صورة الشرق في الفن الاستشراقي بين الوثيقة والخيال
لم تكن صورة الشرق في الفن الاستشراقي مجرد موضوع جمالي استهوى عين الفنان الأوروبي، ولا مشهدًا غريبًا استقر على سطح اللوحة بدافع الفضول البصري وحده؛ بل كانت نتاج علاقة مركبة بين الرؤية والمعرفة، بين الرحلة والسلطة، بين الانبهار والامتلاك، وبين الشرق كما ظهر في حضوره المادي، والشرق كما تشكل في المخيلة الأوروبية. ومن هنا فإن النظر إلى اللوحة الاستشراقية بوصفها عملًا فنيًا خالصًا لا يكفي، كما أن الاكتفاء بإدانتها بوصفها تشويهًا متعمدًا لا يفي بتعقيدها. فهي، في كثير من نماذجها، وثيقة واصطناع في آن واحد؛ تحفظ بعض الملامح، وتعيد ترتيب بعضها الآخر، وتضع الواقع الشرقي داخل إطار بصري صاغته عين قادمة من خارج المكان.

مشهد السوق، فرانز زافير كوسلر (نمساوي، 1864-1905)، موقع ومؤرخ أسفل اليمين فرانز كوسلر 1896، زيت على قماش (62.9 × 100.4 سم)
لقد دخل الفنانون المستشرقون إلى الشرق وهم يحملون معهم تقاليد أكاديمية أوروبية، وأسئلة جمالية، وتصورات ثقافية مسبقة، وأحيانًا خيالًا محملًا بصور الأسطورة والرحلة والنصوص الأدبية والكتابات الاستعمارية. وحين واجهوا المدن العربية والإسلامية وجدوا أمامهم عالمًا شديد الثراء: ضوءًا حادًا يغير معنى اللون، وعمارة تتكلم بالأقواس والقباب والمآذن والمشربيات، وأسواقًا تضج بالحركة، وحرفًا يدوية تكشف العلاقة العميقة بين اليد والمادة، وملابس وطقوسًا ووجوهًا بدت لهم مختلفة عن مألوفهم الأوروبي. غير أن هذا الاختلاف لم يُنقل دائمًا كما هو، بل أُعيد تشكيله داخل منظومة نظر جعلت الشرق أحيانًا مجالًا للدهشة، وأحيانًا مسرحًا للغرابة، وأحيانًا وثيقة بصرية ذات قيمة تاريخية لا يمكن تجاهلها.

شارع الصنادقية، لودفيغ دويتش، 1889، زيت على قماش
ومن هنا تنبع صعوبة الفن الاستشراقي؛ فهو لا يسمح بحكم واحد حاسم. ففيه أعمال اقتربت من المكان بعين مراقبة، حريصة على تفاصيل العمارة واللباس والحرف والحياة اليومية، حتى غدت بعض اللوحات اليوم مصدرًا مساعدًا للباحثين في تاريخ المدن والآثار والأزياء والطقوس والفضاءات الاجتماعية. وفيه، في المقابل، أعمال صنعت شرقًا متخيلًا، ساكنًا، حالمًا، منفصلًا عن التاريخ، يوافق رغبة المتلقي الأوروبي في رؤية عالم غريب ومثير، لا عالمًا حيًا له صراعاته وتحولاته ووعيه بذاته. وبين هذين الطرفين تتوزع معظم اللوحات الاستشراقية في مساحة رمادية يتداخل فيها التوثيق بالتخييل، والمشاهدة بالرغبة، والدقة الفنية بالاختيار الثقافي والأيديولوجي.

سوق بالقاهرة، أغسطس فون سيجين، نهايات القرن التاسع عشر الميلادي.
ولعل هذه المساحة الرمادية هي التي تجعل اللوحة الاستشراقية مادة شديدة الإغراء للقراءة النقدية. فهي لا تكذب دائمًا، ولا تصدق دائمًا؛ بل تقول الحقيقة من زاوية محددة، ثم تترك الخيال يكمل ما لم تره العين، أو ما لم ترغب في رؤيته. وقد تكون الدقة في رسم زخرفة جدار، أو هيئة باب، أو شكل سلاح، أو طراز لباس، دقة مدهشة حقًا، لكنها قد تجاور تصورًا ثقافيًا يجعل الإنسان الشرقي ساكنًا، صامتًا، مستسلِمًا للنظر، كأنه جزء من المشهد لا فاعل فيه. وهنا تظهر المفارقة: يمكن للوحة واحدة أن تكون نافعة للباحث في تاريخ العمارة واللباس، ومقلقة للباحث في تاريخ التمثيل الثقافي.

بوابة المتولي، ديفيد روبرتس، 1840، زيت على قماش.
وقد تعددت الاتجاهات الفنية التي تشكلت داخل هذا المجال. فالنزعة الرومانسية رأت الشرق فضاءً للحلم والمغامرة والدهشة، فغلبت على بعض أعمالها أجواء الصحراء والقوافل والفرسان والأسرار المغلقة والمشاهد ذات الطابع المسرحي. ويمكن أن نجد أثر ذلك عند أوجين ديلاكروا، خاصة في علاقته بشمال أفريقيا، حيث بدا الشرق لديه تجربة لونية ونفسية بقدر ما كان موضوعًا جغرافيًا. أما النزعة الأكاديمية فقد تعاملت مع الشرق بوصفه موضوعًا غنيًا للتكوين الصارم، والجسد المنضبط، والملابس التفصيلية، والفضاءات المعمارية المحكمة، كما نجد في أعمال جان ليون جيروم التي بلغت في دقتها التقنية حدًا يجعل الخيال يبدو كأنه واقع مشاهد. وظهرت، إلى جانب ذلك، نزعة واقعية أو شبه توثيقية سعت إلى تسجيل الأسواق والحرفيين والمباني والملابس وأنماط العيش، بما يجعل بعض الأعمال أقرب إلى السجل البصري، كما في رسوم ولوحات ديفيد روبرتس وجون فردريك لويس. ثم جاءت حساسيات فنية أخرى جعلت الضوء الشرقي نفسه موضوعًا للرسم، حيث لم يعد الشرق مجرد أشخاص وأمكنة، بل صار تجربة لونية وضوئية غيرت علاقة الفنان بالسطح والظل والفضاء.
بعض من النسوة يملأن مياه من النيل، نارسيس بيرشير، زيت على قماش، مقاس (62.5 X 44سم)
ولعل القيمة الحضارية والأثرية في بعض هذه الأعمال تكمن في قدرتها على حفظ تفاصيل كان يمكن أن يطويها النسيان. فاللوحة قد تحتفظ بواجهة معمارية تبدلت، أو حرفة تراجعت، أو هيئة سوق تغيرت، أو نمط لباس لم يعد شائعًا، أو طريقة جلوس وتبادل وعبادة واحتفال غابت عن الحياة اليومية. ومن هذه الناحية، يصبح الفن الاستشراقي وثيقة موازية، لا تحل محل النص التاريخي ولا الصورة الفوتوغرافية ولا الأثر المادي، لكنها تضيف إلى جميع ذلك أثرًا بصريًا غنيًا ينبغي التعامل معه بوصفه شاهدًا مشروطًا لا شاهدًا مطلقًا. فلوحات الأسواق والحرفيين والكتبة وباعة العطور والأقمشة لا تمنحنا تاريخًا كاملًا للمجتمع الشرقي، لكنها تكشف عن هيئة من هيئاته، وعن أثر من آثاره، وعن تفاصيل مادية قد تساعد على فهم المكان إذا قورنت بالمصادر الأخرى.

القاهرة، نارسيس بيرشير (1819 – 1891)، زيت على قماش، مقاس (55.5 × 46.6 سم).
غير أن خطورة اللوحة الاستشراقية تبدأ من موضع قوتها ذاته: الصورة. فالصورة تبدو أحيانًا قادرة على الإقناع أكثر من النص؛ لأنها تمنح المتلقي وهم الحضور المباشر. لكن اللوحة لا تنقل الواقع كما هو، بل تنتقيه، وتعيد تركيبه، وتمنحه ترتيبًا ومعنى. والفنان حين يرسم سوقًا أو مسجدًا أو بيتًا أو امرأة أو صانعًا أو شيخًا، لا يقدم المكان فحسب، بل يقدم تصورًا عنه. إنه يختار زاوية النظر، ويحدد ما يظهر وما يغيب، ويقرر أي العناصر تستحق المركز وأيها يُدفع إلى الهامش. ولذلك فإن السؤال أمام الفن الاستشراقي لا يكون: هل رسم الشرق أم لم يرسمه؟ بل: أي شرق رسم؟ ولأي عين؟ وداخل أي سياق ثقافي وسياسي وجمالي؟

إستعراض المهجرين، فرانز زافير كوسلر، زيت على قماش، مقاس (89× 121سم)، موقع ومؤرخ أسفل اليمين فرانز كوسلر 1898.
في هذا السياق تبدو لوحة “الجارية الكبرى” أو “الأوداليسك الكبرى” لجان أوغست دومينيك إنجر مثالًا واضحًا على الشرق المتخيل الذي لم يستند إلى معايشة مباشرة للمكان، بقدر ما استند إلى ذخيرة أدبية وبصرية أوروبية صنعت الحريم الشرقي بوصفه فضاءً للفتنة والعزلة والترف. وعلى الضفة الأخرى، تبدو لوحة “نساء الجزائر في مخدعهن” لديلاكروا أكثر اتصالًا بتجربة السفر والمعاينة، لكنها لا تخرج تمامًا من دائرة التأويل الأوروبي للفضاء الداخلي الشرقي. أما جيروم، في أعماله ذات الصنعة المحكمة، فقد بلغ من إتقان التفاصيل ما يجعل اللوحة أقرب إلى صورة موثقة، غير أن هذا الإتقان نفسه قد يخفي آلية الاختيار والاصطناع؛ إذ تبدو الغرابة أحيانًا مرتبة بعناية، وتبدو الدقة خادمة لتصور سابق عن الشرق لا نتيجة بريئة للمشاهدة وحدها.
لقد كان الشرق، في كثير من اللوحات، موضوعًا للانبهار، لكنه كان أيضًا موضوعًا للامتلاك الرمزي. فاللوحة التي تعرض المكان الشرقي في صالة أوروبية لا تنقله جغرافيًا فحسب، بل تنقله إلى نظام آخر من التلقي والمعنى. يصبح السوق مشهدًا للفرجة، والبيت الشرقي فضاءً للخيال، والمرأة رمزًا للغموض، والحرفة علامة على زمن بطيء، والمدينة القديمة صورة لعالم يبدو كأنه خارج التاريخ الحديث. وهنا لا يعود الشرق واقعًا حيًا فقط، بل يتحول إلى صورة قابلة للاستهلاك البصري، تُعرض وتُقتنى وتُفسر وفق رغبات جمهور بعيد عنه. ومن هنا فإن الفن الاستشراقي لم يكن منفصلًا عن سوق الفن، ولا عن المتاحف، ولا عن رحلات الاكتشاف، ولا عن توسع الإمبراطوريات الأوروبية، بل كان جزءًا من شبكة واسعة جعلت الشرق موضوعًا للمعرفة والاقتناء والفرجة في وقت واحد.

جان ليون جيروم -مروض الأفاعي .
ومع ذلك، فإن الإنصاف النقدي يفرض ألا نختزل الفن الاستشراقي في فكرة التشويه وحدها. فقد كان بين الفنانين من أطال النظر في المكان، ومن اقترب من تفاصيله بعناية، ومن قدّم أعمالًا ذات قيمة فنية وتوثيقية لا تُنكر. بعضهم سجّل ملامح العمارة، وبعضهم رصد الحرف والأسواق، وبعضهم اهتم بالملابس والأدوات والعادات، وبعضهم وجد في الضوء الشرقي فرصة لإعادة التفكير في اللون والتكوين. فرحلات ديفيد روبرتس في مصر وبلاد الشام، وما نتج عنها من رسوم ومطبوعات واسعة الانتشار، تقدم مثالًا على الصورة التي تتحرك بين الرحلة والسجل والمنظر الأثري. كما أن إقامة جون فردريك لويس في القاهرة خلال أربعينيات القرن التاسع عشر أتاحت له بناء عالم بصري أكثر اتصالًا بالتفاصيل اليومية، وإن ظل هذا العالم في النهاية مصاغًا داخل تقاليد الذوق الفيكتوري ومتطلبات السوق الأوروبية.
ومن ثم فإن قراءة هذا الفن تحتاج إلى توازن دقيق: ألا نُسقط عنه قيمته الفنية بسبب إشكالاته الثقافية، وألا نُسقط إشكالاته الثقافية بسبب جماله الفني. فالمسألة ليست أن نحب الفن الاستشراقي بلا تحفظ، ولا أن نرفضه بلا نظر، بل أن نقرأه قراءة مركبة. إن جمال التكوين لا يلغي سؤال السلطة، ودقة الزخرفة لا تلغي سؤال التمثيل، وروعة اللون لا تمنعنا من مساءلة زاوية النظر. فاللوحة الجميلة قد تحمل في داخلها افتراضًا ثقافيًا غير بريء، كما أن اللوحة المتورطة في خطاب استشراقي قد تحفظ تفصيلًا أثريًا أو عمرانيًا لا غنى عنه للباحث.
إن اللوحة الاستشراقية، في حقيقتها، نافذة مزدوجة: تطل من جهة على الشرق كما رآه الآخر، وتطل من جهة ثانية على الآخر وهو يصنع صورته عن الشرق. فهي لا تكشف الشرق وحده، بل تكشف كذلك خيال الغرب، وذائقته، ومخاوفه، وانجذابه، وحدود معرفته، وأحيانًا موقع قوته. لذلك فإن دراستها ليست شأنًا فنيًا محدودًا، بل مدخل لفهم تاريخ الصورة بوصفها أداة معرفة وتمثيل، وربما أداة هيمنة أيضًا. فالصورة لا تكتفي بأن تقول: هذا ما رأيته، بل تقول ضمنيًا: هذا ما أريدك أن تراه.
ومن هنا تبدو العلاقة بين الفن الاستشراقي والتراث العربي والإسلامي علاقة شديدة الالتباس. فقد دخلت القباب والمآذن والمشربيات والأسواق والحمامات والحرف والملابس والفرسان والمخطوطات والآثار إلى اللوحة الأوروبية بوصفها علامات على عالم شديد الجاذبية. غير أن هذه العلامات كثيرًا ما انفصلت عن سياقاتها الأصلية، وتحولت إلى مفردات بصرية تُستخدم لبناء مشهد شرقي عام، قد يخلط بين القاهرة ودمشق وفاس والجزائر وإسطنبول، أو يدمج بين الواقعي والمتخيل، أو يجعل من التنوع الحضاري الواسع صورة واحدة تختصر الشرق كله في طابع غرائبي جامع. ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين العلامة البصرية وسياقها الحضاري؛ فالقبة ليست مجرد شكل، والمشربية ليست مجرد زخرفة، والحمام ليس مجرد مكان للفرجة، والحرفة ليست علامة على التخلف أو البطء، بل هي مكونات حياة وتاريخ ووظيفة وذاكرة.
وليس من المصادفة أن تحضر المرأة الشرقية، في عدد كبير من اللوحات، بوصفها إحدى أكثر علامات الشرق قابلية للتخيل الأوروبي. فقد تحولت صورة الحريم والمرأة الجالسة والراقصة والجارية إلى مجال واسع للإسقاط البصري، حيث اختلطت الرغبة الجمالية بالخيال الاجتماعي، والتكوين الأكاديمي بالفضول المحظور. ومع ذلك، لا ينبغي أن تقرأ هذه الصور من باب الأخلاق وحدها، بل من باب تاريخ النظر: من يملك حق النظر؟ ومن يتحول إلى موضوع منظور؟ وكيف يصبح الجسد علامة على حضارة بأكملها؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل دراسة تمثيل المرأة في الفن الاستشراقي جزءًا من نقد الصورة، لا مجرد اعتراض على موضوع بعينه.
وفي المقابل، تكشف بعض الأعمال الاستشراقية عن حضور الإنسان الشرقي بوصفه صاحب حرفة أو معرفة أو وقار اجتماعي، لا مجرد عنصر غرائبي. فشخصية الكاتب العمومي أو الناسخ أو القارئ أو العالم أو البائع أو الصانع تظهر في عدد من اللوحات محاطة بأدواتها وفضائها المهني، وهو ما يمنحنا مادة مهمة لفهم علاقة الجسد بالعمل، واللباس بالمكانة، والأداة بالوظيفة. غير أن هذه القيمة لا تمنع من التساؤل عما إذا كانت اللوحة تقدم هذا الإنسان في حركته التاريخية أم تثبته داخل لحظة ساكنة تلائم خيال المتلقي الأوروبي عن شرق أبدي لا يتغير.
وهذا ما يجعل استعادة قراءة الفن الاستشراقي اليوم ضرورة ثقافية لا ترفًا معرفيًا. فهذه اللوحات ليست ملكًا للمتاحف وحدها، ولا للذائقة الفنية الأوروبية وحدها، بل هي جزء من تاريخ طويل لتصوير حضارتنا من خارجها. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نعيد النظر فيها: لا لنلغيها، ولا لنغرق في الانبهار بها، بل لنفهم كيف شُكِّلت صورة الشرق، وكيف انتقلت إلى الوعي العالمي، وكيف أثرت في تصورات الآخرين عنا، بل ربما في بعض تصوراتنا عن أنفسنا. فالصورة التي صنعها الآخر قد تعود إلينا أحيانًا بوصفها صورة جاهزة عن الذات، وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة، لأن التمثيل لا يظل خارجنا دائمًا، بل قد يتسلل إلى وعينا بتاريخنا ومكاننا وأجسادنا ومدننا.
إن القراءة الواعية للفن الاستشراقي تبدأ من الاعتراف بازدواجه. فهو يحمل أثرًا من الحقيقة، لكنه لا يمنح الحقيقة كاملة. يضيء جانبًا من المكان، لكنه قد يحجب جوانب أخرى. يحفظ تفاصيل مدهشة، لكنه قد يسجنها في إطار خيالي. يمنحنا وثيقة، لكنه يطلب منا أن نقرأ شروط إنتاجها. وهذا ما يجعل اللوحة الاستشراقية نصًا بصريًا مفتوحًا على التأويل، لا مجرد صورة جميلة معلقة على جدار. إنها وثيقة ينبغي أن تُساءل كما تُقرأ الوثائق: من أنتجها؟ ولمن؟ وفي أي ظرف؟ وبأي أدوات؟ ووفق أي رغبات جمالية أو سياسية أو تجارية؟
ولذلك، فإن التعامل الأعمق مع هذا الفن يقتضي أن نضعه داخل شبكة من الأسئلة: ما علاقة اللوحة بالرحلة؟ ما علاقتها بالاستعمار والأسواق الفنية والمتاحف؟ ما الذي سجّلته بدقة؟ وما الذي بالغت فيه؟ ما الذي جعلته مركزًا؟ وما الذي أبقته في الظل؟ كيف صُوِّر الإنسان الشرقي: فاعلًا في تاريخه أم عنصرًا ساكنًا في مشهد؟ كيف ظهرت المدينة: فضاءً حيًا متغيرًا أم مسرحًا للغرابة؟ وكيف تحولت الحرفة والعمارة والملبس والطقس من مكونات حياة يومية إلى رموز بصرية تُستهلك في المخيلة الأوروبية؟
وفي النهاية، لم يكن الشرق في الفن الاستشراقي حقيقة خالصة، ولا وهمًا كاملًا. كان مساحة متداخلة بين المشاهدة والاختراع، بين الوثيقة والرغبة، بين الأثر والخيال. ولهذا تكمن أهميته وخطورته معًا. فهو يمنحنا صورًا آسرة، لكنه يدعونا إلى ما هو أبعد من أسر الجمال: أن نقرأ الصورة كما نقرأ النص، وأن نسائل اللوحة كما نسائل الوثيقة، وأن ندرك أن الشرق لم يكن في تلك الأعمال موضوعًا مرسومًا فحسب، بل كان ميدانًا لتشكيل معنى، وبناء خيال، وصياغة علاقة طويلة بين من يرى ومن يُرى.
ومن هنا، فإن قيمة الفن الاستشراقي لا تكمن في أنه قال الحقيقة كاملة، بل في أنه ترك لنا أثرًا بصريًا معقدًا يستحق أن يُقرأ بوعي. فهو مرة شاهد على عمران وحرفة وملبس وطقس، ومرة مرآة لرغبة أوروبية في شرق متخيل، وفي الحالتين يظل مادة لا غنى عنها لفهم تاريخ الصورة، وتاريخ التمثيل، وتاريخ العلاقة بين الشرق والغرب. فالصورة التي تبدو ساكنة على القماش قد تكون في حقيقتها ساحة كاملة للصراع بين الذاكرة والخيال، وبين الجمال والمعرفة، وبين الواقع كما كان، والشرق كما أراد الآخر أن يراه.
الهوامش:
[1] إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981.
[2] Jennifer Meagher, “Orientalism in Nineteenth-Century Art,” Heilbrunn Timeline of Art History, New York: The Metropolitan Museum of Art, 2004.
[3] Linda Nochlin, “The Imaginary Orient,” Art in America, vol. 71, no. 5, May 1983
[4] Jean-Auguste-Dominique Ingres, La Grande Odalisque, 1814, Musée du Louvre, Paris Eugène Delacroix, Femmes d’Alger dans leur appartement, 1834, Musée du Louvre, Paris.
[5] John M. MacKenzie, Orientalism: History, Theory and the Arts, Manchester and New York: Manchester University Press, 1995.
[6] David Roberts, The Holy Land, Syria, Idumea, Arabia, Egypt, and Nubia, lithographed by Louis Haghe, London: F. G. Moon, 1842–1849.
[7] Briony Llewellyn and Charles Newton, The Orientalist Paintings of John Frederick Lewis, London: Sotheby’s Publications, 1985.
[8] Mary Roberts, Intimate Outsiders: The Harem in Ottoman and Orientalist Art and Travel Literature, Durham and London: Duke University Press, 2007.
[9] Gerald M. Ackerman, The Life and Work of Jean-Léon Gérôme, London: Sotheby’s Publications, 1986؛ Scott Allan and Mary Morton, eds., Reconsidering Gérôme, Los Angeles: J. Paul Getty Museum, 2010.
[10] Roger Benjamin, Orientalist Aesthetics: Art, Colonialism, and French North Africa, 1880–1930, Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 2003.
[11] شاكر عبد الحميد، عصر الصورة: السلبيات والإيجابيات، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 311، 2005.
[12] W. J. T. Mitchell, Iconology: Image, Text, Ideology, Chicago: University of Chicago Press, 1986.
