الحبيب بيدة: الفنّان المعلّم والنّاقد والإنسان

من أين أبدأ الحديث عن الأستاذ الدكتور الإنسان والباحث والفنّان والنّاقد الحبيب بيدة ؟ من أين يمكن لي أن أخاتل اللّغة لألج لبّ المعاني وجوهر الكلمات وجدارة الألفاظ كي أؤثّث بها خطابا حول هذه الشّخصيّة ؟ في الواقع يصعب أن يقدم المرء أستاذه وصديقه وأن يكون في حجم هذه المهمّة الشّائكة. لكن يحدوني بعض من الاعتزاز في القيام بهذا الأمر ويغمرني إحساس بأنّني ربّما أوفّي الرّجل بعضا من حقّه في زمن يعجز فيه الخلّ أن يكون وفيّا والصّديق صدوقا والحبيب قريبا.

قيمة علمية نادرة
الحبيب بيدة قيمة علمية ومعرفيّة نادرة الوجود وقيمة فنّية إبداعيّة متفرّدة لها مكانتها وفنّها الرّاقي وقيمتها الإنسانيّة الرّفيعة. إنّه الباحث العلمي الدّقيق الجامع بين حاضنتين ثقافيّتين مختلفتين، ما بين غربي وعربي، شرقيّ وأوروبيّ، والدّارس للتّراث والمحدّث في الفنّ، إنّه المجدّد في الدّرس والبحث والباعث للتّجريب مجالا بحثيّا وتشكيليّا. إنّه الفنّان الّذي يتوق إلى إعتاق الذّات وتحقيق الانعتاق ومعانقة المطلق الفسيح من التّعبير عن الحاجة الإنسانيّة للمغامرة والإبداع وللبوح بالدّفين من مكنونات الوجود الكامن في المخلوق. الحبيب بيدة الإنسان العطوف والبشوش، صاحب الصّدر الرّحب والقبول الحسن، الغضوب بلين والودود في الشّدة، الصّديق الّذي لا يتخلّف عن الواجب، لا يتوانى في مدّ العون ولا يتأخّر في استشارة أو رأي. وهو كذلك النّقابي في الرّؤية والمقاربة. آمن بالعمل الفردي فبحث وبحث ودرس وتدارس. وتعلّقت همّته بأعلى المراتب فنالها وأضحى ثاني عربيّ يتحصّل على شهادة دكتوراه الدّولة بعد عفيف بهنسي. وآمن بالعمل الجماعي فكان عونا لزملائه ودرعا لطلبته ووساما على صدر الباحثين تحت إشرافه، لأنّه لم يكن أبدا من فئة المؤطّرين الدّكتاتوريين المستبدّين في زمن يصير فيه التّسجيل بالدّكتوراه نوعا من العبوديّة الجديدة. يحب أصدقاءه، يقدّم معارضهم، فيضحّي بالوقت والأعصاب من أجل إخصاب تجاربهم… لذلك ساهم في تقدّم الفنون التّشكيليّة بالبلاد من خلال مقالاته ونقده وتصوّراته الّتي لا يخفيها عن أحد ولا يستأثر بها لنفسه.

