مهرجان “ربيع موسيقى الأليزي”بالصويرة: محمد السنوسي يقدم معرض «اللهجة التشكيلية»

بقلم: د. عبد الله الشيخ، ناقد فني
بمناسبة فعاليات ربيع موسيقى الأليزي ، تعيش مدينة الصويرة على إيقاع تظاهرة ثقافية استثنائية جمعت بين الموسيقى والفنون البصرية في مشهد منسجم يعكس الخصوصية الحضارية والجمالية لهذه المدينة العريقة. في هذا السياق، يحتضن إلى غاية 5 ماي 2026 برج باب مراكش معرضا فنيا لافتا للفنان التشكيلي محمد السنوسي تحت عنوان »اللهجة التشكيلية « ، وهو عنوان يختزل رؤية فنية عميقة تستند إلى تحويل الموروث الرمزي والذاكرة المحلية إلى لغة بصرية معاصرة.
شكل افتتاح المعرض، الذي أُقيم مؤخرا في أجواء احتفالية راقية، لحظة ثقافية متميزة جمعت الفنان بمهتمي الفنون و مسؤوليها ونقادها وعشاق جمالياتها وعموم زوارها. لم يكن هذا اللقاء مناسبة بروتوكولية محضة، بل غدا فضاء حيا للحوار حول أسئلة الإبداع، وعلاقة الفن بالهوية، وإمكانات التشكيل في التعبير عن ذاكرة المكان وروح الإنسان. هكذا أضحى المعرض محطة تأملية داخل برنامج موسيقي حافل، مؤكدا أن الفنون، على اختلاف وسائطها، قادرة على إقامة جسور متينة بينها، حيث تنصت اللوحة إلى الموسيقى، وتستعير الموسيقى من اللوحة ألوانها وإيقاعاتها.

ليست كتابة تُقرأ بالحروف، بل تُستشعر بالإيقاع والدلالة
يكتسي عنوان «اللهجة التشكيلية» أبعادا دلالية غنية؛ فاللهجة في معناها اللغوي تحيل إلى الخصوصية المحلية وإلى النبرة التي تميز جماعة بشرية عن غيرها، أما في السياق البصري الذي يقترحه الفنان، فإنها تتحول إلى نظام نسقي من العلامات والرموز والإشارات التي تمنح العمل الفني هويته الخاصة. فمحمد سنوسي لا يقدم لوحات تُقرأ بوصفها موضوعات جاهزة، بل يشيد عالما تصويرياً قائما على الإيحاء، حيث تصبح الألوان مفردات، والخطوط تراكيب، والملامس جملا نابضة بالحركة.

في هذا المعرض، يدعو الفنان المتلقي إلى الغوص في فضاء بصري تتحول فيه المادة إلى لغة، ويغدو اللون حاملا للانفعال والذاكرة. فالأعمال المعروضة تقوم على تفاعل دقيق بين التكوين والخامة، بين الحضور والغياب، وبين التجريد والإشارة التشخيصية. ومن خلال هذا البناء المركب، يستكشف الفنان الإمكانات التعبيرية للأشكال والعلامات، ليؤسس مشهدا بصريا تتجاوب عناصره في تناغم داخلي دقيق.

أفصح الفنان محمد السنوسي عن روح هذا المشروع بقوله إن رياح الأليزيه ليست مجرد عنصر طبيعي يحيط بمدينة الصويرة، بل هي شرط من شروط الإبداع ذاته، بما تحمله من حركة دائمة وتأثير على المادة والخيال والوجدان. من ثم، فإن هذا المعرض يشكل بحثا تشكيليا في العلاقة بين الظاهرة الطبيعية والخلق الفني، انطلاقا من ذاكرة اليد في امتداداتها الرمزية، ولا سيما رمز الخميسة الذي يتكرر في الأعمال بوصفه علامة حامية وشاهدا ثقافيا متجذرا في الوعي الجمعي.

تكشف اللوحات المعروضة عن توتر خلاق بين التجريد والتشخيص، إذ تبدو التكوينات في الآن نفسه كثيفة ومقتصدة، ممتلئة ومفتوحة على الفراغ. يمنح هذا التوتر المتلقي حرية القراءة والتأويل، فلا يواجه معنى جاهزا، بل يدخل في تجربة بصرية شخصية تتشكل بحسب حساسيته وذاكرته. فاللوحة هنا ليست سطحا صامتا، بل مجالا حواريا تتحرك داخله الرموز والعلامات في دينامية مستمرة.

