احتفاء بذاكرة الفنان التشكيلي الراحل حسن الشيخ
جمالية المحكي الشعبي وبلاغته
ها قد حلت في غضون هذا الشهر الجاري الذكرى السابعة لرحيل الفنان التشكيلي والفاعل الجمعوي حسن الشيخ ( 1966 -2019) صاحب تجربة بصرية فريدة في الحركة التشكيلية بالمغرب خاصة في بعدها العجائبي. لهذا المبدع مراس عصامي عنيد لا يعرف الملل و الاستكانة، يشده من لوحة تركيبية إلى أخرى بعين الراوي الذي يجدد عتبات محكياته الشعبية الشيقة في المكان و الزمان.

يتوفر هذا الفنان، خريج مدرسة الحياة في أحضان الصويرة، على نفس تشكيلي جامح، لأن العين التي يرى بها مرآة قلبه و وجدانه. مبدع بالموهبة و الطبيعة، هو حسن الشيخ. التشكيل البصري (من لوحاته الواقعية الأولى ذات المنزع التشخيصي و التقنيات المختلفة إلى لوحاته الراهنة التي تحتفي بالقدسي و الدنيوي في الثقافة الشعبية) مجال محكياته المجازية و شهادة ميلاده الاعتبارية.
عندما تسأله عن مهبط إلهامه، يجيبك على التو : “المتخيل الشعبي بكل مروياته المكتوبة والشفهية”. إنه يدرك جيدا بأن أبواب الرؤيا تنفتح كلما انغلقت أبواب الرؤية. هاهنا، لا مجال للعبارة و للإيحاء المباشر. فالمتلقي البصري لأعماله التشكيلية الحكائية مطالب بإتقان فن التأويل و فك الشفرات المرسومة بعناية و حس فطريين. للإشارة ، هناك تنسيق مكثف مع أقرباء الفنان و أصدقائه لإحياء ذكراه السنوية بمناسبة افتتاح ساحة الفنانين بالصويرة المجاورة لباب دكالة ، وتفعيل مؤسسته و متحفه ، وكذا لتنظيم معرضه الاستيعادي ، وتوقيع الديوان الشعري الذي أوحت به قريحة الناقد شقيق الفنان عبد الله الشيخ” بحرنا الجامح” إلى جانب الإشراف على جائزته الخاصة بالفنانين العصاميين المحليين ، وإقامة ندوة فكرية حول موضوع ” الإبداع والعصامية ” بمشاركة باحثين و نقاد من داخل المغرب و خارجه ومن تنسيق الناقد الفني والمبدع التشكيلي الحيسن ابراهيم .

في حضرة اللوحة الغرائبية
أحب تجد ! أرسم تكن !
هذا هو شعارك الأبدي يا أخي حسن، أو بالأحرى حسونة كما كانت تدللك أمنا الراحلة للاسعدية. غادرتنا ليلة أحد عقيمة في لمحة بصر كبصيص ضوء هارب بعد أن زارك تباعا لفيف من أقربائك ورفاق دربك ومريدي رسمك. أشهد أنك قاومت مرض سرطان الرئة وهو في ذروة مده حتى آخر رمق بعنادك الطفولي ومجاهدتك الصوفية على طريقة المجاذيب الكناويين وأنت واحد من طينتهم…
قضينا معا سنة كاملة بالدار البيضاء نتبادل على مداها مواقع الظل والنور في صمت رهيب، ونصارع مأساوية القدر المباغت داخل المراكز الطبية المتخصصة، وكلنا أمل في أن يستعيد جسدك المكابر نبض قوته وبهاء عنفوانه… لكن خيبة أملنا تتسع كلما صعقتنا نتائج العلاجات الكيميائية، ويتسع معها شقاء رحلة الشتاء و الصيف… كان ملاذنا الأخير هو الإيمان بالمستحيل، و الانكباب على الحياة في أدق تفاصيلها ولحظاتها الآنية… لم تسعفك إلا مواساة الأطباء الإنسانيين (الدكتور الرضائي، الدكتور بن منصور، الدكتور كريم، الدكتور الأندلسي، الدكتورة البرغوتي… وآخرين)… لم تسعفك إلا إشراقات اللونين الأسود والأبيض، وتراتيل البحر بنواريسه التي احتضنت ألم عزلتك ووحشية خلوتك… كنت ترافق الصيادين في بحثهم عن المجهول ،وتستحضر معهم رواية الشيخ والبحر.