بيدة المبدع
حين قرّر الحبيب بيدة أن يكون فنّانا تشكيليّا، اختار أن يكون الرّسم تقنيته، رغم أنّه حاصل على شهادة الأستاذيّة في الفنون التّشكيليّة اختصاص خزف. وأعتقد أنّ لهذا التّكوين في الخزف أثر كبير على تجربة الفنّان وعلى مسارها مهما كانت المراحل الّتي مرّ بها وتجاوزها أو استبقى منها بعضا من الخصائص والمكوّنات. وفضّل الفنّان الشّاب الّذي عاش تقلّبات نهاية السّتينات يافعا وكامل السّبعينات مدركا واعيا أن يكون الفنّ الّذي يقدّم غير معزول عن ساحة الأحداث الثّقافيّة المحليّة والدّوليّة الإقليميّة والعالميّة. كانت بداياته التّشكيليّة بحثا حقيقيّا عن الذّات. مطمح شرعيّ لكلّ شابّ تواجهه مفترقات الاختيار في الحياة. كيف يتمّ خبر الذّات ودفعها إلى ممارسة الوجود وكيف تكون هذه الذّات جديرة بالوجود فتظفر به ؟ الذّات … الخلق .. الإبداع…. ثالوث يصعب للمرء الإقامة بين أضلاعه. هذا هو الموقف الصّعب الّذي يقفه كلّ فنّان أراد أن يكون فنّه مرتبطا به عاكسا ذاتيّته وخصوصيّته وفرادته. وهي مسائل تطلب ذاتها كي يكون الإبداع أصيلا وكي تكون الذّات المبدعة حرّة طليقة لا ترتهن لغير قيمتها المطلقة في الوجود.

كانت بدايات الحبيب بيدة التّشكيليّة حوارا إبداعيّا مع التّراث من خلال عمليّة (قيل عنها) إحياء التّراث والتّعامل معه على أساس أنّه خزّان هائل من العلامات والقرافيزمات الّتي يمكن أن تكون بديلا عن مقاربة المشهدي والعامّي من المواضيع المبتذلة والمتداولة في تاريخ الفنون التّشكيليّة التّونسيّة. وهو اختيار مشترك مع أبناء جيله من الفنّانين التّشكيليّن الّذين حرّكهم الاعتقاد في اعتبار التراث مادّة حيّة يمكن أن يلوذوا به من تمغرب هم في غنى عنه. وليس ذلك غريبا أو بدعة في ظلّ توجّه جماعي نحو التّجريد المرتبط بالعلامة التّراثيّة على شاكلة التّجريب الأدبي والمسرحي والموسيقي المستلهم للتّراث والمجدّد فيه من أجل هويّة فنّية وثقافيّة تساهم في بناء الوعي بمتطلّبات الفترة. وفعلا كانت مرحلة صعبة… مرحلة بناء يهيّئ للإقلاع. كيف نفهم هذا التّراث وكيف نوظّفه وهل من سبيل للتّعامل معه بآليّات الفنّ الحديث والمعاصر بفكر حديث ومعاصر أيضا ؟ إنّ الفهم والاستيعاب هما المؤهّلان الرّئيسيّان لكلّ عمليّة تصور. هذا هو المنهج الّذي اتّبعه بيدة في العمل الجماعي وفي المسار الفردي. من هنا تأسّس البحث المرجعي في مجال المفردات التّشكيليّة ليكون العمل من التّوثيق فالدّراسة والفهم والتّحليل إلى التّوظيف. وهو ما قام به بمعيّة أقران عديدين من السّابقين له ومن المعاصرين واللاّحقين. غير أنّ بيدة كان أشدّ تمسّكا بالمتون الفكريّة والفلسفيّة العربيّة القديمة والحديثة، فكان أن أضاف للفهم والتّحليل والتّوظيف حجّة النّص والمقولة والفكرة والنّظريّة. ومن ولهه باللّغة العربيّة نمّى قدراتها على استيعاب اللّغة للفكر التّشكيلي الحداثي من خلال كتاباته النّظريّة والنّقديّة ذات العمق الفلسفي والإبداع اللّغوي النّاحت للمصطلحات والمبتكر لجهاز من المفاهيم والاصطلاحات الّتي جادت بها أبحاث الفنّان والباحث العلمي.

كان الفنّان وما زال يسعى إلى أن يقترن الفعل في الفنّ بالفكر والكتابة، لذلك يسعى إلى إحاطة عمله بالكتابة فعلا متواصلا لعلّه يظفر من خلالها بكنه خاصّ من المتعة الّتي قلّما تتوفّر مواصفاتها في الحقل التّشكيلي المحلّي والإقليمي فهو من القلائل الّذين يكتبون موازاة للرّسم، بمعنى يقدّمون لأعمالهم وهي عادة نادرة بأوساطنا التّشكيليّة. هذا ما يجعل إمكانية التّورّط في خانات التّداخل بين النّصّي والتّشكيلي واردا في تناول أعماله التّشكيليّة، وأظنّ أنّ البحث في التّوازي بين الخطاب الصّوري والخطاب اللّغوي هو الأجدى عند قيام التّناظر بين العملين أو ما يطلق عليه بيدة نفسه الجدل الأزلي إذ يقول: “إن التّعبير عن الفكر يمكن أن يكون بواسطة اللغة كما يمكن التعبير عنه بالعمل، فالعلاقة بين الفكر والعمل من ناحية والعلاقة بين العمل واللغة من ناحية أخرى جدلية أزلية”.

تترجم الصّياغات الأولى، الّتي ركّز فيها الحبيب بيدة على الإيقاع والتّراكم والحركة الحلزونيّة رغبة في استيعاب المدروس وفي الانضباط إلى إملاءات القناعة، الّتي تولّدت لدى الرّسام إبّان الفترة الدّراسيّة وهي قناعات تبدو للوهلة الأولى على علاقة بالمتن التّراثي وبالبحث عن مخرج لأزمات الهويّة التّشكيليّة، إلاّ أنّ الرّسام وجد في الحريّة وفي الابتعاد عن الإلزام منهجا يمكّنه من محاورة العلامات والأشكال بأسلوب أكثر تدفّقا وشاعريّة واقترابا من ذاته أو لنقل أكثر صدقا مع الذّات ومع تشكّلات الإبداع. لذلك تعمّد المباعدة بين المرئي الماثل وبين الإبداعي المتخيّل، الّذي يطلق عليه نور الدّين الهاني اصطلاح “الأثر المنسيّ” في إشارة إلى استنهاض القوى النّفسيّة للّاوعي في بواطن الفنّان في حين يطلق بيدة عليها اصطلاح العلامات المهملة، أي تلك العلامات الّتي يقفز فوقها وعي وانتباه العاديّ من النّاس في تأكيد على قدرة الفنّان على استيعاب اللاّمرئي عند الآخر.
بعد فترة من جسّ النّبض ومن مراودة البناء التّشكيلي الإيقاعي بتنويعات مختلفة ومتجدّدة، فاضت أعمال الحبيب بيدة بنغميّة غير معهودة، موسيقى التّنقّل البصريّ، إيقاعا عموديّا وأفقيّا تصاعديّا أو ممتدّا وأحيانا نازلا أو منعرجا. لذلك لا تخضع التّراكيب للمنطقيّة بقدر ما تنزع للتّواصل بين الحالة الحسّيّة والشّعوريّة للفنّان وبين الوعي بالضّرورات التّقنيّة والاختيارات الجماليّة الّتي لا تحيد عن القناعات المعرفيّة. فيحيل التّفريع التّقني والتّفريع التّركيبي إلى شيء من المغايرة من لوحة إلى أخرى…فهذا الفنّان تنبّه إلى مأزق تكرار نفس التّجربة وتمحور الذّات حول نفس الموقع. فانبرى يختبر القدرة على التّنويع الّذي يأخذ السّمة التّوليديّة”

هكذا أثبتت الأعمال الأولى أنّ الانصياع إلى الأبعاد المفاهيميّة والرّمزيّة لا يعطي للوسائط من خطّ ومن لمسة ومن لون ومن مساحة قوّتها وذاتيّتها المطلوبة. فانفجرت التّراكيب وحلّ التّذكّر الآلي عوضا عن الاختزان والتّطويع وانبعثت الحركات بحريّة البراءة عوضا عن تمكّن العارف وتخلخل الإيقاع من الانتظام القصدي إلى الرّقص الحرّ وأضاءت الألوان من ذاتها ومن ذبذباتها حتّى غدت اللّوحة نوعا من اللّعب الحرّ المتحلّل من المرجعيّة.
