الفنان التشكيلي الراحل حسن الشيخ :تجربة حياة
“يهدف الفن إلى خلق عالم أكثر إنسانية مواز للعالم الحقيقى”.أندريه موروا
بألوان فطرية طريَّة، وبأسلوب صباغي متنوِّع يزاوج بين التصويرية الغرائبية والتشخيصية المجازية والرمزية ترك الفنان التشكيلي الراحل حسن الشيخ زاداً بصريّاً غنيّاً حشد فيه تجربة حياة فريدة مليئة بالحنين والشجن ظل من خلالها وفيّاً لعلاقته بذاكرة المكان والجسد، كما تنطق بذلك مشاهداته ومدوَّناته المرئية التي كان يراها بالعين والبصيرة في آن…
كان الراحل الفنان حسن في جلِّ إبداعاته الصباغية مسكوناً بالتخييل والحس العجائبي الذي سافر به بعيداً نحو سماوات نقية وطاهرة عديدة رسمت خرائط أسفاره وترحلاته الذهنية، وبَدَا في أكثر من تجربة مثل ناسك زاهد مشغولاً بعوالمه الصوفية المدهشة. بذلك تضمَّنت لوحاته ورسوماته التعبيرية مواضيع مستمدة من موحيات شعبية ومن خبرة إنسانية وافية لم تنفصل عن تراثه الثقافي والعقائدي وظلت بالتالي تستجيب لتداعيات الفكر والعين والرُّوح…
من عمق هذا المنحى التعبيري، وبصيغ سردية قائمة على التورية والإلغاز، أبدع الفنان حسن لوحات وتصاوير كثيرة تحيا بداخلها شخوص وكائنات ميثية تتبادل الأدوار والمواقع وتفتح حوارات جدلية تثير لدى المتلقي الشعور بالحيرة والدهشة الممزوجة بالتغريب والتعجيب. كائنات مرسومة ومصبوغة بمزاج واسع مصدره رُوح شعبية وأساس خيالي ينمو ويتسع داخل لوحات غرائبية تبدو للوهلة الأولى مثل جداريات كاتدرائية وفسيفسات من العصور القديمة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، بل هي مشاهد ومرائي ملوَّنة يحكيها لنا الفنان بلغة وجدانية وطيفية قائمة على الإدهاش وقد حشد فيها أكثر من قصة وأكثر من موضوع، ليزداد هذا الإدهاش ويكبر بوجود مفردات وزوائد زخرفية مكثفة ودقيقة محاطة بكتابات تعزيمية ورموز طلسمية تؤسر اللوحات مانحة بذلك للمتلقي إمكانات مفتوحة على تعدُّد التأويلات والقراءات البصرية…
في هذه اللوحات تتعايش كائنات كثيرة وتتحرَّك على خطى طقوس الكهنة والسحرة وأرباب الموسيقى الكَناوية التي تملأ المكان بأنغام وترانيم ودندنات تبدأ بالخفوت لتتصاعد تدريجيّاً وتصير أهازيج تتراقص على إيقاعها مخلوقات مخيفة ومرعبة في هيئة عفاريت آتية من زمان غير زماننا…
إنه، بلا شك، عالم ميتافيزيقي واسع من الغموض المثير والمدهش الذي يحيط فنه وإبداعه انسجاماً مع قول الفنان غوستاف كليمت: “كل الفن مثير”. هذا الغموض لا نجده في المواضيع المطروقة فحسب، بل نراه يمتد داخل الأسلوب التعبيري والتلويني الذي تبنَّاه الفنان بحسٍّ جمالي ذاتي قائم على النمنمة والاختزال وتبسيط النماذج المرسومة.
ورغم أن “الفن يجب أن يفاجئ الواقع”، بحسب رأي الأديبة فرانسواز ساجان ، فإن التصوير الذي تركه الرسام حسن تجاوز عنصر المفاجأة، إذ صار واقعاً آخر، مغايراً، مختلفاً جمع فيه سرديات كثيرة مخبوءة ومحجوبة خلف عوالم جوَّانية تتطلب سبيلاً ملكيّاً لفك سرائرها وطلاسمها… هي، بلا شك، سرديات ومحكيات بصرية ليست كمثيلاتها تتسربل فيها الأكف والأعين والوجوه والشخوص والثعابين، بجانب زواحف وحيوانات غريبة معلقة ومحاطة بحشوات تزيينية تشكل المساحات الخارجية التي تظهر على جنبات بوابات قديمة مزيَّنة على منوال الزجاج المعشق المنتشر في المساجد والكنائس والقصور…
يحيلنا السياق الإنشائي العام لهذه التجربة الصباغية الصادقة على البواطن الفنية والخيال المجنَّح للفنان حسن الذي يستمد بعض خصائصه التعبيرية من فن الغروتيسك في صلته الأولى بالتصاوير العجائبية التي تحيلنا على الرسوم البدائية التي أبدعها الرسام جيروم بوش، وذلك ضمن علاقة جمالية وشيجة أساسها الصدقية الإبداعية التي تنطلق من الداخل نحو الخارج مجسَّدة بذلك وفاء الفنان لفكره وتصوُّره الذاتي للأشياء المحيطة به كما يشعر بها ويتأثر بها.

هو ذا أفق الفنان بأبعاده التعبيرية والرمزية التي نجد صداها في الأساطير القديمة والمسرودات الشعبية التي تترحَّل شفاهيّاً عبر الألسن وعبر الثقافات والحضارات بأحداث وأبطال خرافيين وغير طبيعيين. لقد سجلت الأيام الأخيرة من حياة الفنان حسن الشيخ تحوُّلاً نوعيّاً في الأسلوب الفني الذي لازمه طويلاً وعاد قويّاً إلى تجربة السواد والرسم بواسطة أقلام الفحم واللباد والحبر، حيث ظهرت لوحاته مفعمة ببورتريهات شاردة ومتأمِّلة مصاغة بكثافة الخطوط، إلى جانب رسم مشاهد متخيَّلة تتعانق فيها الأجساد والأطياف البشرية وتتشابك وبدت -اللوحات- في أكثر من مرة مثل محفورات وأعمال ليثوغرافية شديدة التعبير والترميز عكست حجم معاناته وصراعه مع المرض بقدر صبره وتحمُّله وانتصاره لفنه وإبداعه طيلة سنوات ممتدة من الصباغة والتصوير…

هكذا، وبحسرة لا توصف، غادرنا المبدع حسن الشيخ، لكنه بالتأكيد لن يفارقنا، إذ سيظل حاضراً معنا في الفن والحياة أخاً عزيزاً وصديقاً ودوداً قليل الكلام، غزير الإنتاج، وفيّاً، نقيّاً، طاهراً، طيِّباً، مخلصاً، كما عرفناه… لروحه السلام…