أخي حسن، كل الذين ساهموا في كتابك التذكاري الذي طالما أجلت نشره أملا في العلاج المفاجئ، وكم طالما حلمت بقراءة نصوصه في عز حياتك، كلهم يقرون بارتباطك الكينوني بالتشكيل وبفضائه الصويري حتى النخاع. كل لوحة جادت بها مخيلتك مسكن كلامك وصمتك معا. إيقاع روحك النابض بالحياة وبالجذور. سجلات أسرارك الذاتية والغيرية المنذورة للمسكوت عنه وللمجهول. كل لوحة بحر بلا ضفاف ينشد معزوفة المصير والقدر. على أرض لوحاتك ينكتب المخفي والملتبس، أي بكل بساطة الحقيقي والخاص والباطن الشفيف.
جعلت من التشكيل ضرورة وجودية، واختيارا إبداعيا، أنت الذي زاولت الفن المسرحي تحت إشراف الفاعل الجمعوي مصطفى الكودلي، وتمرست على العزف الكناوي صحبة خليلك محمد صعيد وفي حضرة خلوتك بمحترف “الجريفات”، مسقط الطفولة التي لا تشيخ.
نهلت من أعماق ذاكرة الصويرة السحيقة، ومن بواطن الدراويش والشرفاء السرية. بالأبيض والأسود وفيهما قاومت عتمة المرض الصامت ، وبحثت عن وميض الشفاء حتى في أقصى لحظات النزيف، والاختناق، وفقر الدم، وضعف المناعة ، وانهيار الأعصاب، وتوالي الضغط النفسي…
أخي حسن، كل الذين ساهموا في كتابك التذكاري أجمعوا على فرادة وأصالة لوحاتك التعبيرية التي تسكن الوجدان قبل الفكر، وتعلمنا درس التشبث بالحياة حتى في لحظة الاحتضار الأخيرة… رحلت باسما ولم تغمض عينيك… فلوحاتك كائنات حية لا تعرف أبجدية الموت والفقدان واليتم… لوحاتك عوالم لا نهائية تستمد كيانها من التجربة الحياتية لا من المعرفة الذهنية… عوالم مهووسة بأسئلة الذات والواقع معا… مؤطرها الدلالي هو مقاومة النسيان بالتذكر، ومقاومة المرض الفتاك بالأمل في العيش الكريم والحر… أليس جوهرها هو باطن الذات الكاشف؟
أخي حسن، تعلمت بجوارك معنى أن تكون رفيقا وفيا لشقيق حبيب نهارا وليلا، استحضرت أمومة للاسعدية المثالية ومقاومة الأب سيدي محـمد السرية تحت لواء منظمة الهلال الأسود، وابتسمت على صورة سيزيف في وجه هذا القدر الذي استدرجك لمحاولة الانتحار على غرار الحوري الحسين وخليل الحاوي وإرنست هيمنغواي وفان غوغ و آخرين. لكنك قاومت، وقاومت، وقاومت، وقاومت… آه يا قاومت ! تعلمت في حضرتك كيف تداعب الروح روحها وتناجي سريرتها… تعلمت أن الإخلاص في العيش المشترك هو الوجه الآخر للإخلاص في الإبداع الملتزم، أن البساطة هي العمق، وأن المقاومة هي الوجود. بكرامة الحياة تكون ذواتنا، وبالإبداع نؤكد كينونتنا. عندما سألتك ذات ليلة بيضاء: كيف تتمثل عالم اللوحة التي احتضنت آلامك وآمالك وأحلامك؟ فكان الرد سريعا كخفقة قلب: “اللوحة مثل البحر زادها هو الموج والزبد. الفن هو بلسم الجرح الداخلي وقد تحول إلى ملحمة أسطورية جماعية”. أحب تجد ! أرسم تكن ! هذا هو نداء شخوص أخينا حسن الشيخ التي تسخر من القدر: نداء سري قادم من أغوار الطفولة ومن مدارات مرجعية تتعالى على رغباتنا وإراداتنا. نداء قلبه الذي لا يخونه كما كان يبوح بذلك في أحلك الظروف وأقساها. البناء البصري والدلالي للوحات باختلاف اتجاهاتها وأساليبها دليل قاطع وساطع على ذلك…

يا له من مسلك وجودي له نبرته الخاصة، إذ يشرفنا أيما تشريف أن نحتفي به في هذه الذكرى العمرية لا الأربعينية. نحتفي به بصيغتي الجمع والمفرد في آن معا، وعبره نحتفي بذواتنا المتعطشة لتخليد متنه الإبداعي البصري والمقروء بلغة الحاضر والمستقبل. مع وفي مسار أخينا الشيخ حسن، ندرك أن الإبداع الحقيقي شبيه بالحب القاسي لا تحده مناسبة ولا يتسع له مقام. معه وبه ، لا نأبه لهواة الرثاء وصيغة كان يا مكان. إن تراث فنانا الأصيل ملك رمزي للإنسانية مفتوح على عدة مداخل قرائية وصيغ احتفالية. فهذا الفنان المكابر ظل مدافعا شرسا على صداقة الإبداع الفني قبل صداقة الجوار الجغرافي، أي على نبل القراءة المتفاعلة مع نبل الشهادة. فعبر هاتين الصداقتين يحق لنا أن نأتمن على وديعة الفنان وعلى تراثه اللامادي مبدعا حقيقيا ، وإنسانا خلوقا، ومربيا راعيا للمواهب الواعدة والصاعدة.
أخي حسن،أنت ضوء أتانا بكل تأكيد من الماضي والآني معا، لكنه سيظل منفتحا على الراهن والآتي. كم نحن في حاجة إلى ضوئك أقصد هذه البؤرة المشعة الروحية و الثقافية في زمن سادت فيه الرؤى الواحدية والتصورات الظلامية. فكما كابدت مرضك القاسي بكبرياء وأناة، باشرت لوحاتك الفنية بجهد جهيد وبصبر لا حد لمقاماته وأحواله. أذكر أن شقيقي الأكبر سعيد التمس منك أثناء إقامتك الاضطرارية بالدار البيضاء توقيع لوحتك الأخيرة بالألوان المهداة للمبدعة والإنسانة لبابة لعلج فرفضت ذلك بدعوى أن العمل لم يستوف عناصره البنائية، وأنك عازم على أن تستكملها في رحاب محترفك الصويري رغم مخاض المرض وجبروته، لكن الموت حال دون ذلك وأبى إلا أن يكون “اللاتوقيع وللاكتمال عنوان الموقف الدرامي”…
كانت أمنيتك طبعا أن لا تنتهي لوحتك على غرار كبار الفنانين المبدعين والشعراء الذين تشبثوا وجوديا بأمنية أن لا تنتهي قصائدهم. ستظل، أخي حسن ، في حضرة الحضور لا في حضرة الغياب. سيظل منجزك الفني الذي كتبته بسليقتك الإبداعية ولاوعيك منسوبا إلى المستقبل لا إلى الماضي…
هذه المناسبة، طبعا، تمجيد رمزي للانهاية وللحياة المتجددة التي تسري في شرايين لوحات المبدع حسن الشيخ… ارتأينا أن لا يسود معجم الرثاء والتأبين فيها، فمبدعنا ليس مجرد ذكرى ماضية، بل مشروع وجداني مستقبلي له القدرة على اختراق الأزمنة إلى ما لا نهاية.
أخي حسن ،أذكر قولك :” ضاقت بي الصويرة وساحة فنانيها… ضاق بي أمل الشفاء … ضاقت بي رحابة البيت”.لكن لوحاتك بطابعها الدلالي وبأسلوبيتها الخاصة لم تضق بك حتى بلونيها الأبيض والأسود، كانت متنفسك الأخير… كانت بحرك الطبيعي الذي رافق سنتك الأخيرة، وشكل علاجك الموازي و البديل… كنت وستظل فنانا وإنسانا استثنائيا سكن البحر ولم يقم على ضفافه… سكن البحر الذي علمه الحكمة كما علمه الفن السخرية… كم رفضت لقب ” فنان الصويرة” أو “الفنان الصويري” وبقيت شاهدا على التاريخ الحاضر بلغتي الواقع والمتخيل معا. كم حاربت العدم بالوجود، والتشاؤم بالتفاؤل، واليأس بالأمل، والموت بالحياة…

شكرا لك ، أخانا حسن، لأننا في ضيافتك اللحظة، ومن سكان لوحاتك التي تتقاطع فيها الذات الفردية مع الذات الجماعية. ففي صوتك الخاص وجدنا صوتنا العام، ومع كل تجربة خضتها تشكيليا استوعبنا منطق الاستمرارية، إذ كل مرحلة تحمل بذور تطور مرحلة قادمة… أنت أكبر من الجغرافيا المحلية… لأنك شديد الإصغاء إلى التنوع الثقافي و المد الإنساني الكوني. فعبر السلاسة الأسطورية للحكايا و العبر التي نهلتها من المتخيل الشعبي و العالم معا، خلقت بنية أسطورية معاصرة، فأتقنت لعبة مرايا الداخل/الخارج ، والخارج/الداخل بعيدا عن كل أنانية مرضية أو غيرية اغترابية.