لقد سارت تجربة الحبيب بيدة نحو نوع من المباعدة عن المنطلق الأصلي حيث مرّ الفنّان إلى محاورة أدواته المتعدّدة بدء بالذّات وما تبتغيه من العمل التّشكيلي وصولا إلى العمل ذاته بوصفه مجموعة من العناصر المؤلّفة لوحدة هي اللّوحة. ولم تكن المخيّلة أو التّخيّل أو الخيال نفسه معضلة عند الرّسام بل، كان الإشكال لديه قائم في أصول تشكّل الصّورة على غير ما أنتج من قبل أو بغير أب يسندها، فاختار أن يكون المنهج المنتج للفنّ منبثقا عن التّقنيّة وعن تراكم الممارسة لتضحي العمليّة الإبداعيّة في نهاية الأمر استقراء تقنيّا وحسّيا لتفاعلات المواد ولانبعاث الأشكال سواء من رحم الذّاكرة أو من تراكم الفعل ومن تشافّ المواد. وبذلك برز الاهتمام بالضّوء في أعماله التّسعينيّة وما بعدها، مركّزا على الطّبقة العليا من اللّوحة، فالحبيب بيدة يدرك جيّدا هذا البعد من الحضور اللاّفت الّذي تتمتع به الإضاءات المنبعثة من الألوان بحكم التّراكم النّوعي في مستوى المعرفة والتّراكم الكمّي في مستوى الممارسة. هكذا يصبح الخيّال عند بيدة فاعلا يولّد الصّور من رحم يخترق المعتاد من الماضي والمتوفّر في الحاضر كي يقيم في المستقبل بحسب ما يحدّده “غاستون بشلار”.

توصّل بيدة إلى إكساب أعماله نوعا من الشّاعريّة الّتي تراود العين أثناء المشاهدة ويبدو أنّ ذلك كامن في أسلوبه التّوليديّ القائم على توظيف التّداعي الّذي نعرفه في الكتابة الشّعريّة والأدبيّة عموما، إنّه تداعي الأشكال والحركات والخطوط وانتشارها مثلما أرادت لها الوضعيّة الحدث الّذي يطرد فيه الفنّان كهولته العارفة ويستدعي طفولته الأبديّة، ذلك أنّ الفنّان يسعى إلى إحياء الطّفولة المكبوتة ليصنع منها فضيلة الإبداع الكبرى بينما الطّفل يغادر الطّفولة الّتي تهجره رويدا رويدا بواسطة النّضج البسيكوسوسيولوجي كما يشير “باسّرون” .
هكذا تحوّل اهتمام بيدة في البحث من خلال جماليّة الشّكل والعلامة إلى البحث في جماليّة اللّون الوسيط الأكثر تأثيرا على التّلقي وإن كانت الأحلام تأتي ضبابيّة لا يتبيّن المرء منها ألوانا ولا قيما ضوئيّة، فإنّ ما سعى بيدة إلى تحقيقه بروح من الشّاعريّة في المراوحة بين الحقل اللّغوي والحقل التّشكيلي هو نوع من المراوحة الأخرى في الإقامة بين الرّؤية والرّؤيا، نوع من الارتقاء باللّحظة أو بزمن الإنشاء التّشكيلي من الإبصار إلى السّماع المرئي، أو لنقل الانتقال بالظّاهر إلى الباطن ثمّ الارتداد إلى الباطن في إيمان مطلق بالذّات لعلّ تجد في ذاتها مآلا أضحى عند الآخر صعبا.
عموما اختار الحبيب بيدة مع لوحته الحوار الذّهني المتولّد عن القراءة وعن الجدل بين اللّغة التّشكيليّة واللّغة المكتوبة والملفوظة أي الفكر وسعى إلى أن تكون مرجعيّة الذّات ذات حضور ضالع في عمليّة توجيه ممارسته بعد كلّ مرحلة، وقد أثبتت كتاباته لمعارضه الشّخصيّة هذا الطّرح، حيث أرفق معرضه الشّخصي لسنة 1992 بنصّ تقديمي يختلف عن النّص الّذي قدّم به معرضه الأوّل في بداية الثّمانينات. ولئن تغلّبت النّزعة الذّاتيّة في اتّجاه القطع مع التّشكيل المُسِنَدِ بالمرجعيّة الأكاديميّة من صيغ تركيبيّة ومن ضوابط تقنيّة فإنّ هذا البعد من البحث عن الأصالة من خلال مقولة الحداثة الواعية الّتي يحاور بها المتن التّراثي شكلا ولونا ونصّا فإنّ المراحل المواليّة قد استنفرت الذّات الّتي تؤرق الفنّان من خلال القضاء على “التّصوّر بالضّرورة” إلى بناء “التّصوّر بالعمل” أو بالفعل التّشكيلي المباشر. وتعدّ هذه الممارسة، ممارسة التّحلّل من الخارج، تحرّرا مشروطا بالذّات فقط، وهذا ما يبرّر تأكيد بيدة على اصطلاح البساطة أو لنقل العفويّة. لقد أصبح الفنّ عند بيدة معادلا للحركة الحياتيّة بين ماض وحاضر ومستقبل تعبّر عنه الصّور المنتجة بمجهود جسدي وبأدوات تقنيّة حرّة.

بيدة الباحث
لا يمكننا أن نتحدّث عن بيدة الفنّان دون أن نغفل بيدة النّاقد والباحث والأستاذ والمؤطّر. وهي مجالات كان للحبيب بيدة ومازال حضور كبير وفاعل فيها. ومنذ بحثه المقدّم للحصول على دكتوراه المرحلة الثّالثة، ظهرت بوادر الإلتزام لدى الفنّان الباحث. هو التزام باللّغة “العربيّة” وبالمتن التّراثي. وفي قراءته لمخطوطات القرن التّاسع بالمكتبة الوطنيّة نحت بيدة كمّا هائلا من المصطلحات والمقاربات وأضاف إلى رصيد اللّغة العربيّة ما كان ينقصها من آليّات تنمّي بها قدراتها على الغوص في مجال الجماليّات والفكر الجمالي. ويقول في ذلك : “إنّها ضرورة ثقافيّة بالأساس، حيث أنّ بعض المقولات التّشكيليّة الحديثة تظهر وكأنّها خلف غربيّ صرف، في حين أن الفلاسفة العرب قد درسوا الشّكل في مادّته وعلاقته بها جدليّا من ناحية وعلاقتهما بالإدراك البصري من جهة ثانية، زيادة عن الإدراكات الأخرى كاللّمس والسّمع … إلخ وما ينقصنا في الدّراسات الحديثة المتناولة للتّراث هو غياب هذا السّند الهامّ الّذي يفسّر فنونا التّشكيليّة العربيّة الإسلاميّة في ذلك العهد….” ، هذه هي غذ القناعة الّتي دفعت بيدة إلى بناء هذا الجهاز المفاهيمي من المصطلحات والنّصوص الّتي يمكن للباحث أن يتسلّح بها في مواجهة قراءة الإرث الثّقافي العربي الإسلامي نصّا في الجماليّات وإبداعا مرئيّا. وقد ظلّ هذا الهاجس يراود شخصيّة الباحث فيه إلى أن قدّم بحثه للحصول على شهادة دكتوراه الدّولة بالصّربون في بداية التّسعينات بخصوص موضوع دقيق هو “محاكاة الطّبيعة عند العرب”. وقدّم في هذا البحث حصيلة أبحاث أكثر من عشر سنوات فصلت بين البحث الأوّل والثّاني. وسعى فيها إلى دحض الأخطاء الواردة عند المستشرقين والعرب من دارسيّ الفنون الإسلاميّة والّتي قوامها نموّ فنّ الخطّ والزّخرف والرّقش التّجريديّين عند العرب والمسلمين بناء على مقولة التّحريم. ورأى أنّ قضيّة المنع الدّيني هذه لا تستند على أسس ومقوّمات علميّة تجعل منها مستندا نظريّا ومدخلا لدراسة لفنون الإسلاميّة، إذ فيها نوع من الحيف والظّلم تجاه الفنّان العربيّ المسلم أساسه الاستهجان والتقّليل من شأن الفنّان بربوعنا. ودلّل الأستاذ الدّكتور ومن خلال النّصوص الفلسفيّة لأمثال إخوان الصّفا والتّوحيدي وغيرهم أنّ الفنّ العربي قد ارتكز على مقولة “محاكاة الطّبعة” في أرقى شكل من التّعبير عن تحقيق الذّات.

وقد قارع أفكار الباحث ألكسندر بابا ديبولو والباحث العربي عفيف بهنسي مبيّنا أنّ مفهوم المحاكاة ليس بالضّرورة ما يمكن أن يستمدّ من المعاجم الغربيّة مثل معجم “لالاند” مستندا إلى مفهوم محاكاة الطّبيعة بوصفها “أي المحاكاة” إتيان الفعل بمثل الفعل، حسب معجم ابن منظور، وفيها ما يتضمّن محاكاة القوّة في إرادتها وقدرتها على منح المواد صورا لتضحي على ما هي عليه، وفق نظام متولّد عن فهم وإدراك بنية الكون لدى الإنسان العربي المسلم. ونلاحظ إذا كيف تعامل بيدة مع المحاكاة في مبدئها وجوهرها القائم على الإدراك العقلي والحسّي الباطني لما تنتجه الطّبيعة دون نقل خارجيّ للصّور المنتجة في الطّبيعة بحساب ما يعتقد الغرب من تصوّر مفهوم المحاكاة. إلى جانب الإسهامات العلميّة العديدة الّتي قدّمها بيدة في سائر مهرجانات وملتقيات الفنون والفكر الجمالي تمتّع بخصلة نادرة قوامه عدم تسليمه بالموجود وسعيه لإلى المساهمة الميدانيّة في إرساء تقاليد نقد تشكيلي وفكري لم تكن السّاحة المحليّة والعربيّة تؤمن بها وبفاعليّتها وتواصل الدّرس بأسوار الجامعة مع العمل الآخر بمجهود إضافي أطّر فيه الحبيب بيدة معارض أصدقائه ومعارض التّجارب الّتي استأنس فيها حسّا إبداعيّا جيّدا وواعدا. وبمثل ما جدّد في اللّغة الأمّ ومنحها قوّة التّعبير حجّة وبرهنا معرفييّن في العلمي والنّظري أعطاه من جهده في مجال النّقد، إذ لم يبخل على الفنّ بما تجود به ألفاظه وقريحته من أفكار ومعاني تزيد للإبداع بهاء، فالقناعة لديه أن يكون النّقد إبداعا على الإبداع وإنشاء للمعاني. هذا بعض ممّا أمكن لي تقديمه إليكم من شخصيّة الفنّان والباحث الحبيب بيدة وأعلم أنّ العبارة أضيق من المعنى وأنّ المجال أقلّ اتّساعا ممّا تتطلب شخصيّة كالفنّان الحبيب بيدة، مناضل حقيقي في مجال الإبداع والثّقافة والحياة ولأنّه قدر على أن يحبّ النّاس جميعا أحببناه وكرّمناه وإذ نكرّمه اليوم بجلسة مثل هذه فإنّنا نردّ إليه بعضا من الجميل عسى أن نكرّس هذه السّنة في أوساطنا الثّقافيّة والعلميّة.
