أركيولوجيا التواصل والإشهار» للباحث عبد الله الشيخ

أركيولوجيا التواصل والإشهار» للباحث عبد الله الشيخ

حفر أركيولوجي في بنية الخطاب البصري

يشكل التفكير في قضايا التواصل والإشهار أحد أهم المداخل المعرفية لاستيعاب التحولات العميقة التي وسمت بنية الوعي الإنساني وطرائق تمثيله للعالم. فالصورة لم تكن مجرد وسيط جمالي أو أداة بصرية لنقل المعنى، بل كانت بنية رمزية ومعرفية تعبر عن التفاعل الجدلي بين الفكر والمادة، وبين التقنية والخيال، وبين الإنسان وفضائه الثقافي. من هذا المنظور، يغدو الخوض في أركيولوجيا التواصل والإشهار بمثابة استعادة نقدية لرحلة الوعي البشري في علاقته بالوسائط، من العلامة الطقوسية الأولى إلى الصورة الرقمية المهيمنة اليوم على المشهد المعرفي الكوني.

يندرج عمل الدكتور عبد الله الشيخ في مؤلفه «أركيولوجيا التواصل والإشهار» ضمن هذا الأفق التأملي العميق، إذ يقترح قراءة وسائطية شمولية تربط بين التحليل الجمالي والبعد الإبلاغي في بنية الخطاب البصري. ينطلق الباحث من فرضية مفادها أن التواصل والإشهار ليسا ظاهرتين تقنيتين أو تداوليتين فحسب، بل هما ظاهرتان ثقافيتان وحضاريتان تتقاطع فيهما عناصر الإدراك، والتعبير، والتأويل. وهما كذلك نتاج تاريخ طويل من الوسائط التي شكلت وعي الإنسان منذ فجر الحضارة، بدءا من الرسم الجداري، فالكتابة، فالمطبعة، وصولا إلى الشاشة والوسائط الرقمية.

لقد أتاح الإطار النظري الوسائطـي الذي أسسه المفكر ريجيس دوبري والذي يتبناه المؤلف بوعي نقدي أدوات فعالة لفهم ما يسميه بـ«حياة الصورة وموتها». فالميديولوجيا بوصفها علما للوسائط، لا تكتفي بدراسة الرسائل البصرية، بل تبحث في الشروط التقنية والاجتماعية والتاريخية التي تجعل الفكرة ممكنة التحقق في وسيط مادي معين. وهي بذلك علم يربط بين المادي والرمزي، وبين الفكرة وتجسدها، وبين الفكر وأجهزته التقنية، مما يجعلها حقلا معرفيا متعدد الاختصاصات ينهل من الفلسفة، والسيميولوجيا، والأنثروبولوجيا، والتاريخ وغير ذلك.

في ضوء هذا المنهج، يسعى الدكتور عبد الله الشيخ إلى حفر أركيولوجي في بنية الخطاب البصري، متتبعا تطور الصورة عبر العصور بوصفها أداة للسلطة، والذاكرة، والخيال الجمعي. فالصورة عنده ليست مجرد انعكاس للعالم، بل هي قوة منتجة للمعنى، تعيد بناء العالم في ذهن المتلقي وفق رموز وإيحاءات وشفرات ثقافية. ومن هنا، يغدو الإشهار شكلا متقدما من التواصل البصري، يحمل في داخله بنية خطابية مزدوجة: إبلاغية تستهدف التأثير والإقناع، وجمالية تروم الإبهار والمتعة.

يتقاطع هذا التحليل مع مقولات كبار المفكرين والفلاسفة الذين انشغلوا بمسألة الصورة والإدراك البصري، من أمثال كانط وهيغل وهايدغر ودولوز وبارت وإيكو، حيث اعتبرت الصورة منذ القدم موضوعا فلسفيا بامتياز، لما تحمله من علاقة معقدة بين الظاهر والباطن، وبين الدال والمدلول، وبين الواقع والمتخيل. وهكذا؛ يعيد الدكتور عبد الله الشيخ إحياء هذا النقاش في سياق عربي معاصر، ساعيا إلى سد الفجوة المعرفية التي يعانيها الفكر العربي في مجال الدراسات البصرية والإشهارية، في ظل هيمنة الخطاب اللغوي وتهميش الصورة في الثقافة الإسلامية.

كما ويولي أهمية بالغة لمفهوم المتلقي البصري بوصفه فاعلا و مشاركا في بناء المعنى عبر قراءته للرموز الأيقونية و تفكيكه لشفراتها الثقافية، حيث تصبح عملية التلقي سيرورة معرفية تنبني على المهارة النقدية والوعي الجمالي، أكثر من كونها ترجمة حرفية للصور.

أما على مستوى البنية التاريخية، فيرصد المؤلف التحولات الكبرى التي عرفتها العصور الوسائطية الثلاثة وفق تصنيف ريجيس دوبري:

.1 عصر الأصنام (Logosphère)، حيث كانت الصورة امتدادا للقداسة ورمزا للماورائي، خاضعة لسلطة اللاهوت، ومقترنة بالتكرار والنسخ.

. 2عصر الكتابة والطباعة (Graphosphère)، الذي انتقلت فيه الصورة من المجال الديني إلى المجال الفني والتاريخي، وبرزت فيه استقلالية العمل الفني وعبقرية الفنان.

