”صوت باطني ” للبابة لعلج

في الكتابة والجرح واستدراج المعنى
في الـحد الفاصل بين الصوت والباطن، يحدث التشابك الرمزي والدلالي في آن، وتقيم اللغة محفلها ساعة تستحضر الاستعارات الجذابة والخيال اللامتناهي الذي يُنيط اللثام عن الرؤية، ويحـجب الغموض الذي يتسرب ويستفز دم المعنى ويُكابر جرح المعاصرة في الزمن واستشراف مدارج المستقبل.
هنا في هذا المدار تقيم لبابة لعلج المبدعة والأديبة، الفنانة التشكيلية والإنسانة والرحالة، مملكتها الآسرة وتستقوي بشرفاتها التي تطل على عالم وحصن الكتابة، وتفصح عن سر البذرة التي انشطرت نصوصا وشذرات وكانت كتاباً.
وكان العنوان:
“صوت باطني، كتابات ولوحات”.
عتبة ومزلاجا وبابا لفتح سيرة البوح والقلق والوجود ووشما راسخا يحتمي بغريزة البقاء وسيرورة الحياة.
شكل آخر من الكتابة منسوب الشعرية فيه يتزايد وفق تضاريس سجل المفردات. ومن هذا السجل نستقطع هذه المفردات الواردة في النصوص والشذرات وصفحات الكتاب.
الظاهر/الانصات/الوعي/المصير/التجربة/الذات/كيان/جوهر/ المعرفة/الغموض/المسار/الاجبار/المراقبة/المطلق/أفكار/المحيط/التجربة/الصوت/الافتتان/الأصداء/الكيان/الـجوهر/المراقبة/ الاستماع/الصمت/إعصار/هامة/اللاوعي/الظل/النور/المعتقد/ المكابدة/مناجاة…
الصوت الباطني -الكتاب محمولا على لوح المعنى – يفتح شهية الأسئلة المتعددة، المتنوع منها، والمختلف. وتتألف النصوص والشذرات ساعة تدنو من ينبوع الحكمة لتذويب الجرح والحرقة وسيرة الألم الدفينة والحافلة برغبة استنفار قلق الوجود ومتاريس الحياة.
هل هو نوع من الموسيقى الآتية من الأعماق، موسيقى تدرك شأن الروح وتستجيب لتطلعات قلقها؟ هل يتجاوز الصوت الباطني الصدى كما يتجاوز الاختلاف الخلاف والتناقض؟ هل هذا يعني أن الصوت ليس ملاكا ولا شيطانا؟
قد يكون تجاوز الميتافيزيقا وطهرانية الغيب ملاذا واغترابا للتفرد بعزلة الكائن
الذي هو في المنطلق والخلاصة هو المبدع ذاته/”هدى” بذات صفاتها؟
سلة الأسئلة أجاب عنها النص – الكتاب/المتن – في كُليَّتهِ وفي فيضه وفي مضامين النصوص التي استضافها عبر صفحاته التي تجاوزت المائتي صفحة، لكن الأسئلة ظلت حارقة متجددة ومنشطرة متناسلة بمعنى آخر لأنها تُنشد البقاء والخلود والوجود ومن هنا أهميتها، والأسئلة دوما أهم من الأجوبة على حد تعبير الفيلسوف الوجودي “كارل ياسبرز”.
إنه صوت باطني آت من الداخل من مُسألة الروح وتجسير قلقها لتخط أولى الكلمات في صحيفة الكون والوجود، صحيفة الحياة التي استرعت بتفاصيل اليومي والمعيش والمفكر واللامفكر فيه وفي سبر مغاوير التناقض لحياة برمتها هي حياة الشاعرة والتشكيلية لبابة لعلج.
هذا ما تحاكيه هذه النصوص، ومعها هذه الشذرات وتنسجه في العبارة، وتبارك الخطو نحو الضفتين، وهما الشكل والمحتوى معا، المعنى والمبنى، ومعمار النصوص وهندسة تشكيله كما شاءت أنامل مبدعته تماما.
كل هذا التفسير الوجودي أساسه اللوحات التشكيلية المرفقة بهذا العمل، لأنها أسهمت وبقوة في تراكمات النصوص وفيضها وتحولها من لحظة التراكم إلى محطات الكيف. وهي كالتالي وفق مسمياتها :
1- لوحة كونية /2 – ملكة الفيض/3- بحيرة عدن/ 4- استراحة/ 5- صحوة / 6- أنبثق من المياه/7- إعجاب/8- حريم/ 9- أب وابنة/10- سلالة/11- نظام امومي / 12- رؤى مستنيرة / 13- تقبل / 14- امرأة الساموراي / 15-أرصد الطريق /16- أطياف الليل /17- أحزان الروح/18- فريدا جسدا وروحا / 19- فصام.
هو الكتاب إذن – صوت باطني- وكلما أمعنا فيه النظر وجدناه كتابا مفتوحا على الأسئلة، الأسئلة التي تكمن أهميتها في أن تظل شاهدة على الوجود والكائن والعبارة، ويظل الجواب-عنها- في رف استعارات الحياة التي يباشرها الكائن ليبقى يقظا ومشتعلا كنجمة لا يطالها الأفول أو المحو أو الغياب. كل هذا وما جاور الكتاب هو بوح “هدى”- وهي أساسه-التي ترى في “الهداية” أفقها وملاذها، الحياة برمتها بتمظهراتها وتجلياتها وتناقضاتها…
وهذا القول وهو يغطي صفحات الكتاب قوته نابعة من الحرقة ذاتها التي تجعل الوجود ممكنا ومفروضا رغم استحالته وإمكانية التعايش معه، وهذا ما فكرت فيه “هدى” بصوت عال غطى سقف النصوص وفاض في جداول شذراته.
“هدى” الشاعرة، المبدعة، تستعيد اكتشاف ذاتها للمرة الثانية استنادا إلى بلاغة القول والصور والمتخيل والاستعارات في أنشودتها الشعرية ساعة تعري عن مكامن البوح الآتي من الأعماق، من الصوت القابع هناك -تحديدا- كمكنون باطني، من الأسئلة العالقة في الجذور والأفق والمستقبل ومُسألة الحاضر.
خَلاصها كان من شرك الاغتراب والاستلاب، هل طرقت الباب جيدا؟ هذا ما تقوله نصوص الكتاب وتؤكده الشذرات. هل كانت هي “هدى” الحالمة والأسيرة؟ هل كان شكها في محل البهاء يدنو من جرح الأسئلة كما توقعت؟ هل كانت فوضاها الخلاقة متربصة بترتيب أولويات اليومي وجرعاته الزائدة في هدم شرنقة العدم وساحات الوجود؟ هل كان طيفها كافيا لتكون هي كلما دنت من مجد “حروفيات” القصيدة، ومشاغل الرسم والتشكيل وضفاف الألوان.
لكنها القصيدة -قصيدتها المجاورة إلى حد التماس المدهش مع أبجديات التشكيل، وتصدع الألوان وانبهارها بالأزرق القاني الذي ينشطر حد اللامتناهي شظايا أكثر من أزرق متعدد، متنوع ومختلف.
مسألة لا يمكن تجاوزها في ختام هذا النص الحالم. وهي المتعلقة بالترجمة حيث انسيابية العبارات ومضامين الكلام يتسرب إلى عمق المتلقي بهدوء تام يفي بالغرض، وسعى لتجسير الخطى بين اللغتين ساهم وبقوة ليصبح لهذا الكتاب معنى آخر في الحضور والتجلي. وهو من لمسة الناقد الجمالي الدكتور عبد الله الشيخ مشكورا على الجهد الجميل.

