حين يصير الصمتُ لوناً والجدارُ ذاكرةً

مرثية في فنان الأثر والغياب، وشاعر السطوح المنسية
برحيل الفنان التشكيلي حكيم غزالي، يفقد الفن المغربي المعاصر واحداً من أكثر أصواته فرادةً ونبلاً وعمقاً؛ فناناً اختار أن ينسج تجربته بعيداً عن ضجيج المشهد الثقافي وإغراءات النجومية السريعة، مؤمناً بأن القيمة الحقيقية للفن لا تُقاس بحجم حضوره الإعلامي، بل بقدرته على إيقاظ الأسئلة الكبرى المتعلقة بالزمن والذاكرة والوجود. لقد كان غزالي من أولئك الفنانين الذين جعلوا من العزلة فضاءً للإنصات، ومن المحترف مختبراً للرؤية، ومن اللوحة مجالاً للتفكير أكثر مما هي مجال للتمثيل أو الزخرفة.
وُلد حكيم غزالي سنة 1963 بمدينة الدار البيضاء، المدينة التي احتضنت بداياته ومساره الإبداعي الطويل. ومنذ معرضه الفردي الأول سنة 1985، بدأ في تشييد مشروع فني خاص به، تعزز بتكوينه الأكاديمي في الفنون التشكيلية بثانوية جابر بن حيان، ثم بدراسته في المدرسة العليا للفنون والتصميم بمدينة أميان الفرنسية، حيث حصل على دبلومها سنة 1995. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لم تكن في شهاداتها بقدر ما كانت في قدرة الفنان على تحويل المعرفة التقنية إلى رؤية جمالية متفردة، استطاعت أن تحافظ على استقلالها وسط التحولات المتلاحقة التي عرفها الفن المعاصر.
لقد شيد حكيم غزالي عالمه التشكيلي على ثلاثية اللون والضوء والمادة، لكن هذه العناصر لم تكن عنده مجرد مكونات تقنية للوحة، بل أدوات للتفكير البصري واستكشاف المناطق الخفية من التجربة الإنسانية. لذلك جاءت أعماله محمّلة بأصداء الحلم والذاكرة والحدس، وكأنها مشاهد رؤيوية تتشكل عند الحدود الفاصلة بين المرئي واللامرئي. لم يكن يرسم الأشياء بقدر ما كان يرسم آثارها، ولم يكن يبحث عن الحضور المباشر بقدر ما كان ينقب في طبقات الغياب.

ومن هنا تبرز خصوصية مشروعه الفني الذي جعل من الجدار موضوعاً جمالياً وفلسفياً مركزياً. ففي أعماله الأخيرة، انشغل بمفهوم الجدارية (Muralité) بوصفه أفقاً للتأمل في العلاقة المعقدة بين المادة والزمن. لقد تحول الجدار لديه من عنصر معماري صامت إلى كائن بصري نابض بالذاكرة، يحمل آثار التعرية والتآكل والترسب، ويختزن في طبقاته المتراكبة حكايات العبور الإنساني. وهكذا غدت لوحاته أشبه بحفريات تشكيلية تكشف عن ندوب الزمن وآثار الحياة، وتجعل من السطح فضاءً للكتابة البصرية ولإعادة بناء الذاكرة.
ولعل ما يمنح تجربة غزالي فرادتها هو هذا الاشتغال العميق على ثنائيات الأثر والمحو، والحضور والغياب، والكتلة والفراغ، والصمت والكلام. فقد كان يؤمن بأن اللوحة ليست خطاباً جاهزاً، بل فضاء مفتوحاً للتأويل، وأن الصمت يمكن أن يكون أكثر بلاغة من كثرة العلامات. لذلك تبدو أعماله للوهلة الأولى مقتصدة في عناصرها، غير أنها تخفي كثافة جمالية وفكرية تجعل المتلقي شريكاً في إنتاج المعنى، لا مجرد مستهلك للصورة.
وفي هذا المعنى، لم يكن حكيم غزالي مجرد رسام، بل كان مفكراً بصرياً جعل من المادة حاملاً للذاكرة، ومن اللون أداة للتأمل الفلسفي. لقد تعامل مع الرسم باعتباره ممارسة معرفية تستنطق هشاشة العالم وتقاوم النسيان، ولذلك لم تكن أعماله مجرد منتجات فنية قابلة للاقتناء، بل كانت اقتراحات فكرية وجمالية حول معنى الأثر الإنساني في الزمن.
وقد لقيت هذه التجربة تقديراً واسعاً داخل المغرب وخارجه، حيث عُرضت أعماله في فضاءات فنية مرموقة، وحظيت باهتمام المؤسسات والمتاحف والمقتنين، كما دخلت بعض أعماله إلى دوائر المزادات الدولية، مؤكدةً المكانة التي احتلتها تجربته ضمن خرائطية الفن المغربي المعاصر. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الاعتراف تكمن في قدرة أعماله على الاستمرار خارج سياقات العرض والاقتناء، باعتبارها تجارب بصرية تظل مفتوحة على قراءات جديدة كلما تغيرت أسئلة الزمن.

واليوم، ونحن نودع هذا الفنان الاستثنائي، لا نستحضر فقط مساراً فنياً حافلاً، بل نستحضر أيضاً درساً أخلاقياً وجمالياً نادراً؛ درس فنان آمن بأن العمق أبقى من البريق، وأن الأثر أصدق من الاستعراض، وأن الصمت قد يكون أحياناً اللغة الأكثر قدرة على قول ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.
لقد رحل حكيم غزالي، لكن الجدران التي أنطقها ستظل شاهدة على حضوره، والسطوح التي منحها ذاكرة ستواصل سرد حكاياتها للأجيال القادمة. سيظل اسمه محفوراً في تاريخ الفن المغربي بوصفه أحد الفنانين الذين حوّلوا الرسم إلى فعل تفكير، والمادة إلى سؤال فلسفي، والجدار إلى مرآة للزمن والوجود.
رحم الله حكيم غزالي، شاعر الجدار وناسج الذاكرة اللونية، وجعل من أثره الفني حياةً أخرى لا يطالها الغياب.