. 3عصر الشاشة (Vidéosphère)، وهو عصرنا الراهن، الذي تهيمن فيه الصورة الرقمية والإعلان والوسائط الإلكترونية، وتتحول فيه الرؤية إلى تجربة افتراضية قائمة على السرعة والسيولة والتداول.

 إن هذا المسار الثلاثي لا يعبر عن تعاقب زمني فحسب، بل عن تحوّل أنطولوجي في طبيعة الإدراك الإنساني. فالعين في عصر الأصنام كانت تبصر ما يعبد، وفي عصر الكتابة ما يُفكّر، أما في عصر الشاشة فهي تبصر ما يُستهلك. من هنا يخلص المؤلف إلى أن الإشهار، بوصفه خطابا معاصرا، يمثل ذروة التحول في علاقة الإنسان بالصورة، إذ يجمع بين الجاذبية الجمالية والفعالية الاقتصادية، بين الأسطورة الجديدة للاستهلاك وبلاغة الإقناع. وبهذا المعنى، فإن التواصل والإشهار لا ينتميان إلى عالم التقنية فحسب، بل إلى عالم التأويل الذي يتأسس على التفاعل بين النص البصري والمتلقي.

إضافة إلى ذلك قارب الباحث تحليل المنظور العربي الإسلامي تجاه الصورة، من خلال مساءلة العلاقة بين المقدس والمدنس، وبين النص البصري والنص اللغوي، مستأنسا بتراث المتصوفة من أمثال ابن عربي، الذي ربط بين الصورة والخيال والوجود. فالصورة في الفكر الصوفي ليست مجرد شكل مرئي، بل تجل للمعنى في بعده الوجودي. هذا المنظور يمنح التحليل الوسائطـي بعدا روحيا وثقافيا يُعيد الاعتبار للخيال الخلاق في فهم الظاهرة البصرية.

ثم انتقل ليتناول التحول الذي عرفته الممارسات الإشهارية الحديثة، حيث صارت الصورة أداة لإنتاج الوعي الجماهيري وصياغة الأذواق والرموز، مكرسة ما يسميه «السلطة البصرية» في زمن العولمة. فالإشهار، في النهاية، ليس خطابا بريئا، بل جهازا رمزيا متكاملا يوجه السلوك الاجتماعي والاقتصادي عبر آليات الإغراء والتكرار والإيهام. وهنا تتجلى أهمية المنهج الوسائطـي في تفكيك هذه البنية المركبة التي تجمع بين المتعة والهيمنة، بين الفن والسوق، بين الرمز والسلطة.

إنّ القيمة العلمية لهذا الجزء من العمل الأكاديمي الذي أشرفت عل أطوار إعداده وإنجازه في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء ( وحدة الدكتوراه “التواصل والإشهار”) تتجلى في كونه مشروعا تأسيسيا في حقل الدراسات الوسائطية بالعربية، إذ يزاوج بين العمق المعرفي والدقة المنهجية، ويقدم منظورا نقديا جديدا لتاريخ الصورة في الحضارة الإنسانية. وهو في الآن ذاته دعوة إلى تجاوز النظرة الاختزالية للصورة والإشهار، والنظر إليهما كمفاتيح لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم المعاصر.

بهذا المعنى، يمكن القول إن «أركيولوجيا التواصل والإشهار» ليس مجرد كتاب في الجماليات أو الإعلام، بل هو مشروع معرفي متكامل يستنطق الذاكرة البصرية الجنينية للإنسان، ويستشرف مصير الصورة في زمن العولمة والافتراض، طارحا السؤال المحوري: كيف يمكن للفكر العربي أن يستعيد قدرته على إنتاج صورة تعبر عن ذاته الحضارية، لا عن استهلاكه لصور الآخر؟

إنها دعوة إلى تحرير الصورة من سطوة السوق، وتحرير الإنسان من استلاب الصورة، من خلال بناء وعي بصري نقدي يوازن بين الحس الجمالي والمسؤولية الثقافية. هذا هو رهان المشروع الذي يقدمه الدكتور عبد الله الشيخ، باعتباره جسرا بين الفكر والفن، بين النظرية والممارسة، وبين التراث البصري الإنساني وأفقه المستقبلي في ظل الثورة الرقمية.

توطئة

إن الخوض في مباحث التواصل والإشهار في عصر الصورة أصبح يكتسي أهمية بالغة على المستويين الإبداعي والمعرفي معا. لقد شكلت هذه المباحث الإستراتيجية مركز اهتمام العديد من الفلاسفة الجماليين سواء في الحقل الفكري الفرنسي أو الألماني (كانط، وهوسرل،وهيجل،وهايدغر، ودريدا، وجيل دولوز نموذجا) الذين خلصوا التفكير في قضايا الإدراك البصري من النزعة التحقيرية لكل من أفلاطون، وجون بول سارتر1.

في هذا الإطار، حاولت رصد استراتيجيات التواصل والإشهار عبر بعض المحطات النموذجية لتاريخ الإنسانية، انطلاقا من إحدى أحدث المقاربات المنهجية وأكثرها زخما، ألا وهي المقاربة الوسائطية (مقاربة علم الإعلام العام)، التي اعتمدها الباحث الفرنسي ريجيس دوبري في تحليله للصورة خصوصا، وتحليله للسمعي البصري ومجموع الوسائط الجماهيرية الإعلامية عموما.

فالوسائطية (médiologie) باعتبارها حقلا للتفكير تتقاطع فيه المناهج والمعطيات، تمكن الدارسين من صياغة منظور جديد لإرساليات الحياة والوجود، وآلياتهما الشكلية والمعنوية، الشيء الذي انتهجه كل من الباحثين الوسائطيين لويس ميرزو وبيرنارهويغ2.

ينطلق بحث هذا المؤلف، إذن، من كون التواصل والإشهار مجالين بلاغيين وإبلاغيين، يقومان على عدة وساطات (médiations)، سواء ذات طابع مفاهيمي مثل اللغة، أو ذات طابع مادي ورمزي أقصد الصورة بكل أبعادها التشكيلية والأيقونية.

 إن اختيار النموذج التصويري الفني وسيطا (médium) في مقاربتي للتواصل وللإشهار مرده إلى الاعتبارات الذاتية، والموضوعية الآتية:

  • الحديث عن الصورة هو حلقة وظيفية غير منفصلة عن عوالم المتخيل والتفكير في قضايا الإدراك والإبداع.
  • الصور تتجاوز الدائرة الضيقة للممارسة الوسائطية اللغوية، وتجعلها أكثر إجرائية وشمولية.
  • التعامل مع النموذج الأيقوني، يفرض على الباحث تغليب التحليل والقراءة على التنظير والتجريد.
  • ضرورة تدارك ضعف مباحث الصورة في العالم العربي الإسلامي، ومحدوديتها نظرا لهيمنة الخطاب اللغوي على الخطاب البصري.
  • حتمية تدارك الصعوبة المنهجية، التي تستلزمها مقاربات الصورة بمختلف أنواعها ومستوياتها.

لقد اعتمدت في رصد مباحث التواصل والإشهار على الإطار المعرفي الجديد الذي يسميه ريجيس دوبري ب “علمنا الصغير” ليسد بعض الفجوات المعرفية التي كرسها علم التاريخ وعلم الاجتماع التقليديان. وهو مبحث لا يدعي القيادة الأمبريالية للعلوم الأخرى.

ينهض هذا العلم الجديد في صورة علم للوسائط الإعلامية الذي خصص له دوبري فصلا شاملا في كتابه ” السلطة الفكرية في فرنسا” عام 1979م، وصدر القسم الأول من هذا العمل النظري عام 1991 م بعنوان ” محاضرات في علم الإعلام العام“، حيث عرف هذا العلم الجديد بما يلي: »يدرس هذا العلم الوسائط المادية التي يتجسد عبرها الكلام« 1 . إن كتابي ” محاضرات في علم الإعلام العام2، و”حياة الصورة وموتها3 أكثر تحليلا وأقل تنظيرا، ويمنحان للدارس العناصر الكفيلة بتمثل نظرية فكرية في مجال التواصل بالصورة وعبر الصورة، فقيمة الكتابين معا تكمنان في:

  • المنظور الفلسفي.
  • الغنى الفكري.
  • الطابع التساؤلي.
  • العمق التحليلي والتأويلي.

هكذا وفي ضوء المقاربة الوسائطية، عالجت إشكالية الخطاب الأيقوني وسيادته وسلطته (جمالياته وآلياته)، قصد الوعي بالحدود التي تفرضها العولمة البصرية والإعلامية حتى يكون هذا البحث بمثابة عتبات دياكرونية لاستشراف عوالم التواصل والإشهار، عبر منعطفاتها التاريخية انطلاقا من المبادئ الجمالية الآتية:

1) الثقافة البصرية هي العصب المحوري لكل قنوات التواصل المتجذرة في الماضي، والممتدة عبر الحاضر والمستقبل، ذلك أن التلقي الإنساني يرتبط أيما ارتباط بالإدراك والذاكرة والانفعال (10% من الرؤية بالعين، و90% من الرؤية بالدماغ حسب أبحاث كرتس)1.

2) ارتهان الاتصال البشري بالصورة لا بالكلمة المنطوقة أو المكتوبة، ذلك أن تاريخ التواصل والإشهار لم يعد يرتكز على محوري ” ما قبل الألفبائية وما بعدها“، حيث تتجاوز الرسائل الأيقونية المرتبطة بالثقافة البصرية بكثير محدودية الثقافة اللفظية.

3) اعتبار الثقافة البصرية ثقافة كونية، تنتفي معها كل الحدود الجغرافية واللغوية الإثنية. فهي تكتسي قدرة خاصة على توليد نصوص وظيفية تدرك بالرؤيـة             (la vision) والتمرئي (la visibilité)،مما يجعل إدراك المعاني ذا طابع شمولي.

4) إن التواصل والإشهار يراهنان على المتلقي البصري الذي يكتسب كفايات قراءة الرسالة الأيقونية، وفك رموزها وشفراتها، واستيعاب قواعدها العامة ونحوها بناء على أسس معرفية ونقدية رصينة وممنهجة. فإلى جانب القدرة على مقاربة التكامل بين المحتوى الأيقوني والمحتوى اللساني، يمتلك المثقف البصري كل إمكانيات إدراك الجانب التقني ذي الصلة العضوية بآليات التواصل والإشهار.

5)اقتران وظيفة التواصل ( كما حدد ذلك الباحث إلي فور2) بنقل صور قسم من العالم إلى قسم آخر منه، ذلك أن البعدين التداولي والجمالي هما اللذان يحكمان صناعة الصورة منذ فترة ما قبل التاريخ إلى عصرنا الحالي. فالصورة هي نواة كل خطاب إقناعي، كما أبرز ذلك الباحث آلان، وهي، أيضا، استشراف لنافذة مشرعة على العالم1. يصنف ريجيس دوبري هذا المستوى في إطار الوظيفة السحرية للصورة، ومدى تشاكل مصطلحها الفرنسي مع القرينة اللغوية لمصطلح السحر (magie /image).

6) اقتران حالة التلقي، أو لذة القراءة بتعبير رولان بارت بإعادة تركيب الإرسالية البصرية من لدن المتلقي (إدراك وإعادة إنتاج الصورة) 2. فقد ذهب الباحث مولز إلى اعتبار القراءة المؤسّّسة والمؤسّّسة نظاما بيداغوجيا للأيقونة. فهي سيرورة تأويلية للمعنى تعتمد على المهارة والإتقان، لا مجرد ترجمة لفظية للمكون الأيقوني; إنها سيرورة تنبني على كون التواصل والإشهار هما نتاج ثقافة وحضارة عبر تاريخ الإنسانية، وكل قراءة لآلياتهما البلاغية والإبلاغية، تفترض الوعي العضوي بالعناصر المشكلة لهذه الثقافة والحضارة.

إن السؤالين المركزيين اللذين يحكمان مسارات هذه الأطروحة هما:

1) ما هو الثابت والمتحول في منعطفات التواصل والإشهار في عصر الصورة ؟

2) ماهي الحلقات الغائبة في مقاربة ريجيس دوبري لحياة الصورة وموتها في علاقتها التفاعلية مع التواصل والإشهار؟

تمثل المنعطفات التاريخية والاستراتيجية، بتعبير الناقد الجمالي أندري مالرو، متحف المتخيل ((musée imaginaire3، الذي يرصد تاريخ الإنسان وفلسفته الجمالية، واختياراته البصرية. فهذا التاريخ الأسلوبي والموضوعاتي هو الذي يمكن الباحث من تمثل بنيات معرفية محددة عن عالم الإدراك البصري لمجموع الأسندة التواصلية القديمة منها والحديثة، والتي ظلت تشكل محور الوحدات الاجتماعية الكبرى.

لقد سبق للناقد أندري مالرو، أن أظهر بدقة كيف منحت وسائل الاتصال السريعة وانتشار الأعمال الرائعة للثقافة عبر طرق التصوير والطباعة والتصوير السينمائي، وعبر الكتب والإنتاج الملون وعبر الأسطوانات ووسائل الاتصال الجماهيري والطباعة نفسها، وجها عالميا للثقافات. كما أتاحت العرض العام للموضوعات وللأيقونات وللصور، في متحف متخيل معمم على كل التظاهرات الثقافية. يقول جيلبير دوران : »هو ذا المجتمع نفسه يقترح علينا وسائل إعادة التوازن : قدرة وواجب تشجيع الفعالية الثقافية«  1.

إن تاريخ البشرية يرصد جماليات التواصل الإبداعي في إطار الثقافة البصرية الكونية، مبرزا التقاطعات والتباينات الخلافية بين الشعوب والحضارات، و من هنا اعتمدت المقاربة الوسائطية لريجيس دوبري التوليفية التي تنطلق من المستويات الآتية :

  • المنهج التاريخي الذي يستمد أسسه العلمية من الأنثربولوجيا الاجتماعية والأركيولوجيا والنقد المقارن والإيقونولوجيا (علم التصوير البصري).
  • اللسانيات، وعلم الدلالة البنيوية والأسلوبية لسبر مضامين وخلفيات الرسائل الأيقونية، باعتبارها مدركات بصرية تحدد معالم العالم، وتنهض على الوظيفة الإبلاغية والترويجية.
  • التحليل النفسي للخطاب البصري الذي يعد مقاربة تأويلية لمحفزات الإعداد والإنجاز، ولخلفيات الوعي واللاوعي المتحكمة في إنتاج الرسائل التواصلية والإشهارية (سيكولوجيا الأشكال وعلم نفس الأعماق).
  • مبادئ التحليل الجدلي الذي يبرز أهمية علاقات الإنتاج، ونمط الإنتاج، والفاعل المادي في تشكيل الوعي الإنساني. تشكل الجمالية التواصلية والإشهارية معادلا موضوعيا للعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون والرؤية، انسجاما مع قول لوي ألتوسير:» المعرفة إنتاج« . إن هذه الإنتاجية هي التي أخصبت إسهامات ما يسمى بتيار ” الإيديولوجيين” الذين عمقوا مفهومي ” سوسيولوجيا القراءة” و ” القراءة الكشفية“، بناء على فكرة ” الأجهزة الإيديولوجية للدولة” التي يعني بها مجموع الآليات التي تعتمدها السلطة لإدماج الأفراد والجماعات (الأدوات الرمزية) 2 .
  • إنتاج مراقي التواصل الإشهاري عبر تاريخ النظر بوصفه مادة أولية لتأمل مجموع التعابير الأيقونية، ورصد أبرز معالمها الحضارية وآليات اشتغالها (الصورة مجموعة من السنن). فالعلوم المذكورة التي اعتبرها ريجيس دوبري سنده المرجعي لفك بعض مستويات الصورة والتواصل البصري، بمثابة بؤرة لتفاعل مختلف المقاربات التحليلية والأنظمة التأويلية.

لا أدعي في هذا المؤلف الشمولية، لأن مجاله الموضوعاتي مازال حديثا وبكرا من جهة، ولأن المقاربة الوسائطية أسعفتني على الأقل، في إنجاز حفر أولي متعدد المقاربات للموضوع من جهة أخرى.

إن الأسئلة التي أطرحها في هذا المؤلف تتقصى موقع التواصل والإشهار في عصر الصورة، منذ فترة ما قبل التاريخ إلى وقتنا الراهن. كما أن الاهتمام ببعض القضايا الإشكالية في مجالي التواصل والإشهار (المقدس، والمدنس، والتقرير، والإيحاء، والتجريد، والتشخيص، والهوية، والاختلاف، والعولمة، والحداثة البصرية)، يتوخى رصد تطورات جماليات واستراتيجيات هذين المجالين المتلازمين، واستقراء آلياتهما البلاغية والتبليغية التي شكلت موضوعا محوريا بالنسبة لتاريخ الترويج والإعلان، تبعا لتطورات ممارسات الإنسان التواصلية والاتصالية.

في هذا السياق، يقارب هذا المؤلف من خلال أبوابه الأربعة بعض التجارب الحضارية العريقة والرائدة (العهد القديم، والعصر الوسيط، وعصر النهضة، والعهد الحديث، والعهد المعاصر)، معتبرا متنها الفني الجمالي ذريعة لمساءلة بعض معالم تجربتها الإيقونوغرافية، بكل أبعادها التقنية (المادة، و السند، و الفضاء، و اللون، والشكل)، والفكرية (الرؤية والمتخيل).

لقد تبين لي من خلال الحلقات التكوينية لوحدة ” الخطاب الإشهاري وتقنيات الإعلان” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، بأن العمل التواصلي والإشهاري مجال للنظر وللتأمل الفكري وللجمالية التأويلية، التي تفترض بالأساس قارئا متبصرا يساهم في بناء معاني أثره الفني ووقعه التداولي.

فالتواصل والإشهار البصريان يستندان على تقاليد ثقافية، وجمالية راسخة في القدم. وقد ظلا يعتبران الصورة جزءا لا يتجزأ من السلطة، وآليات سيادتها وديماغوجيتها، إلا أن التراكمات الحاصلة في المشهد البصري المعاصر بمختلف أصنافها (السينما، والتلفزة، والإشهار، والصورة الفوتوغرافية، والتشكيل، والديزاين…) لم تنتج بالموازاة معها ثقافة بصرية محايثة رغم حضورها المهيمن في الحياة اليومية للإنسان المعاصر.

في هذا السياق المعرفي، ناقشت بعض القضايا المرتبطة بتاريخ الصورة عند العرب والغرب، وموقعها الرمزي في بنية وعي الإنسان ولا وعيه، وفي أنظمة تمثلا ت وجوده الاجتماعي والثقافي طارحا الأسئلة الآتية :

  • هل بالفعل تفتقد الشعوب الإسلامية لتقاليد ثقافية بصرية ؟
  • ماهو الوضع الاعتباري للصورة في الإسلام بالمقارنة مع الديانات السماوية الأخرى ؟
  • ما هي عوائق وحوافز الحداثة البصرية المتعلقة بالتواصل والإشهار؟
  • ما هي أبرز إرهاصات التحرير والانفتاح، التي طالت الثقافة العربية الإسلامية عموما، والثقافة الصوفية خصوصا من منظور ابن عربي للصورة ؟
  • ماذا عن المنظور الصوفي الذي انبنى على عدة مستويات علائقية، همت القول و اللغة، و الأصل، و الوجود، و النفس، و الشكل، و الخط، و الرسم. في هذا المقام، طرحت مع الباحث شربل داغر1 الأسئلة الآتية : كيف للخلق، حسب لغة المتصوفة، أن يصف ويعين “الحق” نفسه ؟ كيف للشاهد أن يعين الغائب؟ كيف للتجسيم والتشبيه أن يعينا التنزيه، أو ” تجريد التوحيد“، كما تقول عبارة ابن عربي الدالة والدقيقة؟
  • ما هي خلفيات التمييز والمفاضلة بين المكتوب والصورة، التي بموجبها يتقلد التواصل الكتابي قمة الفضاء الثقافي العربي الإسلامي؟
  • كيف تعاملت النخبة المثقفة العربية الإسلامية مع التواصلين البصري والإشهاري، ومع وسائطهما التقنية، ومقاصدهما المباشرة وغير المباشرة؟
  • إلى أي حد تم الاستثمار الثقافي في مجال التواصلين البصري والإشهاري، في بعديهما الرمزي والمادي قصد اقتحام عصر الصورة، بدل العيش على هامشه؟
  • ماذا عن العلاقة القائمة بين الثقافي والبصري للحفاظ على الذاكرة الفنية، وصيانة
  • البصر، والصورة باتجاه الذات، وباتجاه الآخر؟

ينطلق، إذن، موضوع هذه الأطروحة من كون التفكير في الصورة أصبح اليوم ضرورة ملحة، وممارسة ثقافية فرضت ذاتها في الحقل الثقافي الدولي، حيث تعتبر في مقدمة الوسائط التعبيرية الحيوية في التواصل والإشهار.

ونظرا لهذه الخصوصية الشمولية يجد الباحث نفسه أمام ضرورة مزدوجة:

  • تدارك الهامشية التي تعاني منها الفنون البصرية في ذاكرة التواصل والإشهار؟
  • تدارك ندرة البحوث العلمية، والأكاديمية الرصينة في هذا المجال (أخص بالذكر

البحوث السوسيولوجية، والأنثربولوجية، والجمالية، والسيميولوجية)، ذلك أن استراتيجيات التواصل والإشهار في عصر الصورة مازال مشروعا مؤجلا لم يحسم بعد هذه المفارقة : تجذر التواصل البصري في الواقع، وغيابه الجزئي في الخطاب الفكري والعلمي. فأمام قلة الإسهامات التاريخية، والأركيولوجية في هذا الباب، وندرة الكتابات المرجعية يصعب على الباحث بناء تصور متكامل، والخوض في كل المباحث الفنية، والعلمية، والتاريخية، التي حررت إنتاج الوسائط التواصلية والإشهارية من كل معيارية تصنيفية، ونمطية.

في هذا الصدد، تمكن المقاربة الوسائطية المنتهجة من مساءلة الاشتغال الخصوصي على ذاكرة ومتخيل تواصل وإشهار بعض النماذج الحضارية في ضوء وجودها التاريخي، ومتخيلها الذهني العام، خاصة تلك التي غيبها الباحث ريجيس دوبري في تأصيله لمباحث الصورة عبر التاريخ (حضارات بلاد الرافدين، والإرث الفارسي، والإرث الأترسكاني، والإرث الإسلامي والصوفي نموذجا).

إن التواصلين البصري والإشهاري ليسا وحدة منسجمة وموحدة، بل ينهضان في شكل نسق رمزي ومادي من التجارب، والخصوصيات، والرؤى، والجماليات الفنية، الأمر الذي يقتضي استدعاء مختلف الأصول، والروافد التاريخية بدون استثناء، ودون التقيد بالمركزية الغربية ذات المرجعية الإغريقية، والرومانية، والمسيحية.

بعيدا عن كل انطباعية وصفية، حاولت التأريخ لأبرز ثوابت ومتغيرات الثقافة البصرية المتعلقة بالتواصل والإشهار دون السقوط في خلل المعايير التقييمية، وسيادة الأحكام المختزلة.

إن البنيات الأيقونية التي رصدتها بالوصف والتأويل لاتنفصل عن بنية المتخيل الذهني، التي تشكل بؤرة تصوراتنا للحياة وللعالم. فهي تمثل العصب المحوري لتداخل المقدس والدنيوي، ولتشاكل المرئي واللامرئي (الاستعارات التي يحيا بها الإنسان).

في ضوء المقاربة الوسائطية، لا يكتسي التواصل البصري والإشهار الفني دلالة قبلية وجاهزة، بل هما تحويل رمزي للواقع بموجب الإدراك، والحس الفردي والجماعي، والتمثل الفكري والثقافي حيث ينعكسان على الأسندة، والأشكال، والخطوط، والمساحات، والألوان، والوحدات المشهدية، والتفضيات البصرية. إنها أعمال مفتوحة بتعبير أمبرتو إيكو1، ومتعددة الدلالات من منظور رولان بارت2 (النص المفتوح، والأسطورة الشخصية للمبدع)، وهي بليغة القراءة بتعبير ميشال شارل3. يساهم المتلقي في عمليات بناء الدلالات، وتدارك قيمة النماذج التواصلية والإشهارية القائمة على المحو، والتضمين، والحذف، والخفاء، والصمت، والفراغ.

لا أدعي في تضاعيف هذه الأطروحة أنني ارتقيت إلى مستوى المتلقي النموذجي (l’archilecteur)، الذي تحدث عنه باسهاب الباحث الأسلوبي ميكائيل ريفاتير4، وأسند له مهمة الاستقراء الموضوعي للمتون النصية. حسبي أني سعيت جاهدا إلى تأمل العلاقة الصوغية التي تقيمها الوسائط التواصلية والإشهارية مع المرئي واللامرئي من خلال مجموع المواد، والمكونات البصرية، مدركا الفرق بين الدلالة (مصادر العمل التواصلي ومستويات إعداده وإنجازه)، باعتبارها إحالة على ذات العمل الفني، والمعنى باعتباره إحالة على ذات المتلقي من الناحية الجمالية.

 من هذه الزاوية الوسائطية، خصصت هذا البحث لروح العمل التواصلي الفني بكل مستوياته الاتصالية والإشهارية، لأنه يرقى بمستوى المرئي الواقعي (نثري مبتذل بتعبير هيغل)، مراهنا على نشاط التأويل البصري (العلاقة التفاعلية بين العمل التواصلي، وإدراك المتلقي المشاهد).

هكذا، يتراجع مدلول الرسالة (message) بمحتواها الدوغمائي، الذي اقترن بالنظريات اللسانية، وبمقولات التواصل في صيغها المتداولة؛ ليفسح المجال لمفهوم التأويل بوصفه سيرورة إدراكية تستدعي كل المعارف القمينة بمقاربة المعاني الممكنة، والمحتملة للمنجز البصري قيد التلقي.

بقي أن أشير إلى أن النماذج الأيقونية، موضوع مقاربتي الوسائطية، تتجاوز التقنين المفاهيمي للتشخيص، وللتجريد، وللرسالة، وللدلالة. كما أنها تعتبر الوعي بالخصوصية وعيا عضويا ومركبا، يستلزم التفاعل بين الذات والآخر، والهنا والآن، والماضي والحاضر. وهي قيمة جدلية تتأسس على ثقافة الاختلاف، والنقد المزدوج انطلاقا من منظور فني وتاريخي يمتح فلسفته من الهوية الكونية لا الوحشية 1 .

فإذا كان تاريخ النظر والتلقي (المرصد الحي للعمل الفني) يرى إلى العمل الإبداعي باعتباره ظاهرة عالمية؛ فإن التواصل البشري والإشهار ظلا حلقتين ملازمتين للمجتمع وللثقافة، ومتجذرتين في المخيلة الإنسانية عبر الأسندة، والمواد، وطرائق التعبير الجمالي، والرؤى للعالم، والرهانات الترويجية، كما حاولت إبراز ذلك في تضاعيف هذا البحث.

في هذا السياق، يمكن الحديث مع المفكرين آسا بريغز، وبيتر بورك عن الثورة التي حدثت في مجال الاتصالات، والمعلومات، والوسائط، بوصفها المعيار الحقيقي لتقدم العالم المعاصر1، ولسلطة العالم الافتراضي (virtuel) الذي يسائل الراهن، ويعيد النظر في المفهوم التقليدي للتجديد والهوية، ويقحم الممكن ” داخل” القائمة2.

وأنا أخوض غمار البحث الوسائطي خلصت إلى أن الحياة المعاصرة بكل تمثلاتها المادية، والرمزية لا يمكن تصورها من دون الصور ذات السلطة التعبيرية المهيمنة، والسيولة التداولية شأنها في ذلك شأن حياة كل المجتمعات البشرية القديمة منها والحديثة. فالإنسان المعاصر يعيش، بالقوة وبالفعل، عصر الصورة، كما أكد ذلك آبل جانس عام 1926م، ويتفاعل مع حضارة الصورة بتعبير الناقد الفرنسي رولان بارت بعد ذلك3. ألم يسبق للفيلسوف أرسطو أن قال: » إن التفكير مستحيل من دون صور«. كما سبق للمفكر نسيفور الباتريارش أن أكد : »إذا ما نحن حذفنا الصورة، فلن ينمحي المسيح وحده، بل معه الكون بكامله« 4.

إن هذا الحضور المهيمن للصورة في التواصل والإشهار المعاصرين هو الذي يؤسس للنسق البصري الراهن، ويجعل الباحث في الذاكرة التاريخية يدرك خارج كل نظرة استشراقية بأن التواصل عبر الصورة في الشرق انصب حول الدليل والمفهوم والإشارة، فيما تمحور التواصل عبر الصورة في الغرب حول التشخيص والتجسيم والتعيين إلى حد الغواية وتدنيس المقدس، ومحاكاته الساخرة(parodie). فإلى جانب هاجسي التأريخي الذي تحكم في المنطلقات التأصيلية الجديدة المتضمنة في هذا المؤلف، حاولت أن أتدارك بعض الخصاص الذي تعاني منه الساحة البصرية العربية الإسلامية في حقل البحوث والدراسات العلمية، وذلك عن طريق تبنى المقاربة الوسائطية التي تستدعي، في منطلقاتها المنهجية، كل النظريات الحديثة التي أغنت العلوم الإنسانية (علم الجمال، وفلسفة اللغة، وتاريخ الفن، والنقد الفني، والسيميائيات، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، وعلم السرديات، والأسلوبية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، ونظريات الاتصال…)، والتي واكبت، بشكل حثيث، المنعطفات الأسلوبية للتواصل والإشهار في ضوء الوسائط البصرية خاصة المتداولة في أوروبا، وأمريكا، واليابان.

 هكذا، كان اختياري وسائطيا في أساسه، حيث قدمت لهذه الدراسة بمدخل نظري يتوزع على مسارات المقاربة الوسائطية وأركيولوجيا العين، وذلك قصد تأطير معالجة استراتيجيات التواصل والإشهار بعيدا عن كل نزعة انطباعية شخصية. استعرضت في هذا المدخل العام أبرز دعائم البحث الوسائطي وآلياته على مستوى إنتاج وتلقي المعطيات البصرية، وكذا على مستوى إدراك التمثلات والإيحاءات في أبعادها التواصلية والإشهارية المتعددة والمتباينة. فالبحث الوسائطي أول طرح نظري أرخ للعصور الوسائطية الثلاثة (عصر الخطاب، وعصر الكتابة، وعصر الشاشة)، ولتاريخ النظر بكثير من الدقة والتفصيل، معتمدا على منطلقات معرفية ومنهجية مختلفة سواء في الجانب الوصفي للوقائع، أو في الجانب التفسيري للتركيبات الرمزية، إذ تكمن قوة الطرح الوسائطي في طابعه العام والمفتوح الذي منحه كفاية تأويلية رصينة.

 مكنني هذا المدخل النظري العام من تأطير المقاربة المنهجية للموضوع الذي يعد مغامرة غير مأمونة العواقب لقلة المعطيات الإجرائية التي يمكن أن تسند البحث المعمق في مداراته المتشعبة.

 بعد بسط الخلفية الفلسفية والنقدية للمقاربة الوسائطية، وعرض خطوطها العامة، تناولت في الباب الأول المعنون ب ” أركيولوجيا التواصل والإشهار من فترة ما قبل التاريخ إلى العهد القديم” عدة قضايا تهم الإرهاصات الأولية للتواصل البصري والمكتوب، والتي ارتهنت بفترة ما قبل التاريخ وبإرث حضارات بلاد الرافدين والمصريين القدامى. تؤكد كل هذه الإرهاصات الجنينية بأن الاشتغال التواصلي في الأثر البصري والغرافيكي لا يقف عند حدود توظيف الأشكال الأيقونية فقط، بل يتجاوزها إلى استثمار الإمكانات التعبيرية للغة المكتوبة بكل مجالاتها البلاغية والإبلاغية.

على هذا المستوى، استعرضت في الفصل الثاني من هذا الباب الموسوم ب        ” التواصل البصري والكتابي : بنيات التأسيس وإبدالاتها” بعض العلامات البصرية المقترنة بالحضارات الاغريقية، والفارسية، والأترسكانية، والرومانسية، إيمانا مني بأن التواصل البشري المقترن بالكتابة ليس تمثيلا للغة في مظهرها البصري، بل آلية ترى في الشكل البصري للتواصلين اللغوي وغير اللغوي قرائن تعبيرية مستقلة وجديرة بالتناول في ضوء القراءات التحليلة والتأويلية المتعددة للطرح الوسائطي. فالحضارات المذكورة قدمت مداخل معرفية لا محيد عنها لتأويل استراتيجيات التواصل والإعلان الإشهاري انطلاقا من صيغها الأسلوبية، ومحمولاتها ذات المقصديات المتعددة (بلاغة التواصل وجماليته، وهاجس الانتشار، وهاجس الموت، وهاجس العظمة)،إذ ظل التواصل في أبعاده المقدسة والمدنسة حركة بانية للأشكال الفنية التي بصمت الذاكرة البصرية الإنسانية كبنية ومتخيل ورؤية، منطلقا من اعتبار التعبيرات الجمالية فعالية تواصلية أثرت في عوالم النماذج البصرية التي اخترقت أقانيم الزمان والفضاء.

1 – Bertrand Russel, Histoire de la philosophie occidentale, éditions Gallimard-Idées, Paris, 2002.

2 – Voir :

  Louise Merzeau, recherches médiologiques : www.merzeau.net

  François-Bernard Huyghe, recherches médiologiques : www.huyghe. fr

1 -ريجيس دوبري، محاضرات في علم الإعلام العام، ترجمة د. فؤاد شاهين ود. جورجيت، منشورات دار الطليعة، لبنان، الطبعة الأولى 1996، ص 12.

2 -Régis Debray, Cours de médiologie générale, éditions Gallimard-Idées, Paris,1991.

3– Régis Debray, Vie et Mort de l’Image , éditions Gallimard, Paris, 1992.

1 – الدكتور شاكر عبد الحميد، عصر الصورة، السلبيات والإيجابيات، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير 2005 ، ص ص 43-53.

2 – Elie Faure, l’Esprit des formes, éditions Plon, Paris, 1960, p 20.

1 – Alain, Vingt Leçons sur les Beaux Arts, éditions Gallimard, Paris, 1965, p 50.

2 – Roland Barthes, Le plaisir du texte, éditions Gallimard, Paris, 1973.

   Roland Barthes, Critique et Vérité, éditions Seuil, Paris, 1966, p79.

3 – André Malraux, Le Musée imaginaire, éditions Gallimard, Paris, 1956.

1 – جيلبير دوران، الخيال الرمزي، ترجمة علي المصري، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى

   1991، ص 121.

2 -Louis Althusser, Positions, éditions Sociales, Paris, 1976, p 82.

 1 – شربل داغر، اللغة بديلا عن الوجود، والخط بوصفه رسما، علامات، مكناس، العدد 26، 2006، ص 27.

1 – Umberto Eco, La structure absente, Introduction à la recherche sémiotique, traduit par Myriem

  Bouzaher, éditions Mercure de France, Paris, 1972.

2– Roland Barthes, Rhétorique de l’image, In Communications, n°4, Seuil, Paris, novembre 1964.

  Roland Barthes, Essais critiques, éditions Seuil, Paris, 1971.

3– Michel Charles, Rhétorique de la lecture, Coll.Poétique, éditions Seuil, Paris, 1977.

4 – ميكائيل ريفاتير، معايير تحليل الأسلوب، ترجمة وتقديم د.حميد لحمدني، منشورات دراسات، الدار البيضاء 1993، ص 16.

1 – عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، ترجمة جماعية، منشورات عكاظ، الرباط، الطبعة الأولى 2000، ص 40 .

1 – آسا بريغز وبيتر بورك، التاريخ الاجتماعي للوسائط ، ت محمد قاسم، عالم المعرفة،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، عدد 318 ، ماي 2005، ص 7.

2– عبد السلام بنعبد العالي، في الانفصال، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2008 ، ص 58.

3– الدكتور شاكر عبد الحميد، عصر الصورة، السلبيات والإيجابيات، ص 7.

4 – ريجيس دوبري، حياة الصورة وموتها، ترجمة فريد الزاهي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2002، ص 58.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *