إعادة تشكيل الغياب وأنطولوجيا الأثر …

مشروع «إيماءات الضوء» للفنان طارق الساخي :
يقدم مشروع «إيماءات الضوء» للفنان المغربي طارق الساخي ، والمقام في فضاء بلدة “سترونا” (Strona) الإيطالية، تجربة بصرية مفاهيمية تسعى إلى إعادة صياغة مفهوم الغياب ، فتحوله من حالة سلبية مرتبطة بالعدم والقطيعة، إلى دلالة وجودية نشطة ومستمرة.
ويتأطر هذا المشروع جمالياً بين الفلسفة الظاهراتية (Phénoménologie) وفنون التجهيز المرتبط بالمكان (Installation in situ) إذ لا يفرض الفنان تأويلاً جاهزاً للبيوت الصامتة، بل يتيح للأثر والغياب التجلي عبر الضوء، مفسحاً المجال للمتلقي لبناء تجربته التأويلية الخاصة به .
تستدعي هذه التجربة أطروحات الفيلسوف الألماني “مارتن هايدغر”، الذي رأى أن مهمة الفكر تكمن في إتاحة الفرصة للظواهر كي تكشف عن حقيقتها الكامنة خارج وصاية الوعي النظري المسبق…

ـ أولاً : فضاء السكن وأنطولوجيا الأثر .
ينطلق المشروع من أبعاد فلسفية تفكك مفهومي “السكن” و”البيت” عند هايدغر ، فالبيت هنا ليس بنية معمارية أو وظيفة مادية، بل مستودع للإيماءات الإنسانية وتراكمات العيش ، وحين يغادر السكان، لا ينزلق المكان إلى الفراغ، بل يفرز صمتاً ممتلئاً بالدلالات ، وفي هذا الفضاء، لا تحاكي أضواء النيون الواقع فوتوغرافياً، بل تؤدي وظيفة “الأثر” بمعناه التفكيكي ، إنها علامات ضوئية تشير إلى حضور سابق وتؤكد انقضاءه في آن واحد، محولةً الجغرافيا الصامتة إلى مكان يمتلك هوية، وذاكرة، واستمرارية روحية.

ـ ثانياً: التفكيك الجمالي والتشكيلي للتجهيزات .
يكشف العمل عن دمج الفن المعاصر بالبيئة الحضرية المهجورة عبر استثمار تفاصيل الحياة العابرة وإعادة توجيه دلالاتها عبر محطات جمالية تستحق التوقف عندها و التأمل العميق لتفكيك جزئياتها .
تجهيز حبل الغسيل المضيء:
ينقل علامة حميمية مرتبطة بالحياة المنزلية من سياقها النفعي المستتر إلى فضاء جمالي علني وهي مفارقة سريالية إلى حد ما ، يختزل النيون بخطوطه الرشيقة الفن في جوهره النقي (الخط المضيء)، مولداً تداخلاً زمنياً بين ماضٍ منسي وحاضر يستعيد الذاكرة.
تجهيز الطاولة والكرسي (الضيافة المعلّقة):
يمنح النيون بألوانه الدافئة المشهد حميمية تتناقض مع برودة الشارع المحيط بأقماعه وأسلاكه البارزة ، ورغم بساطة الخطوط واختزالها الذي يحاكي الرموز التصويرية (Pictograms)، فإنها تشحن الفضاء بوجدان يدفع المتلقي للتساؤل عن هوية الغائب المنتظَر.
تجهيز الكلب المضيء:
إن استحضار عنصر حيواني يومي داخل الفضاء العام يكسر وقار العرض المتحفي التقليدي ويعيد الفن إلى نبض الحياة اليومية. وغدو الحيوان هنا – كالأطياف العابرة للأمكنة المهجورة – يمثل شاهداً على الغياب وحاملاً لاستمرارية الحركة الطبيعية.

ـ ثالثاً: ثنائية المادة والضوء ( إعادة الروح إلى الكتلة)
يتأسس البناء التشكيلي للمشروع على توتر بصري قائم على التضاد بين ، المادة الخشنة والثابتة ، المتمثلة في الجدران والأسطح العمرانية المتهالكة.
الضوء الشفاف والعابر: المتجسد في خطوط النيون، كأنه شبح بصري يطفو فوق الكتل الصلبة.
يولد هذا التباين توتراً بين الرمزي والحي ، فالضوء، رغم هشاشته، هو الذي يعيد الروح إلى المادة الجامدة في عملية ” إعادة الروح إلى المادة” (Spiritualisation)، ليتحول الفضاء العام إلى مسرح يستحضر أطياف الأجساد الراحلة ويمنحها حضوراً متجدداً.

رابعاً: شعرية الحركة وإيقاعات الزمن :
تتجلى في أعمال أخرى – مثل مشهدي “المرأة والمايسترو” – أبعاد زمنية متباينة تثري البنية الدلالية للمشروع:
مشهد سقي النباتات: يتقاطع فيه الواقع البيولوجي بالنظام الرمزي (نباتات حقيقية تُسقى بماء ضوئي)، ليجسد فعل الرعاية البطيء كاستعارة بصرية للأمل وإمكانية المستقبل.

مشهد المايسترو: يمثل استعارة للفنان نفسه، الذي يقف وسط الفراغ ليجمع شتات الأصوات المهاجرة، محولاً الصمت الذي يلف البيوت المتروكة إلى سينفونية بصرية تُقرأ بالعين قبل أن تُسمع بالأذن.

خاتمة
لا يستسلم مشروع «إيماءات الضوء» لمرثية الأطلال أو الحنين السلبي (Nostalgia) ، بل هو فعل مقاومة جمالية يعيد الاعتبار للذاكرة بوصفها طاقة خلاقة ، وعبر استخدام النيون كأقلام ضوئية، يعيد طارق الساخي كتابة التاريخ الحميمي للأمكنة على هوامش الجدران ، لا لترميم العمران، بل لاستعادة الأثر الإنساني الكامن فيه ، وبذلك يصبح الغياب مادة جمالية مشعة تؤكد أن الأمكنة لا تموت ما دامت إيماءات الحياة الأولى تجد من يصغي إليها ويمنحها تدفقاً جديداً في الذاكرة الجماعية.

