المثقف والفضاء العمومي: قراءة سوسيو-ثقافية في واقعة معرض الكتاب بالرباط

أعادت الواقعة المرتبطة بالمؤرخ والكاتب المعطي منجب داخل المعرض الدولي للنشر والكتاب طرح أسئلة عميقة تتجاوز حدود الحدث نفسه. فالأمر لا يتعلق فقط بحادثة معزولة، بل بظاهرة اجتماعية تكشف طبيعة العلاقة بين المثقف والفضاء العمومي في المجتمع المعاصر.
اولا المثقف كشخصية “إشكالية” في المجتمعات الانتقالية:
في السوسيولوجيا السياسية يُنظر إلى المثقف النقدي بوصفه فاعلاً يشتغل في منطقة حساسة بين المعرفة والسلطة. فالمثقف لا يكتفي بإنتاج الأفكار، بل يساهم في مساءلة الواقع وكشف التوترات الاجتماعية والسياسية.
وفي المجتمعات التي تعيش تحولات سياسية واقتصادية وثقافية، يصبح حضور المثقف النقدي أكثر إثارة للجدل، لأنه يلامس قضايا السلطة والشرعية والعدالة والشفافية.
بهذا المعنى، فإن الجدل الذي رافق الواقعة يعكس توتراً قديماً ومتجدداً بين وظيفتين اجتماعيتين وظيفة الحفاظ على الاستقرار التي تميل إليها المؤسسات ،و وظيفة طرح الأسئلة والنقد التي يمثلها المثقف.
وهذا التوتر ليس استثناءً مغربياً، بل ظاهرة معروفة في مختلف المجتمعات.
ثانيا رمزية الفضاء الثقافي حيث ان المكان الذي وقع فيه الحدث ليس تفصيلاً ثانوياً. فمعرض الكتاب فضاء ذو حمولة رمزية قوية فهو فضاء المعرفة والكتاب ،فضاء الحوار والاختلاف الفكري. و فضاء اللقاء بين الكاتب والقارئ.
لذلك، عندما يحدث توتر داخل فضاء ثقافي، يتحول الحدث من واقعة فردية إلى سؤال رمزي أكبر:
هل الفضاء الثقافي مستقل فعلاً عن التوترات السياسية والاجتماعية؟
في علم الاجتماع الثقافي، يُنظر إلى هذه الفضاءات باعتبارها “مساحات رمزية للحرية”، ولهذا يكون لكل حادث يقع داخلها صدى يتجاوز حدود المكان.
ثلاثا تحوّل المثقف إلى موضوع إعلامي فقد شهدت العقود الأخيرة تحولاً مهماً بحيث لم يعد المثقف فقط منتجاً للأفكار، بل أصبح هو نفسه موضوعاً للنقاش الإعلامي.
لقد دخل المثقف إلى منطق “المجتمع الإعلامي”، حيث تتحول الشخصيات الفكرية إلى جزء من الحدث.وهنا يصبح المثقف فاعلاً فكرياً رمزياً وموضوعاً للجدل العمومي في الان عينه .
وهذا ما يفسر سرعة انتشار الواقعة واتساع النقاش حولها.
رابعا صراع التصورات داخل المجتمع ، فإن أبرز ما كشفته هذه الواقعة هو وجود قراءتين مختلفتين داخل المجتمع
الأولى تتمثل في قراءة ترى في الحدث تضييقاً على حرية التعبير. اماَّ بالنسبة للقراءة الأخرى فهي تعتبره حدثاً عادياً أو مبالغاً فيه.
ومن المنظور السوسيولوجي، هذا الاختلاف لا يعني أزمة و إن دلّ على شيء فهو دالٌّ على تعددية الآراء و حيوية النقاش العمومي و تنوع تمثلات دور المثقف داخل المجتمع،
فالمجتمعات الحديثة لا تقوم على إجماع مطلق، بل على التفاوض المستمر بين رؤى مختلفة للواقع.
خامسا سؤال دور المثقف اليوم ، حيث ساهمت هذه الواقعة في طرح سؤال كلاسيكي في علم الاجتماع:
ما هو دور المثقف في المجتمع؟
هل يقتصر دوره على إنتاج المعرفة داخل الجامعة والكتب؟
أم يمتد ليشمل المشاركة في النقاش العمومي والدفاع عن القضايا المجتمعية؟
تُظهر التجربة المعاصرة أن المجتمع ينتظر من المثقف أن يجمع بين الدورين معاً ، المنتج للمعرفة من جهة، والفاعل في النقاش العمومي من جهة أخرى.
اما ختاما فيكشف هذا الحدث ، بما رافقه من نقاش، أن العلاقة بين الثقافة والسلطة والمجتمع ما فتئت موضوعاً مفتوحاً للنقاش. فحيوية المجتمعات تقاس بقدرتها على احتضان الاختلاف وفتح المجال للنقاش العمومي. وفي هذا السياق، يظل حضور المثقف، بكل ما يثيره من جدل، جزءاً من دينامية المجتمع نفسه، لا هامشاً خارجها .
قلم أمينة رقيب طالبة بكلية الاداب و العلوم الإنسانية شعبة علم الاجتماع