من أبرز الخصائص الجمالية في أعمال محمد السنوسي هذا التنظيم الفسيفسائي للفضاء التصويري، حيث يتوزع السطح إلى وحدات متجاورة أو متقاطعة، كأننا أمام ذاكرة متشظية تعيد جمع أجزائها في بناء جديد. كم توحي هذه التقنية بتراكم الأزمنة والثقافات داخل الذاكرة المغربية، حيث تتجاور الروافد الأمازيغية والعربية والأفريقية والمتوسطية في نسيج واحد. كما أن هذا التقطيع يمنح اللوحة إيقاعا داخليا يجعل العين تنتقل بين أجزائها كما تنتقل الأذن بين مقاطع موسيقية متعددة الطبقات.

على المستوى اللوني، تبرز هيمنة الأصفر الترابي، والبني المحروق، والأحمر العميق، والأزرق الداكن. وهي ألوان لا تُختار اعتباطا، بل تستدعي صلة عضوية بالأرض والبحر والهواء والذاكرة الشعبية. فالأصفر يستحضر تربة الجنوب وأضواء الأطلسي، والبني يذكر بمادة الخشب والطين، والأحمر يرمز إلى الحيوية والدفء، بينما يفتح الأزرق أفقا تأملياً يتصل بسماء الصويرة ومحيطها البحري. تتحول الألوان إلى حوامل رمزية تعمق البعد الشعوري للعمل.

تحتل العلامات الخطية والزخارف الهندسية مكانة مركزية في هذه التجربة. فالأيدي المنمنمة، والحلزونات، والخطوط المتقاطعة، والإشارات القريبة من الكتابة، جميعها تؤسس ما يمكن تسميته كتابة تشكيلية معاصرة. إنها ليست كتابة تُقرأ بالحروف، بل تُستشعر بالإيقاع والدلالة. يستعيد الفنان من خلال هذه اللغة البصرية، عناصر من المخيال الشعبي المغربي، ليعيد صوغها داخل نسق حداثي منفتح على أسئلة الفن المعاصر.
كما يضطلع البنيان بدور جوهري في أعماله؛ إذ تبدو الطبقات اللونية المتراكمة، والسيلانات، وآثار الأدوات، وكأنها توثق لحظة الخلق نفسها. فحركة اليد تبقى مرئية على السطح، بما يمنح اللوحة طاقة انسيابية و نبرة حسية نادرة. يجعل هذا الحضور الجسدي للأثر المشاهد لا يرى الصورة فقط، بل يكاد يلمس مسار تشكلها.
تفوقت تجربة محمد السنوسي في تحقيق توازن دقيق بين العفوية والبناء، بين الاندفاع التعبيري والوعي التقني. لذلك تبدو أعماله كخرائط مرنة للذاكرة والهوية والانتماء، دون أن تنغلق في المحلية الضيقة، بل تنفتح على أفق إنساني كوني يجعل من الفن لغة مشتركة بين الشعوب والأمم.
لقد أقيم هذا المعرض تحت إشراف المندوبية الإقليمية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، بشراكة مع جمعية الصويرة موكادور وجمعية المعرفة موكادور، وهو ما يعكس حيوية المشهد الثقافي المحلي وحرص المؤسسات على دعم المبادرات الفنية الجادة. كما يؤكد أن مدينة الصويرة ما تزال وفية لدورها التاريخي بوصفها فضاء للتسامح والتعدد والتفاعل الخلاق بين الثقافات.
لا يقتصر معرض «اللهجة التشكيلية» على كونه حدثا فنيا ، بل يندرج ضمن تفكير أعمق حول وظيفة الفن في زمن التحولات السريعة. فهو يذكرنا بأن الإبداع قادر على ترميم العلاقة بين الإنسان وذاكرته، وبين الفرد ومجتمعه، وبين المحلي والكوني. من ثمة، فإن زيارة هذا المعرض تتحول إلى تجربة وجدانية وفكرية في آن معا، يجد فيها المتلقي فسحة للتأمل واستعادة بليغة للجمال.
جغرافيات تكوينية شكلت الأرضية الصلبة لكل كشوفاته وأبحاثه الجمالية
تندرج تجربة الفنان التشكيلي المعاصر محمد السنوسي (مواليد الصويرة عام 1953) ضمن تيار الفنانين الحداثيين المنشغلين ببلاغة الجسد كبؤرة مركزية للفعل الصباغي. فمنذ سنوات متتالية، وموضوعة الجسد في أبعاده المرئية واللامرئية تشكل الإطار البنائي العام للوحة وكيمياءها الشذرية. إنها الخلفية المرجعية لفكره البصري التي تحيل على تصوره الرؤيوي للعالم بكل قيمه المادية والرمزية : “يصبح الجسد مقياس مقاربتنا للحياة. إنه مكون جهوري لمعبر الحياة. فلكل مجتمع علاقته الخاصة بالجسد. بمعنى آخر، فالجسد يحدد بناء على أقيسة الفكر والقوانين الجمالية المتحكمة في المجتمع”، يصرح محمد السنوسي.
لا ينقطع عمل الفنان الباحث عن التجديد تلو التجديد، مستجيبا لخط توجيهي : خلاصة تقنية مختلطة على سنائد مختلفة (قماش، جلد، صفائح خشبية … إلخ) و بمسالك متباينة (أكرليك، كولاج، صباغة زيتية … إلخ). كل لوحة تخضع لإيقاعات الروح، وتتوزع على تخطيطات جسدية أو رموز ثقافية ذات تداعيات إفريقية وجنوب صحراوية. فالألوان حارة وحادة حرارة المجال الطبيعي وحدة التعبير الجواني الذي ينظم الأجواء التشكيلية العامة، ويضفي عليها طابعا بصريا استثنائيا. محمد السنوسي من سحرة الأرض الذين أدركوا فتنة التعبير التشكيلي وسخروه لإعادة تأويل معالم ذاكرتنا الموشومة بكل مداراتها التخييلية.
ارتاد هذا الفنان والفاعل الجمعوي عدة جغرافيات تكوينية شكلت الأرضية الصلبة لكل كشوفاته وأبحاثه الجمالية (حاصل على دبلـوم الفنون المطبقـة بالدار البيضاء عام 1975، رئيس مؤسس مجموعة 88 للفنون التشكيلية بآكادير ما بين 1988 و 1993، رئيس مؤسس لحركة فن الحاضر ما بين 1997 و 1999، ورئيس مؤسس مؤسسة فناني الجنوب)، كما تعهد بعدة أدوار طلائعية في رحاب مؤسسة “فام آرت” للفنانات التشكيليات، مساهما في تفعيل البعد الاجتماعي للممارسة الإبداعية في ضوء المقاربة النموذجية والمواطنة. في هذا الإطار، أدار عدة دورات للصالون الدولي الخاص بإبداعات المرأة التشكيلية بأكادير الذي يهدف إلى تسويق إنتاجات النساء في وضعية صعبة، والتعريف بمهاراتهن الفنية ، استنادا إلى العلاقة الوطيدة بين الصناعة، والثقافة والتجارة.
توج محمد السنوسي مساره الإبداعي عام 2010 بحصوله على الميدالية الشرفية للمؤسسة الأكاديمية الفرنسية»فنون، علوم، آداب « التي تأسست عام 1915 تحت إشراف روني فلامون، ومنذ عام 1979 وهو حريص على ترسيخ حضوره النوعي داخل خرائطية الإبداع التشكيلي المعاصر على الصعيدين الوطني والدولي.
تحرر من كل تمركز ذاتي ومن كل فكر متوحش ينزع نحو الهدم والقتل الرمزيين

محمد السنوسي(مواليد الصويرة عام 1953) من جيل الفنانين الأساتذة الذين خبروا كيمياء المواد التشكيلية، وساهموا بشكل كبير في تأطير عدة حساسيات جمالية ناشئة بتبصر وحصافة. لقد كانوا بمثابة نقطة ضوء في مشهدنا التشكيلي في كل مراحل حياته الفنية. يعتبر الإبداع التشكيلي منهاج حياة وأسلوب رؤية للعالم، لا مجرد نزوة ظرفية. لقد جعل من اللوحة بمختلف تقنياتها وسنائدها مادة حية تنضاف إلى سجلات متخيلنا الجماعي، وتعيش في أحضاننا كقراء فعليين أو مفترضين، وتعبر عن كياننا الرمزي، وتخوض معاركنا الثقافية ضد كل أشكال الطمس والمحو والمسخ. في هذا السياق العام، تمكن محمد السنوسي بحسه الجمالي من جعل لوحاته التعبيرية تنبض بالحياة و كأنها جزء عضوي منا ومرآة لثقافتنا الهجينة والمركبة. انحاز دائما للقيم الأصلية للإبداع دون تهافت أو انتحال. أعلن عن شكل آخر لكتابة الجسد الموشوم، وأقر وظيفة أخرى للتشكيل الذي يستهدف قارئا بصريا مفعما بالأحلام الواقعية والمتخيلة. تغنى منذ لوحاته الأولى بمتخيل إفريقيا بكل ايقاعاتها ودلالتها الرمزية (أذكر أن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش تغنى بإفريقيا منذ ديوانه الأول)، فكان له القدرة على التواصل الجمالي والمعرفي مع الأخر المتعدد، إذ لم ينغلق على قضايا أشكاله وشذرات أجساده التي تحمل رسائل الأحلام الإنسانية المفتوحة.
في تضاعيف كل لوحة يحفر الفنان لذاته جدارية مفعمة بالبحث والعطاء المتواصلين، حيث احتلت تركيباته الكيميائية مكانة بارزة في عيون ومدارك عشاق الجمال البصري المتسم بالإيجاز، والتفرد الأسلوبي، وجسارة التعبير من خلال خصوصية المعالجات اللونية والشكلانية. أعماله لا تخطئها العين الرائية : فهي بمثابة قاموس إبداعي وفكري معا. قاموس يتدفق بعشق المواطنة الكونية، وبالحب العارم للحياة العميقة التي يقاوم من أجلها بالإبداع النبيل والعمل الجمعوي الهادف.
يحمل الفنان انشغالات الكائن المغربي في حركته كلها وفي هويته المتعددة
محمد السنوسي مبدع من طراز خاص، فعن طريق سيرورات لوحاته التركيبية يضفي على شخصياته (أقصد رموزه وشذراته) بعدا إنسانيا عميقا. فكل وحدة بصرية مشحونة بانفعالاتها وحيويتها، وكل خلفية تصويرية تحتل المكانة الأولى في المنجز البصري وتتصدره كبطلة أسطورية. ألا يؤكد هذا الاشتغال الرصين عمق تكوينه الشخصي ودراساته المستفيضة لعناصر البناء التشكيلي ومتنه التصويري ؟
أليست كل لوحة قناة تعبيرية لإرسال عدة شفرات سرية للمتلقي البصري عبر الوحدات التشكيلية الصغرى والكبرى التي يمثل الجسد بؤرتها المركزية ؟
هكذا، استطاعت تجربة محمد السنوسي أن تولد حيوات مستمرة ولا نهائية للأشكال الترميزية بفعل تواليات مشهدية شبه تجريدية تتحرر من كل تمركز ذاتي ومن كل فكر متوحش ينزع نحو الهدم والقتل الرمزيين.
إننا أمام بيانات جمالية تحرر عوالمنا من الاستعباد الوحشي لعصر التقنية الذي كرس نزعات الاستهلاك الكمي والمحافظة على البقاء. ألا يحذرنا الفنان من الدمار البطيء للإنسان في ظل محاربة بعده الروحي وادعاء تجاوزه ؟
تذكرنا لوحات محمد السنوسي بنظرة أدونيس إلى التراث على كونه تجديدا للثقافة، وتعلمنا المسلك ذاته الذي ارتضاه عبد الكبير الخطيبي في نقده المزدوج : لكي نقطع الصلة نوعا ما مع التراث، يجب أن نعرفه جيدا كما يجب أن نكون قد أحببناه وتشبعنا به. هكذا، يحمل الفنان انشغالات الكائن المغربي في حركته كلها وفي هويته المتعددة، واعيا تمام الوعي بأنه يحمل في أعماقه كل ماضيه ما قبل الإسلامي، والإسلامي، والأمازيغي، والعربي، والإفريقي والغربي.لقد أدرك، تشكيليا، بأن العودة إلى الهوية التعددية أمر يبعث على الاطمئنان ويؤكد مفهوم الاختلاف الذي يتناقض مع مفهوم « المحايد » (لا شخصية متضخمة تمحي كل الإحساسات الحميمية).يا له من تفكير جمالي جديد في الاختلاف الذي يدعونا أكثر من أي وقت مضىء إلى الإنصات إلى الكائن ومعانيه وهو يواجه أزمنة التقنية التي نعتها هايدغر ب »الميتافيزيقا المكتملة « .
