العاديُّ بوصفه أفقًا للحرية: في مديحِ اليوميِّ بين الرسم الهولندي والتشكيل العربي والمغربي

العاديُّ بوصفه أفقًا للحرية: في مديحِ اليوميِّ بين الرسم الهولندي والتشكيل العربي والمغربي

ليس اليوميُّ مجرد بقايا الزمن التي تتكرر خارج دائرة البطولة، ولا هو ما يتساقط من الذاكرة بوصفه تفاصيل هامشية لا تستحق التأمل، بل يمثل أحد أكثر الحقول الجمالية والفلسفية قدرة على الكشف عن طبيعة المجتمع، وعن علاقته بالحرية والذاكرة والوجود. ومن هنا تأتي أهمية القراءة التي قدمها هيغل للرسم الهولندي في القرن السابع عشر، حين رأى أن تصوير الحياة اليومية لم يكن احتفاءً بالاعتياد، وإنما كان إعلانًا بصريًا عن انتصار تاريخي تحقق بعد تحرير الإنسان الهولندي لفضائه الطبيعي من البحر، وفضائه السياسي من الهيمنة الإسبانية. لقد أصبحت الحياة العادية، في هذا السياق، دليلاً على حرية مكتسبة، وتحول «الأحد» أو «راحة الحياة» إلى استعارة فلسفية لوجودٍ بلغ درجة من التوازن تسمح له بأن يجعل من تفاصيله اليومية موضوعًا للفن.
غير أن هذا التصور لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خصوصية أوروبية خالصة، بل باعتباره مدخلًا لإعادة التفكير في الكيفية التي اشتغلت بها الفنون العربية والمغربية على اليومي، وإن وفق شروط حضارية وتاريخية مختلفة. فبين التجربتين تتقاطع الرغبة في منح الحياة العادية قيمة جمالية، لكنها تفترق في الخلفيات الفكرية التي تمنح هذا اليومي معناه.
في الرسم الهولندي الكلاسيكي، يتحول المنزل، والسوق، والمقهى، والحقول، ومواسم التزلج على الجليد إلى فضاءات تحتفي باستقرار المجتمع المدني، حيث يصبح الإنسان العادي بطل اللوحة الحقيقي. إن الضوء عند رسامي هولندا لا يضيء الأشياء فحسب، بل يكشف شرعية وجودها، ويمنحها كرامة فلسفية. هنا لا يحتاج الفن إلى الأسطورة، لأن الواقع ذاته أصبح جديرًا بالتمثيل.
أما في التجربة العربية، فإن اليومي ظل طويلًا خاضعًا لهيمنة الرمز والذاكرة والسرد الثقافي. فالفنان العربي لم يكن ينظر إلى الحياة اليومية بوصفها غاية في ذاتها، وإنما باعتبارها مدخلًا إلى أسئلة الهوية والانتماء والروح. ولذلك فإن الأسواق القديمة، والأزقة، والمقاهي الشعبية، والاحتفالات، والنساء في فضاءات البيت، والحرف التقليدية، لم تكن مجرد مشاهد واقعية، بل علامات ثقافية تحمل طبقات من التاريخ والذاكرة الجماعية.
ويتجلى هذا التحول بوضوح في التجربة المغربية التي منحت اليومي مكانة استثنائية داخل الفن الحديث والمعاصر. فمنذ رواد التشكيل المغربي، لم يعد تصوير الحياة اليومية مجرد تسجيل إثنوغرافي للمشهد المحلي، بل أصبح وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومحيطه الثقافي. فالمدينة العتيقة، والزليج، والنسيج، والوشم، والحرف التقليدية، والكتابة، والألوان الترابية، كلها تحولت إلى مفردات تشكيلية تعيد إنتاج اليومي بوصفه مخزونًا رمزيًا أكثر منه مشهدًا بصريًا.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين النموذجين؛ ففي حين يحتفل الرسام الهولندي بحرية تحققت تاريخيًا فأثمرت استقرارًا اجتماعيًا، فإن الفنان المغربي غالبًا ما يجعل من اليومي فضاءً للمقاومة الثقافية، ومجالًا لاستعادة الذاكرة، والدفاع عن الخصوصية الحضارية أمام تحولات الحداثة والعولمة. الأول يرسم الواقع لأنه تحقق، والثاني يرسمه لأنه مهدد بالزوال، أو لأنه يحمل إمكانية دائمة لإعادة اكتشاف الذات.
ومن هذه الزاوية، فإن مفهوم هيغل عن “أحد الحياة” يكتسب دلالة جديدة في السياق العربي؛ فالحياة اليومية هنا ليست عطلة من التاريخ، بل استمرار له. إنها ليست لحظة استقرار بقدر ما هي مساحة تفاوض دائم بين الماضي والحاضر، وبين المحلي والعالمي، وبين التراث والابتكار. ولهذا يبدو اليومي في الفن المغربي أكثر كثافة رمزية، وأقل نزوعًا إلى الوصف الخالص.
كما أن العلاقة مع الزمن تختلف بين المدرستين. فاللوحة الهولندية تؤرخ للحظة الحاضرة بوصفها إنجازًا مكتملًا، بينما تميل اللوحة المغربية والعربية إلى جعل الحاضر حاملًا لطبقات زمنية متعددة، حيث يتداخل الأثر الأندلسي، والإفريقي، والأمازيغي، والعربي، والإسلامي في بنية بصرية واحدة. إن الزمن هنا ليس خطيًا، بل هو ذاكرة متراكبة تعيش داخل تفاصيل الحياة اليومية.
ومن الناحية الفكرية، يعكس الرسم الهولندي صعود الفرد بوصفه مركز العالم، بينما تؤكد كثير من التجارب العربية والمغربية مركزية الجماعة والثقافة المشتركة. لذلك فإن الشخصيات في اللوحة الأوروبية تمتلك استقلالها الفردي، في حين تبدو الشخصيات في كثير من اللوحات المغربية جزءًا من نسيج اجتماعي ورمزي أوسع، حيث تتراجع الفردانية لصالح الانتماء الثقافي.
ومع ذلك، فإن التجربتين تلتقيان عند نقطة أساسية، وهي إعادة الاعتبار للإنسان العادي. فالفن الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى الأبطال والأساطير، لأن البطولة قد تكمن في إعداد الخبز، أو في الجلوس داخل مقهى شعبي، أو في عبور الأزقة القديمة، أو في صمت امرأة تنسج سجادة، أو في صياد يعود مع الغروب. إن الجمال لا يولد من استثنائية الحدث، بل من قدرة الفنان على اكتشاف الاستثنائي داخل المألوف.
ولعل الحاجة إلى هذا الدرس تبدو أكثر إلحاحًا اليوم، في زمن تتنازع فيه المجتمعات العربية بين حنين مفرط إلى الماضي، وأحلام طوباوية مؤجلة، حتى أصبح الحاضر نفسه فاقدًا لقيمته الرمزية. إن الفن يذكرنا بأن الحرية لا تُقاس فقط بالتحولات الكبرى، بل أيضًا بقدرتنا على أن نحيا يومنا بكرامة، وأن نرى في التفاصيل البسيطة معنى الوجود.
إن اللوحة، سواء في أمستردام القرن السابع عشر أو في الدار البيضاء، أو مراكش، أو فاس، لا تخلد الأشياء لأنها جميلة فقط، بل لأنها تشهد على شكل من أشكال العيش. وإذا كان هيغل قد رأى في اليومي الهولندي ثمرة الحرية، فإن الفن المغربي المعاصر يدعونا إلى رؤية اليومي بوصفه ممارسة مستمرة للهوية، ومقاومة هادئة للنسيان، وتجديدًا دائمًا لمعنى الانتماء.
وهكذا، فإن قيمة الفن لا تكمن في ابتكار عوالم متخيلة فحسب، وإنما في قدرته على جعل الحياة العادية حدثًا معرفيًا، وتحويل تفاصيل الوجود إلى لغة بصرية تكتب تاريخ الإنسان من الداخل. ففي النهاية، ليست اللوحات الكبرى هي التي ترسم الملاحم وحدها، بل تلك التي تجعل من لحظة عابرة، أو من بيت متواضع، أو من زقاق قديم، أو من جلسة شاي، مرآةً لحريةٍ لا تزال تبحث عن صورتها في العالم.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *