“قضايا الصورة في العصر الوسيط”

حوار الجمال الخالد
مثل التعاشق بين الفن الإسلامي والمسيحي دليلا ماديا على أن الفن هو الجسر الأمتن للتفاهم والحوار القادر على تخطي المحددات الدينية والسياسية. فلم يكن هذا النوع من التفاعل مجرد تقليد أو محاكاة، بل كان عملية إثراء متبادل قادت إلى نشأة أساليب فنية جديدة ومبتكرة، كّنت جزءا أساسيا من التراث الإنساني المشترك.
يعد التداخل النسقي بين الفنون العلامة الأبرز في التداخل الحضاري العمودي والأفقي، والظاهرة التي زودتنا بالوثائق التي لا خلاف فيها وعليها من ناحية المرجعيات والمؤسسات والموثوقية الأرشيفية، بالنظر إلى عدم انقطاع أو تغير الظاهرة الدينية المؤسسة لهذا النوع من العطاء الجمالي والمعرفي، الأمر الذي ساهم في تثبيت تحولات وانتقال المعطيات الإبداعية عبر جغرافيا وتاريخ الإبداع الإنساني. كما ألهم أضمومة من التناصات والاقتباسات والتأثير والتأثر المنطقي المتوقع والحاصل عمليا في حركة الفن العالمي عامة، وفي كل الأنساق الإبستمولوجية والأنطولوجية.
لقد قدمت منجزات الفن التشكيلي الإسلامي والمسيحي مثالا حيا على هذا التداخل والتعاشق في بنية التشكيل وأنساقه ضمن الحضارات التي تألّفت ونهلت من المناخات الدينية الواضحة، وتحديدا بين البيئات الإسلامية والبيئات المسيحية. بل إن التناص بين هذين النسقين يعد من المحطات المفاجئة والمفارقات المدهشة في تاريخ الفن العالمي، سيما مع معرفة نوع الضغوط التي تعرض لها الفن والفنان المسلم، والتي في الوقت الذي حددت فيه كيف وكم إنتاج الفنون، إلا أنها فتحت الباب واسعا لمغادرة المرئي باتجاه اللامرئي للتخلص من محددات التحريم ومتطلباته.
فيما جاء الفن المسيحي كرد على التحريم ما قبل المسيحية من جهة، وتوظيفاً للصورة الدينية الموثقة للحدث بما يساهم في نشر الفكرة، مما ساهم في ولادة ظاهرة فنية عالمية ارتبطت بالكنيسة ومتطلباتها، وحققت اشتغالات إعلانية دعائية تبشيرية، مقابل الاشتغالات التي قدمها الفنان المسلم، والتي كانت عبارة عن توثيقات وموتيفات ومحاولة للحاق بالبنية اللغوية للعالم الإسلامي.
نضع نصب أعيننا ما يجمع بينهما من ناحية الانتماء الثقافي والجنساني والبيئي، باعتبار الشرق مهد الرسالات والأديان، والانتماء العرقي الواحد، فكلا من المسيحية والإسلام ظهر في المشرق وورث الحضارات السابقة، وتداخل وتكيف معها، وأعاد إنتاج مؤسساته الفنية وفقا لذلك. فظهرت المشتركات البنائية للفن في الحالتين، وفي مقدمتها حوار الصور الفنية المؤسسة بمرجعيات أيديولوجية، من ناحية نظرة الفنان للفن ووظائفيته الأيديولوجية، ومن ناحية التأليف الفيزيقي للفن من التكوين والمنظور وتعظيم الفضاء وتغليب الجانب الروحي، سيما في تجربة الفنان المسلم الأول يحيى الواسطي في القرن الثالث عشر في بغداد، التي تبعتها زمنياً في جغرافيا أخرى تجربة الفنان الإيطالي فرا أنجليكو في القرن الرابع عشر، فقدمت التجربتان معطيات فنية شكلية وموضوعية تحث على قراءة الفن بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية.
تجاوز هذا التفاعل حدود الجغرافيا والزمن ليشكل بصمةً خالدة في سجل الفنون العالمية، فلم يكن الفن نتاجاً معزولاً، بل مرآة عاكسة لحركة التجارة، والفتوحات، والتعايش الثقافي في مناطق التماس كالأندلس، وصقلية، وبلاد الشام، ومصر. إن هذا التداخل الفني لم يقتصر على الاستعارة، بل وصل إلى مرحلة الاندماج والإبداع المشترك، حيث أسهم كل فن في صقل وتطوير الآخر.
وبعد أن ظهر جليا تأثر الفن الإسلامي بفنون الحضارات السابقة كالفن البيزنطي والساساني والقبطي، سيما في العمارة والزخرفة المبكرة، فإن نشوء ممالك عربية مسيحية عزز التأثير المسيحي على الفن الإسلامي، فاستلهمت العمارة الأموية، خاصةً في الشام، عناصر من العمارة البيزنطية، في استخدام القباب، والفسيفساء، وتخطيط بعض المنشآت. فالجامع الأموي الكبير في دمشق يعتبر مثالا بارزا على التداخل البيزنطي في فن الفسيفساء، حيث استخدم فنانون بيزنطيون لتنفيذ الزخارف النباتية والمناظر الطبيعية الخلابة على جدرانه.
تطور فن الزخرفة في الفن الإسلامي كمتطلبٍ لا بد منه لخلق معادل موضوعي يغطي محددات التحريم، وحافظت بعض الأعمال الزخرفية على عناصر مستمدة من الفن القبطي في مصر، كما عمل فنانون مسيحيون في بلاط الخلفاء والملوك والحكام، مما أسهم في نقل الأساليب والتقنيات. فيما شكلت الزخرفة النباتية والهندسية وما رافقها من كاليغرافيا فضلا عن الأقواس المعمارية التأثير الإسلامي الأبرز على الفن المسيحي، إذ يعد هذا الجانب الأكثر وضوحا وعمقا، خاصةً في العصور الوسطى الأوروبية. فالزخرفة الهندسية والنباتية (الأرابيسك) في الفن الإسلامي جاءت بديلا عن تصوير الكائنات الحية، فابتكر الفنان المسلم فن التجريد، معتمدا الزخارف الهندسية المعقدة (التوريق والتشابك)، والزخارف النباتية، والأرابيسك، والخط الكوفي والقيرواني.
انتشرت هذه الأنماط في أوروبا من خلال الأندلس وصقلية، وظهرت في تزيين المنسوجات، والمعادن، والزخارف المعمارية للكنائس. ورغم تأثير ذلك التعاشق في تأليف وصناعة الفن العالمي للحضارات السالفة وامتداده ليغير بقوة بنية الفن التشكيلي المعاصر، خاصة بعد حركة الاستشراق وولادة الفن الحديث ووفود نخبة الفنانين المحدثين إلى بلاد المغرب العربي، وانبهارهم بالمنجز الزخرفي المبسط شكلاً والمعقد فلسفيا، وما أعقبه من ولادة أهم مدارس الفن التشكيلي الحديث، فإن هذه المنطقة ما زالت تُعد من الكنوز المسكوت عنها.
وعليه، فإن رصد هذه الظاهرة بمؤلف أكاديمي منضد بلغة نقدية ومرجعية، تقصي الرصد العاطفي المنشأ، وتُنقب باحتراف ودراية وحبكة، إنما يشكل إضافة نوعية للمكتبة التشكيلية العربية والعالمية، يقدمها الأستاذ الدكتور عبد الله الشيخ، الذي يحلق بنا في عالم من الجمال المخبوء والثاوي في تضاعيف هذا المؤلف الممتع والنافع، فله وافر الاعتزاز وجزيل الشكر على هذه السياحة الجمالية المعرفية التي تستحق أن نفخر بها وبمؤلفها المميز.

