عندما تُصبح الثقافة سؤالًا للسيادة: الصناعات الثقافية المغربية بين رهان الخدمة العمومية واختبار العدالة الرمزية.

عندما تُصبح الثقافة سؤالًا للسيادة: الصناعات الثقافية المغربية بين رهان الخدمة العمومية واختبار العدالة الرمزية.

لم تعد الثقافة في المغرب مجالًا للتزيين الرمزي أو قطاعًا ثانويًا يمكن تأجيل إصلاحه، بل أصبحت أحد المؤشرات الحاسمة على قوة الدولة في إنتاج المعنى، وعلى قدرة المجتمع في حماية ذاكرته الجماعية، وصياغة مستقبله، وترسيخ تماسكه. وإذا كان النقاش الأوروبي اليوم ينبه إلى المخاطر التي تهدد الخدمة العمومية الثقافية تحت ضغط الأزمات المالية وصعود الشعبويات وهيمنة المنصات الرقمية، فإن الواقع المغربي يطرح أسئلة أكثر تعقيدًا، لأن الأمر لا يتعلق فقط بحماية مؤسسات قائمة، بل بإعادة التفكير في النموذج الثقافي برمته داخل منظومة لا تزال تعاني اختلالات بنيوية في الإنتاج والتوزيع والتمويل والحكامة.
لقد ارتبط ميلاد الخدمة العمومية الثقافية تاريخيًا بفكرة الديمقراطية الثقافية، باعتبار الثقافة حقًا مواطنيًا وليست امتيازًا نخويًا، غير أن هذا التصور يظل في المغرب مشروعًا غير مكتمل. فرغم التحولات التي عرفتها السياسة الثقافية، وإطلاق العديد من البرامج والمؤسسات، ما زالت الصناعات الثقافية والإبداعية تتحرك داخل منظومة يغلب عليها التفاوت المجالي، وضعف الاستثمار، وهشاشة المقاولات الثقافية، وغياب سوق ثقافية وطنية متماسكة، فضلاً عن محدودية التكامل بين الفاعلين العموميين والخواص.
إن الصناعة الثقافية اليوم لم تعد تقتصر على الكتاب أو المسرح أو السينما، بل تشمل الاقتصاد الرقمي، والصناعات البصرية، والألعاب الإلكترونية، والتصميم، والتراث المادي واللامادي، والفنون المعاصرة، والموسيقى، والذكاء الاصطناعي الإبداعي، وكلها أصبحت تشكل جزءًا من اقتصاد المعرفة الذي تتنافس حوله الدول. ومن ثم فإن السؤال لم يعد: هل نملك سياسة ثقافية؟ بل أصبح: هل نملك سياسة سيادية للصناعات الثقافية تجعل الثقافة رافعة للتنمية وليست مجرد قطاع استهلاكي؟
يكشف المشهد المغربي عن مفارقة لافتة؛ فمن جهة تزخر البلاد برأسمال حضاري استثنائي، وتنوع لغوي وثقافي غني، وتراث مادي ولا مادي معترف به عالميًا، وحيوية فنية متنامية، ومن جهة أخرى تظل مساهمة الصناعات الثقافية في الاقتصاد الوطني دون الإمكانات المتاحة، بسبب ضعف سلاسل القيمة، وغياب منظومات متكاملة للإنتاج والتسويق والتصدير، فضلاً عن هشاشة البنية القانونية والمالية الداعمة للمبدعين.
ويزداد هذا الاختلال حدة مع التحولات الرقمية المتسارعة، حيث أصبحت المنصات العالمية تتحكم في تدفق الصور والرموز والمعارف، وتعيد تشكيل الذوق العام وفق منطق الخوارزميات والاحتكار الاقتصادي. وهنا تتراجع قدرة المؤسسات الثقافية العمومية على إنتاج بدائل تنافسية، ويتحول المواطن تدريجيًا من منتج للثقافة إلى مستهلك لمنتجات رمزية عابرة للحدود، بما يحمله ذلك من آثار على الهوية والسيادة الثقافية.
إن الخدمة العمومية الثقافية في المغرب مطالبة اليوم بالانتقال من منطق تدبير المؤسسات إلى منطق بناء المنظومات الثقافية. فالمطلوب ليس فقط إنشاء المسارح أو المتاحف أو المكتبات، وإنما خلق بيئة إبداعية متكاملة تربط بين الجامعة، والبحث العلمي، والتكوين الفني، والمقاولة الثقافية، والتمويل، والابتكار، والتكنولوجيا، بما يسمح بتحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية ورأسمال اجتماعي في الآن ذاته.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم العدالة الثقافية، ليس باعتبارها توزيعًا متساويًا للأنشطة، وإنما باعتبارها تمكينًا فعليًا لجميع المواطنين من إنتاج الثقافة والمشاركة فيها والاستفادة من عائداتها الاقتصادية والرمزية، مع تقليص الفوارق بين المركز والأطراف، وبين المدن الكبرى والمجالات الهامشية، وبين الثقافة الرسمية والثقافات المحلية.
كما أن مستقبل الصناعات الثقافية المغربية يظل رهينًا بإرساء حكامة جديدة تجعل من التنسيق بين مختلف القطاعات العمومية ركيزة أساسية؛ فالثقافة لم تعد مسؤولية وزارة واحدة، بل أصبحت قضية تتقاطع مع التربية والتعليم، والتعليم العالي، والاقتصاد، والسياحة، والصناعة، والرقمنة، والدبلوماسية، والجماعات الترابية. ومن دون هذا التكامل ستظل المبادرات متفرقة، مهما بلغت قيمتها.
ولعل التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من اقتصاد الريع الثقافي إلى اقتصاد الابتكار الثقافي، حيث يصبح الفنان والباحث والكاتب والمصمم والمقاول الثقافي شركاء في إنتاج الثروة الوطنية، لا مجرد مستفيدين من دعم ظرفي. فالدول التي نجحت في بناء صناعات ثقافية قوية لم تعتمد فقط على الدعم العمومي، وإنما بنت منظومات تستثمر في الكفاءات، وتحمي الملكية الفكرية، وتربط الثقافة بالبحث العلمي والاقتصاد الرقمي والأسواق الدولية.
إن المغرب يمتلك اليوم فرصة تاريخية لتحويل الثقافة إلى رافعة استراتيجية ضمن النموذج التنموي الجديد، غير أن ذلك يقتضي تجاوز الرؤية القطاعية الضيقة، والانتقال نحو مفهوم السيادة الثقافية الذي يجعل من الصناعات الثقافية أحد مكونات الأمن الوطني الرمزي، وأحد أدوات القوة الناعمة، وأحد محركات الاقتصاد الإبداعي.
فالثقافة ليست ترفًا في زمن الأزمات، بل هي الشرط الذي يمنح المجتمع قدرته على فهم ذاته، وصيانة ذاكرته، وإنتاج مستقبله. وكل مشروع تنموي لا يجعل من الثقافة صناعةً للمعنى، ومن الإبداع رأسمالًا استراتيجيًا، ومن الخدمة العمومية الثقافية ضمانةً للعدالة الرمزية، يظل مشروعًا فاقدًا لواحد من أهم شروط استدامته. فالمعركة الحقيقية ليست معركة التمويل وحده، بل معركة بناء منظومة ثقافية قادرة على إنتاج الإنسان المبدع، وصناعة المعرفة، وترسيخ السيادة الحضارية للمغرب في عالم تتنافس فيه الأمم، قبل كل شيء، على امتلاك المعنى

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *