”صوت باطني ” للبابة لعلج

”صوت باطني ” للبابة لعلج

 

 

الصوت والهوية

يعتبر ديوان ”صوت باطني ” للشاعرة والفنانة التشكيلية  لبابة لعلج إلى جانب الترجمة الأنيقة للناقد عبد الله الشيخ حوارا شعريا تشكيليا يستمد جذوره من فلسفة الشعر في سعيها الدؤوب نحو البحث في المسافات والقريب بتعبير الأنثروبولوجي عبد الله حمودي. ومن ثم شكلت اللغة الرحم الأنثوي المُولد لشعرية الصوت وحفرياته بوصفه الهوية والتمثل الثقافي فضاء تحقق الصوت النسوي الحالم.

يقدم لنا النص الموازي والعنوان الفرعي إعادة صياغة جديدة للفضاء الإنساني الذي تتقاطع فيه لغات وحضارات وثقافات، كما يتجلى من خلال استعارة الصوت. كلا العنوانين يحفران في الحدود والفضاء، عبر وساطة العلامة ”الصوت” بوصفه يضمر أنساقا ذات تمثلات ثقافية وسيكولوجية.

إن العمل الشعري الذي تنسجه ريشة الشاعرة تجاوز لكل ما هو سطحي ومحاولة النفاذ إلى الباطن. غير أنه ما الفرق بين الباطن والعمق هنا؟ إن الباطن في شعرية الصوت مخفور بمرجعية تستوحي عالم النفس؛ رغم أنها نفس ترفض أن تقيم داخل هذه الكينونة الإنسانية الشعرية المحدودة التي سيجها سيغموند فرويد.

تتأمل الشاعرة الحدود وتعيد السؤال عن قصدية أو عن غيرها؛ فهذا هو العالم الذي تورطنا فيه الشاعرة حتى وإن تنكرت في لغة الشاعر. فنجد حدود القصيدة ذاتها موضع سؤال، وحدود الهوية اللغوية وأخيرا حدود القصيدة التي تتحول إلى كتابات أي تنقلنا من المحدد إلى اللامحدود.

تنعدم المسافة بين اللغة الكينونة الشعرية وبين اللغة التي تقيم داخلها الشاعرة. فمن شعرية هويات الصوت إلى القصة التراجيدية التي يعيشها الصوت في صورة مسرحة للفعل وبنية المواجهة المونودرامية بين الذات الأنثوية /الصوت بما هو رمز للشعر والعالم الذكوري. ولعل اللوحة المصاحبة، تمنح كل هذا الحوار بين أصوات وهويات حياة أخرى يتشكل عبرها فضاء اللامحدود:

لم تصدق هدى ذلك.

خرج الصوت من قلبها.

يسمى حدسا.

تحدثت إليها روحها.

نصحتها أن تتخلى (ص: 115) .

إن الصوت شكل سيمياء الحياة الذي يحفر في الداخل، بيد أنه ليس صوتا أحاديا يوقع انغلاق الخطاب الشعري. فتكرار صوت هدى يشتغل بوصفه علامة تنقلنا إلى ثنائية أنوثة الشعر وذكورة العالم. ولذا تتحول هدى إلى شخصية قصة القصيدة، وتحاول أن تتجاوز الحدود باحثة عن الحرية بالمعنى الإنساني الذي يجعل منها ذاتا إنسانية تخلق الفضاء بما هو بعد جمالي وتمثل ثقافي:

صباح صوتي الباطني وحدها القادرة على المقاومة وهي العقبة (ص: 79)

يتحول سؤال الكائن الأنثوي إلى سؤال للكينونة الشعرية بوصفها كينونة أنثوية كما تؤشر على ذلك العلامة النووية ”الباطن” . وهو السؤال الذي يعيد الشعر بوصفه كتابة تلامس الحدود وتتجاوزها بما أنه ليس هناك حدود للباطن ولا حتى معنى أحادي يقيد النص ويستنفد جماليته.

ولذا لا تحاور القصيدة الألوان فقط؛ ولكن تحاول القبض على جمرة الفكر بوصفه السؤال/الباطن حيث يقيم الشعر؛ كما أن هدى تتحول إلى قصة وجودية ترمز إلى الصراع التي تخوضه من أجل قيم الحرية والتحرر، فلا يحضر الباطن مقابلا للسطح؛ بل هو مقابل للابتذال الذي تتمرد عليه الشاعرة. تتحول قصة المواجهة مع لا ذكورية الاضطهاد الذي يوجد في اللغة كما يوجد في العالم، كما تدل على ذلك مجموعة من الكلمات النووية (كابوسا، هز أحشاءها، إعصار):

كانت هدى تتوق إلى السلام.

كانت روحها طفيفة.

كل سجن يعيش في الهامة.

هامة ذاك الذي يجهل (ص 118) .

إن الذات الصوت بنية رمزية تؤشر إلى التمفصل المزدوج للعلامة من حيث الدوال التي تنسجها. فمن جهة يحيل على الباطن بوصفه ينتج تشاكل الشعر كما نلمس من خلال تراكم مجموعة من الوحدات الحشوية (فطري، حدس، مخترقة، تلقائي، قرارة نفسي، لا أتحكم فيه، يهتدي بطبيعته) فالذات الباطن تحمل سمات ترتبط بالألم والرغبة في التحرر من ذاكرة مضطهدة، مما يجعلها تلجأ إلى حوار مع صوت آخر الذي يحيل إلى حضور التمثل الشعري:

قالت لي أسمع صوتا

صوت تلقائي يتكلم في قرارة نفسي

لا أتحكم فيه (ص: 58)،

كسر قوة العوائق.

لكل مرحلة محنتها.

لكل مرحلة هدناتها.

اكتشافات لا حصر لها.

يلتقي الإحباط بالفرح.

يحيي الفرح الأمل (ص:76) .

من جهة ثانية، تتمفصل الدلالة إلى نسق رمزي يرتبط بتشاكل المعرفة كما يتجلى من خلال تقاطعات النفس الصوفي والفكري والسيكولوجي؛ كما تدل على ذلك العلامة البؤرية ذاتها ”الباطن” فضلا عن حضور مجموعة من الوحدات الحشوية المرتبطة بالحرية والتأويل (الباطني، حكيم، معرفة، الهوية كما يؤشر على ذلك جراح اللغة الأنثوية).

هكذا تنسج الشاعرة من شعرية الصوت أفقا لتأمل الذات والعالم وإعادة رسم حدود الفضاء الذي تتجلى داخله الذات الأنثوية التي تتشاكل مع فعل الكتابة.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *