خضر إلياس (خدر إلياس) عيد العبور من شتاء الندرة إلى ربيع البركة كيف صار “فالنتاين” لغةَ سوق وتجارة.

خضر إلياس (خدر إلياس) عيد العبور من شتاء الندرة إلى ربيع البركة كيف صار “فالنتاين” لغةَ سوق وتجارة.

“في هذه الأيام مع صوم خضر إلياس واقتراب العيد يوم الخميس يصبح السؤال عن جذور هذا الموعد ومعناه أكثر قربًا من تجربة الناس اليومية”
إذا أردنا أن نفهم “عيد الحب فالنتاين” خارج صورة الوردة والقلب الأحمر والبطاقة، فمن الأفضل أن نبدأ من عيدٍ ما زال يحتفظ بوظيفته الأولى عبور الشتاء اختبار البقاء ثم إعادة فتح أفق البركة والزواج.
في المنظور التراث الإيزيدي في بلاد مابين النهرين،
عيد خضر إلياس لا يُفهم بوصفه رومانسية مفصولة عن الأرض، بل بوصفه لحظة فاصلة في اقتصاد السنة ومعناها.
ثلاثة أيام صيام تسبق العيد، ثم يأتي اليوم الذي يسمّى في الذاكرة الشعبية “خدر إلياس وصال خلاس”:
نهاية ضيق الشتاء ، ونهاية مرحلة التوفير التي تُدار فيها الحياة القاسية على ما تبقّى من مخزون المحصول .
في هذا اليوم تُطبخ “جدرة السنة او قلاتكي صالي ” من بذورٍ وحبوبٍ محفوظة منذ الموسم الماضي، لا بوصفها وليمة فحسب بل كموروث جماعي يعلن أن المجتمع الزراعي هذا اجتاز امتحان الطبيعة في الشتاء، وأن دورة الانفراج بدأت.
لهذا السبب يظهر في العيد عنصرٌ يميّزه عن كثير من أعياد العالم : تحريم الذبح والصيد، الفكرة هنا ليست نباتية أو موقفًا أخلاقيًا عامًا، بل طقسٌ موسميّ محدد يعلن هدنة مع الدم في لحظة يُعتقد أنها لحظة عودة الحياة.
ومن داخل كل بيت يتجسّد هذا المعنى بطريقة دقيقة : طبقٌ من قمح مطحون ومقلي يُترك ليلًا بوصفه قربانًا نباتيًا يسمى (بي خون) أي “بلا دم”، انتظارًا لزيارة خضر إلياس وبركته.
تُروى العادة على أن البركة قد تُعرف بعلامةٍ أو اشارة او أثرٍ في الطبق، كأن البيت يتلقى إشارة رضا لا بكتابٍ ولا بخطبة، بل بعلامة بسيطة في قلب المطبخ . هذا النوع من العلامات ليس تفصيلًا ثانويًا إنه طريقة قديمة لجعل البركة محسوسة ومدروسة لها قيمة عند الإنسان، قابلة للرؤية، ومربوطة بمخزون الغذاء ذاته.
ثم يظهر الحب داخل هذا النظام لا كزينة، بل كجزء من استمرارية الحياة. سهر الشابات والشباب لثلاثة ليالي، تبادل الحكايات والقصص ، والامتناع عن الطعام في الصيام، ثم فعلٌ مقصود : أكل المالح لخلق العطش …!!! انتظارًا لحلمٍ يجيء فيه “ساقي الماء” أو من يشرب من جرّة بيت جارته او جاره.
الحلم هنا ليس ترفًا عاطفيًا، بل تقنية اجتماعية لإنتاج الأمل بالزواج والخصب والنصيب في لحظة انتقال موسمي، لأن الزواج في مجتمعات الزراعة والرعي ليس حدثًا فرديًا فقط، بل أحد أشكال ضمان الاستمرار بعد عبور دورة الحياة ومنها الشتاء.
ومع هذه الطقوس تسكن صورة “الفارس” هنا نقصد من المنضور التراثي في انهم خدر إلياس وخدر نبي بوصفها حكاية سردية تكمّل المعنى : خدر وخدر او خضر وخضر إلياس أو “الفرسان” يمتطون جوادهم، ومعهم كلاب صيد سريعة ( الطاجي / التازي Tazî)، يخرجون للصيد في البراري أو بين البيوت كما يرد في الخيال او الموروث الشعبي.
هنا تتشكل مفارقة ذات دلالة ….!
البشر يُمنعون من الصيد في هذه الأيام، لكن العيد نفسه يحتفظ بصورة الصياد الكوني . المعنى الأقرب أن “سلطة الصيد” تُسحب من البشر مؤقتًا وتُنسب إلى القوة المبارِكة الصيد هنا ليس قتلًا بل مطاردة للفقر والهاء الفقير في بؤس الشتاء والضيق ، وتحويل الصبر والتحمل إلى بركة.
عند هذه النقطة يصبح السؤال العلمي او الأكاديمي مطروحًا:
هل هذه البنية المنظمة في الموروث الشعبي عند الإيزيديين مجرد تقليد محلي منعزل،
أم أنها تنتمي إلى منطق أقدم في التاريخ ؟
المقارنة مع “ميزوبوتاميا” لا ينبغي أن تُبنى على شعار “الأصل السومري” بمعنى خطّي مباشر، بل على مستوى أكثر صرامة:
التشابه الوظيفي والبنيوي بين طقوس “عبور” تُعالج الندرة والخصب والزواج في عتبة الشتاء / الربيع في النصوص السومرية القديمة ثم البابلية تظهر منظومات رمزية تجعل الخصوبة والوفرة والاقتران جزءًا من نظام كوني، وتستخدم لغة الراعي والحظيرة والقطعان والماء بوصفها لغة حياة.
حضور نموذج مثل “الراعي” في المدونة الرافدينية (ضمن تراتيل وأغاني مرتبطة بخصوبة الأرض ودورة الطبيعة) يتيح فهمًا مقارنًا : المجتمعات الزراعية القديمة كانت تعيد ترتيب معناها في مواسم التحول، وتنتج طقوسًا للبركة والتجدد لا لأن العاطفة اكتُشفت آنذاك، بل لأن استمرار الحياة كان يُصاغ في رموز الحب والوفرة معًا. هنا يُصبح الموروث الإيزيدي مهمّة بحثيًا لأنها تقدّم بنية طقسية ما زالت تنطق بهذه اللغة الاقتصادية البيتية: مخزون زراعي _ هدنة دم _ علامة في الطعام _ وحلم ماء.
إذا انتقلنا الآن إلى أوروبا، سنرى المسار نفسه وقد تغيّرت لغته. في روما القديمة كان منتصف فبراير موسمًا طقسيًا معروفًا، ومهرجانات مثل لوبركاليا حملت وظائف تطهير وخصوبة ضمن إطار مديني واضح.
ومع نهاية العصور القديمة واجهت الكنيسة هذه الممارسات بوصفها عادات راسخة يصعب اقتلاعها، فاشتغلت كما تفعل المؤسسات الدينية غالبًا على إعادة التأطير: تقييد ما تراه وثنيًا او لايناسب الكنيسة تنظيماً، وإعادة توجيه الزمن إلى معنى كنسي.
المهم هنا ليس سرد حكاية “استبدال مباشر” بصورة حاسمة، بل فهم الآلية العامة : حين تكون العادة أقوى من المنع، يتجه النظام الديني إلى تحويل المعنى وإعادة تنظيم التقويم.
لكن (الحب) بالمعنى الذي نعرفه اليوم لم يولد من قرارٍ كنسي او بابوي ، بل تبلور ثقافيًا لاحقًا عبر الأدب والعادة. في أواخر القرن الرابع عشر، بدأ الربط الصريح بين يوم فالنتين وبين الاقتران / اختيار الأزواج يظهر في الأدب الإنجليزي عند (تشوسر) في شكل شعر (برلمان الطيور) ومن هذه النقطة أخذ اليوم يتشكل في أوروبا بوصفه موعدًا للحب، ثم تراكمت عادات الرسائل والقرعات والبطاقات، إلى أن جاءت الأزمنة الحديثة ففصلته أكثر عن سياقه الموسمي الزراعي الرافديني ،
وضمّته إلى اقتصاد السوق وصناعة الرموز الحمراء والقلوب الحمراء والهدايا الحمراء .
هكذا تحوّل المعنى الحقيقي: من موسم عبور بين شتاء قاسي يشتغل على الخصب والتطهير والأمل في مواجهة نفاذ المخزون الزراعي، إلى موعد رومانسي مديني، ثم إلى مناسبة تجارية عالمية.
وعندما نضع المسارين جنبًا إلى جنب، لا نحتاج إلى القول إن العيد (واحد) تاريخيًا بالهوية، ولا أن أوروبا “سرقت” طقسًا بعينه من ميزوبوتاميا. ما نستطيع قوله بدقة أكبر هو أن الأصل الأعمق ليس اسمًا ولا قديسًا،
بل وظيفة إنسانية تتكرر عند عتبة زمنية محددة:
تحويل الخوف من الشتاء إلى وعدٍ بالربيع ،
وتحويل الندرة إلى بركة ،
ثم فتح الباب للزواج بوصفه استمرارًا للحياة.
في أوروبا غلّفت الكنيسة الزمن بمعنى كنسي ثم سلّمته القرون الحديثة إلى الأدب والسوق،
وفي الإيزيدية ظلّت البنية القديمة مرئية:
“خدر إلياس وصال خلاس (اي بمعنى خضر إلياس وانتهت السنة)، و”بي خون _ بلا دم”، علامة البركة في الطعام ، وحلم الماء.
بهذا المعنى يمكن أن نقول إن ما يسميه العالم اليوم “عيد الحب” يحمل طبقات ومعاني متعددة، لكن واحدة من طبقاته القديمة او معانيه ما زالت تعمل في مكانها الأول: في الطقس الذي يربط الحب بالنجاة من فقر الشتاء لا بالوردة وحدها.

الصورة لمكونات هذا العيد

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *