لقد عبر إنسانٌ من هنا ….
لم يكن الإنسان، منذ أن وعى نفسه، يخاف الموت وحده.
كان يخاف أن يمرّ دون أن يترك أثرًا.
أن يولد فلا يعرفه أحد.
وأن يعيش فلا يتذكره أحد.
وأن يرحل وكأن شيئًا لم يكن.
ولهذا لم يكتفِ بالحياة، بل أحاطها بالطقوس.
لم يكن الطقس، في بداياته، احتفالًا فحسب، ولا عادةً اجتماعية، ولا واجبًا دينيًا مجردًا، بل كان أيضًا محاولةً للإجابة عن سؤالٍ ظل يرافق الإنسان منذ آلاف السنين:
كيف نعلن أن إنسانًا لم يعد كما كان؟
ربما كان الإنسان الكائن الوحيد الذي لم يترك مرحلةً من حياته بلا شاهد.
فإذا وُلد، احتفل بقدومه.
وإذا كبر، جعل لمراحل عمره علاماتٍ وطقوسًا.
وإذا تعلّم، طلب شهادةً تثبت ما بلغ.
وإذا أحب، كتب عهدًا وأشهد الناس عليه.
وإذا أنجز، بحث عن تقديرٍ يحفظ أثر ما صنع.
وإذا رحل، ترك للأحياء مهمة أن يشهدوا عبوره.
كأن الإنسان، منذ أن وعى وجوده، لم يكن يريد أن تعبر التحولات الكبرى في حياته بصمت.
لم يكن يكفيه أن يعرف وحده أنه تغيّر.
كان يحتاج إلى أن يرى الآخرون ذلك أيضًا.
وأن يشهدوا عليه.
وأن يعترفوا بما بلغ.
وأن يحفظوا أثره في ذاكرتهم.
لهذا كثرت الشهادات، واختلفت صورها.
شهادةٌ تُكتب على ورق.
وأخرى تُحفر على حجر.
وثالثةٌ تحفظها الذاكرة.
ورابعةٌ يرددها الناس جيلًا بعد جيل.
لكن قبل أن يعرف الإنسان الورق والحبر، كانت له شهادات من نوع آخر.
كان يكتب بعضها على جسده، وبعضها بجسده.
فالوشم لم يكن زينةً دائمًا.
والندبة لم تكن جرحًا عابرًا دائمًا.
والدم لم يكن علامة حرب فقط.
والختان، في تقاليد دينية وثقافية متعددة، لم يكن مجرد فعلٍ جسدي، بل علامة انتماء أو عهد أو انتقال.
حتى الشعر، الذي يبدو اليوم واحدًا من أكثر أجزاء الجسد اعتيادًا، حمل في أزمنة وثقافات كثيرة معنىً يتجاوز الجمال والزينة.
ولعل هذا ما يفسر سرًا ظل يتكرر في حضارات متباعدة، لم تتكلم لغةً واحدة، ولم تعبد الآلهة نفسها، ولم تعش في الأرض نفسها.
فعندما وقف الإنسان أمام تحول كبير في حياته، لم تكن الكلمات تكفيه دائمًا.
كان يبحث عن علامة.
عن فعلٍ يراه الآخرون.
عن شيءٍ يبقى شاهدًا على أن عتبةً قد عُبرت.
مرةً ماءً.
ومرةً نارًا.
ومرةً سراجًا أو شمعةً في العتمة.
ومرةً قربانًا.
ومرةً غناءً يستقبل القادمين أو يرافق الراحلين.
ومرةً خصلةً من شعر.
ليست هذه الأشياء متشابهة في أصولها، ولا في معانيها، ولا يجوز جمعها في تاريخ واحد أو ردّها جميعًا إلى طقس أول مفقود.
لكنها، على اختلافها، تكشف شيئًا واحدًا يستحق التأمل:
أن الإنسان لم يترك التحولات الكبرى تمرّ بلا لغة.
فهو حين عجز عن تثبيت اللحظة، صنع لها رمزًا.
وحين عجز عن إيقاف الزمن، ترك له علامة.
وحين عرف أن الإنسان سيغيب، بحث عمّا يمكن أن يبقى بعده.
ومن هنا تبدأ رحلة هذا المقال.
ليست رحلةً في تاريخ الشعر.
وليست رحلةً في تاريخ شعبٍ أو دين.
ولا محاولةً لإثبات أن حضارةً أخذت طقوسها عن حضارة أخرى.
بل رحلةٌ في سؤالٍ إنساني واحد:
لماذا احتاج الإنسان، في ثقافات كثيرة، إلى أن يجعل من بعض طقوسه شهادةً على العبور؟
ولماذا ظل، عبر آلاف السنين، يبحث عن شاهدٍ يقول للأحياء إن مرحلةً انتهت، وإن أخرى بدأت؟
قد لا نجد جوابًا واحدًا.
فالحضارات لم تكن نسخًا من بعضها.
والأديان لم تمنح الرموز المعاني نفسها.
والتاريخ لا يسير في خط مستقيم.
لكننا سنجد شيئًا يستحق التأمل.
كلما تغيّر الإنسان، بحث عن علامة.
وكلما عبر عتبةً جديدة، ترك عندها أثرًا.
وربما لهذا لا يمكن قراءة طقوس الشعوب بوصفها عاداتٍ متفرقة فحسب.
فما يبدو مختلفًا في الظاهر قد يخفي، في العمق، سؤالًا إنسانيًا ظل يرافق البشر منذ أن بدأوا يروون حكايتهم على هذه الأرض:
كيف أقول للعالم إنني عبرت؟
وكيف أترك، بعدي، ما يثبت أنني لم أكن مجرد عابرٍ بلا أثر؟
ربما لهذا ظل الإنسان، منذ أقدم الأزمنة، يكتب شهاداته بوسائل مختلفة.
على الورق.
على الحجر.
في الأغاني.
في الذاكرة.
وأحيانًا…
في جسده نفسه.
كأنه، في كل مرة، كان يحاول أن يترك للعالم رسالةً واحدة:
لقد عبر إنسانٌ من هنا.