كنت أنت- أنت ولم تدع قط أنك اسم الجماعة أو لسان القبيلة. معك تعلمنا أن بطاقة التشكيل تكمن في هويته الإنسانية التي انتدبت الطفل لكي يكشف عن أسرار وجودها… كنت الطفل الذي لا يشيخ…الطفل الذي أدرك أن العالمية أكبر من كل ثقافة محلية. حقا إن صوتك أتى من الصويرة لكنه شمل كصقر اليونور أرجاء العالم. قدمت لنا أجمل هدية، هي هويتنا المتعددة. سافرت بنا من الذات إلى العالم، أنت الذي عانيت هشاشة الواقع بدءا من “ساحة الفنانين بلا فنانين”، وأزلت القناع عن الكيان الصويري وقد تحول إلى شبح ومجرد بطاقة بريدية…

أخي حسن، نحبك في ذاتك ولذاتك ، فقد جعلت من كياننا الثقافي فضاء مفتوحا وحياة ثانية. فأنت تجددنا ونجددك…فأنت تكرمنا ونكرمك، فأنت تحيينا ونحييك… يا أنت…يا أنت…يا أنت….كنت القارئ الأول للوحاتك التشكيلية السردية…وستظل قارءها الحقيقي، فأنت المالك الوحيد لأسرارها وسننها…لوحاتك الأولى لا تقلدك ولا تشبهك، وكأن فنانا آخر هو الذي رسمها… لكن أعمالك الأخيرة صور أمينة وصادقة تحمل هموم طفولتك وجراحات كيانك، وتؤرخ لسيرة مرضك…آه يا مرضك! مرضنا جميعا في زمن موحش أصبحت الصحة بضاعته البخسة ! قليل هم الذين بحثوا عن التشكيل في اللوحة، وعن اللوحة في التشكيل…أنت من هذه القلة يا حسن ! كم قدر لك أن تولد من البداية فنانا تشكيليا دفعة واحدة، على عكس الآخرين الذين ولدوا على دفعات تدرجية…يحق لروحك أن تستريح استراحة محارب نبيل لأنك رسمت لوحاتك المأمولة، واختزلت المسافات الطويلة، وكتبت تشكيليا ما لم يكتب قبلك، وما سيطور بعدك… كنت أنت، وأنت منذ هذه اللحظة الاحتفالية أنت. أنت الماضي و الحاضر / الحاضر و المستقبل.
الفنان حسن الشيخ بريشة المبدع مصطفى بخشي
سيرة حياة: غيض من فيض
كان حسن الشيخ عضوا مؤسسا لجمعية “سلام للفن والثقافة”، ورئيسا لجمعية “فضاء للفنون التشكيلية”، وعضوا مؤسسا لجمعية “ساحة الفنانين”، فعالا في كل من جمعية “بصمات للفنون التشكيلية” وجمعية “فنون ومهن”. شارك في أول معرض جماعي بقاعة المنزه عام 1988، وأقام أول معرض فردي بالقاعة المذكورة عام 1992 تحت عنوان “الصويرة واقع ومتخيل”، كان منذ سنة 1998 من مؤسسي تظاهرة الربيع للفنون التشكيلية التي حرصت على تنظيمها جمعية “سلام للفن والثقافة” بقاعة مذكرة 21، وعرض لآخر مرة عام 2018 ضمن فعاليات معرض جماعي بالدار البيضاء أقامته جمعية “بصمات للفنون الجميلة” بمقر المديرية الجهوية للثقافة بالدار البيضاء. توج مساره الفني بعدة معارض جماعية خارج المغرب، نذكر من بينها تمثيلا لا حصرا: سوق الفن المعاصر الكبير فرنسا عام 2002، المهرجان الخامس للفن المنفرد بفرنسا عام 2004، معرض فناني الصويرة بأبسولا (السويد) عام 2016، من تنظيم جمعية “الصويرة موكادور” وبشراكة مع جمعية “إكار” لفناني أبسولا وبمساهمة المديرية الإقليمية لقطاع الثقافة بالصويرة وغيرها من المعارض الوازنة. للإشارة، فإن فيلا الفنون بالدار البيضاء نظمت عام 2015 لقاء مفتوحا من إعداد الباحثة والمشرفة على البرنامج الثقافي طانيا الشرفي حول موضوع “مدرسة الصويرة ورهاناتها” بمشاركة حسن الشيخ رفقة المبدعين محمد السنوسي ومحمد الطبال. كتب حسن الشيخ في يومياته :”أحاول القبض على الحياة الداخلية للمنجز التشكيلي. كل لوحة تمظهر رمزي للفكر. الفن بالنسبة لي ميثاق تركيب غريب يستدعي الخيال والتخيلات. خارج كل شكل محاكاتي، التصوير الصباغي رهين تجربة الروح. كل المشاهد ستنشأ من المتخيل بوصفه الصورة الأولى لكل تجربة إبداعية. أعطي للرؤية الحلمية أولوية عن طريق التوافق المرئي واللامرئي بين الأشكال والألوان”.
