق تقديم جديدة، وقنوات نشر جديدة، تخطت المتاحف وصالات العرض. ذلك أن الانتقال من الفنون التشكيلية إلى الفنون البصرية، لا بد وأن يثير العديد من التساؤلات. هل نحن بصدد أفول اللوحة؟ هل انتهى زمن اللوحة بعد توليها الزمن البطولي لتاريخ الفن القديم والحديث؟ كيف نجعل من هذه الأخيرة ومجاوراتها التكوينية بؤرة تعبيرية للبصري كما هو متداول في المشهد العام اليوم؟ كيف يمكن ترميم الخروقات التي لحقت الجسم التشكيلي؟ كيف يمكن تحيين بنية الواقع التشكيلي وفق واقع الحال؟
إنها أسئلة، قد تكون مسموحة في اتجاه سعينا لتحريك ذهننا ونظرنا، لنعيد استرجاع حقيقة التشكيل الذي لم يكن تقنيا صرفا، وقد ناصر الذوات والقضايا والمجتمعات باستمرار لينتج ويطور الفكر الإنساني عبر العصور، وكان لا بد أن ينتج الآراء والتأملات والأفكار، وصولا إلى فن المفاهيم الذي يعد درجة عليا من درجات الدفع بالتعبير التشكيلي إلى احتضان الفكر وإنتاجه بدرجة أكثر وفق سيرورة متصاعدة نتجت في بوثقة التشكيل لتتفرع في البصري الذي عليه أن يفرخ داخل وسائطه التي لحقها التجديد. فهل يمكن التسليم بخاصية التوازي بين فن المفاهيم والفن الراهن؟ علما أن الفن المفاهيمي L’art conceptuel ينحدر إلى ستينيات القرن العشرين، كنتيجة منطقية للتقدم المتصاعد للفن الحديث الذي دفع بـ جوزيف كوسث للحسم بكون الفن في مجمله يتحقق بشكل أمثل من خلال المفاهيم كما جاء في بيانه “الفن كفكرة”. ومنذ حينها ظل يتفاعل الفن المفاهيمي ليشكل قاطرة الفنون المعاصرة كما نتمثلها الآن، ونحن على مشارف العشرية الثالثة من الألفية الجديدة.

مع الطفرة التكنولوجية الهائلة، السائرة في التطور السريع، أضحى الفرد في تماسّ مُطْرَد مع المجتمعات والأجناس، بينما يتقاسم المعارف والمهارات في كوكب متحول، دون الحاجة للتنقل الفيزيقي إلى فضاءات الفن التقليدية المغلقة، المحدودة بالجدران، إذ غدت الفرجة محمولة معه عبر جهاز بكف اليد، والفنان العربي كسائر الفنانين في العالم، لا بد أن ينضم إلى الشبكة الإبداعية الإنسانية استجابة لواقع الحضارة الجديدة. ومن ثم، لا بد أن تتجه أعماله نحو وضعيات وإحداثِيات وطروحات مفاهيمية منسجمة مع النبر العالمي، وفق بنية التقاسات والتبادلات التي تتخذ نهجها داخل إطار فنون إنسانية لا تني تجذٍّر قوانينها التعبيرية والجمالية بالرغم من التباينات في المواقف وزوايا الرؤية وفي التقنيات التي تتآلف وتتواشج بين الحداثة والمعاصرة، على اعتبار البصري تفرُّع واسْتِنباط لآثار تشكيلية انتقلت من أسنادها التقليدية إلى وسائط جديدة وبصيغ جديدة تتسم بالتناسل والتحول.
ولعل هذه السمات التي نلحظها بشكل جلي لدى فئات الشباب من المبدعين، إنما تكشف لنا عن ذلك التصارع التجريبي الذي يعيشه الفن المعاصر كرهان اختباري ينطلق من الذات والمحيط والسياق الزمني، لتشكيل نظرة تتوافق مع التحولات الثقافية وترابطاتها مع التقنية والمعلوماتية وفق تأطير مجتمعي يروم تجريب دوال بصرية متجانسة مع فرضياتها ومستنداتها المفاهيمية.
من ثمة، تأتي أهمية التفكير البصري الذي يرتبط مغزاه مبدئيا بقدرة عقلية تمس النواحي الحسية البصرية، بحيث تتسم هذه القدرة بالتفاعل مع الأشكال والصور باعتبارها مواد محسوسَة قابلة للتفكيك والإدراك والقراءة البصرية للعلاقات النسبية وفق مهارات الاستدلال، باعتماد الرؤية التحليلية والتَّخَيُّل المرن.
في الفن، يقودنا التفكير البصري إلى المنابع التشكيلية الأصلية، وإلى سيرورة الاتصالات البالغة الأهمية بين التشكيل والعلم، ومن ثم بين الفن والعلم، وكيف تبوأ العلم مركز الصدارة في تطوير الفن، إلى أن احتل هذا الأخير مدارج الفن، وبلغ الدرجة التي تدعونا إلى التساؤل عن مأل هذا الامتزاج والتداخل بين الفنون والعلوم كما نشهده اليوم.

في حين، يدعونا التفكير البصري إلى الوقوف عند جدواه في التعامل مع هذا الغزو الطوفاني للصورة، ما يبعث على ضرورة المزيد من تفعيل الوعي بأدوات إبصار أشكال الميديا، إذ أصبح إنسان اليوم مُرغَما على التعامل مع التحولات المتسارعة للصورة التي تحيط به من كل حذب وصوب، وقد اخترقت الأزقة والشوارع والأسواق والملاعب الرياضية وغيرها. فيما تظل تتناسل عبر الحواسب وشبكات الأنترنيت والفضائيات والسينما والفيديو ومختلف وسائل الإعلام، وفي صناعات النجوم الخاصة بمجالات السينما والتلفزيون والسياسة والرياضة والأداءات المَشْهَدية بشتى أصنافها. ما يجعلنا أمام نوع التفكير البصري الذي لا يتقوقع في الإبصار بحد ذاته، بقدر ما ينبغي أن يأخد في الحسبان مختلف الجوانب والأبعاد المتعلقة بالذهن والمتخيل والمقروء أيضا، لنضع التفكير بالنظر على محمل الجِدّ كمنطلق للحضارة الكونية الجديدة.
