رشيد فهدي : الريشة التي جعلت الصمت ينطق، واللون يبوح بالكلمات

فنان بصم على لوحات وجداريات وبورتريهات، فبلغ العالمية بعيداً عن ضجيج الكاميرات. في مدينة أسا، جنوب المملكة، وُلد بين قساوة الجو ودفء الحلم. منذ نعومة أظافره كان يلاحق الرسم كمن يلاحق نغمة خفية، حتى جعل من القماش والجدران مسرحاً للألوان التي تتكلم.

يرسم البورتريهات تحت الطلب، على الجلد وبقلم الحبر، فيستخرج من الملامح تفاصيلها الدقيقة، ويجعل الظل على جنبات اللوحةليعكسها كما تعكس الشمس شعاعها. ورغم حصوله على شهادة الإجازة في الجغرافيا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر بأكادير، اختار أن يرحل إلى عالم آخر: عالم النحت. هناك جسّد أسداً يزأر في سماء شارع الزاك بآسا، شاهداً على قوة الفن في وجه الصمت. بل اصبح شعارا للتحدي،ورمزا للقوة والصبر .وفي مرسمه، علّقت جدارية كبيرة للاعبي المنتخب المغربي، الذين عشنا معهم حلم المونديال قطر 2022، وعلى الجانب الآخر صورة للحارس ياسين بونو، كأنما يقول إن الحارس هو صمام الأمان وروح الفريق. لوحة أخرى لحكيم زياش كأنه غاضب على صمت المكان. لم يكتفِ فهدي بلوحات الرياضيين، بل جعل جدران أسا تتكلم بالشعر الحساني، فجسّد جدارية للشاعر محمد الغيث أگين، على ضفة الواحة مما زاها رونقا خاصا بين أشجار النخيل الباسقة وصورة كين ليتلاقح التمر بالكلام الرطب وأخرى للفقيه بوهيا، في جهة آخرى وتتحدث لغة القرآن من صورة إقرأ ،ليجعل المارون يتذكرون اننا من أمة إقرأ. صور تتلاقفها أعين العابرين في زياراتهم الخاطفة ،لان آسا لا يتحمل حرارتها الل العاشقون للون سواد حجارتها ، لتصبح ذاكرة جمعية لمدينة يقاس فيها الفن بميزان الوفاء، وتُباع فيها الصور بعربون الحب. اختار القلم والألوان عوض البحث عن فرص للعيش، بين واحة أسا وقصرها التاريخي يداعب فرشاته ليسكب ألواناً زاهية في كل لوحة، بين الورق والقماش والجلد. لا يعد الدقائق بل يعيش اللحظات منغمسا في أعماله، صمت الأمكنة يشاطره الأفكار، فتجعل منها لحناً موسيقياً على قيتار الأحلام التي لم ينتظر من يحققها، فالحالمون في هذه المنطقة فنانون موسيقيون صحفيون كتاب ونقاد ،لا يبحثون عن فرص نجاة ،لأن تواجدهم وإخلاصهم لهذه البلدة فيها المثير من قصص النجاح . يمارس طقوسه الفنية في صمت، بل كلما حاول أحدهم أن يزعجه بالصراخ، يأخذ سلاحه ليفرض السكون في المكان.رشيد فهدي هو الابن البار الذي لم يخن ذاكرته ورفاقه، بل جعل منها لوحات تنبض بالحياة، شاهدة على أن الفن في أسا ليس مجرد زينة، بل هو وعد بالحب، ووفاء للوطن،وفضاء للسفر وذاكرة لا تموت.

شارك الفنان في عدة معارض وطنية وفاز بجوائز محلية وجهوية ووطنية، مما جعله يقارع كبار الفن التشكيلي. هذه المشاركات لم تكن مجرد حضور شكلي، بل كانت بمثابة اعتراف بموهبته التي تجاوزت حدود مدينته لتصل إلى فضاءات العروض الفنية في الوطن.
يعرض أعماله اليوم كجزء من الذاكرة البصرية المحلية ،في مرسمه المتواضع، حيث يلتقي التراث الحساني بريشة فنان، وتصبح الجدران كتاباً مفتوحاً يقرأه كل الزائرون .لقد استطاع أن يخلق لغة تشكيلية خاصة به، لغة لا تحتاج إلى ترجمة لأنها تخاطب فينا العين والقلب معا .
رشيد فهدي لا يرسم لنفسه فقط، بل يكتب تاريخاً موازياً باللون والظل، تاريخاً يليق بمدينة أسا التي أنجبته، ويليق ببلد يرى في الفن مرآةً لروحه العميقة.
