رحلة بين البارود والنغم: من معارك الشاوية إلى تراث الأندلس بالرباط
لم يكن يوم السبت 16 ماي 2026 يوماً عادياً في سجل الرحلات والالتزامات الثقافية، بل كان أشبه بمسار متداخل يجمع بين محطتين مختلفتين في المكان ومتقاربتين في المعنى؛ الأولى في عمق بادية الشاوية حيث تستيقظ ذاكرة المقاومة من بين التلال والسهول، والثانية في قلب الرباط حيث تنبعث روح التراث الأندلسي من بين المخطوطات والألحان.
في الصباح، كان الموعد مع الدورة الثالثة والعشرين للذاكرة والتراث الثقافي للشاوية، المنظمة في فضاء يختزن صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي. هناك، وسط تلال ارتبط اسمها بمعارك حاسمة خاضتها قبائل المنطقة، اجتمع باحثون ومهتمون بالتاريخ والتراث لاستحضار بطولات رجال حملوا همّ الدفاع عن الأرض والكرامة.
وقد شكل اللقاء مناسبة لاستعادة وقائع بعض المعارك التي خاضتها قبائل الشاوية إلى جانب جيرانها في مواجهة القوات الغازية، واستحضار خصال المقاومين الذين تميزوا بالشجاعة والإقدام وروح التضحية. كما عرفت التظاهرة مداخلات متنوعة لعدد من الباحثين والفاعلين المحليين، إلى جانب فقرات شعرية وتكريمات لأبناء وأحفاد بعض شهداء المقاومة.
وفي أجواء امتزجت فيها رائحة الأرض بذاكرة البارود وصهيل الخيل، بدا التاريخ حاضراً بقوة، لا باعتباره سرداً لأحداث ماضية فقط، بل باعتباره رصيداً معنوياً يستمد منه الحاضر معاني الصمود والانتماء.
لكن الزمن لم يكن يسمح بالإقامة طويلاً في تلك الربوع. فقد كان موعد آخر ينتظر في العاصمة الرباط، ضمن نشاط علمي وثقافي نظمته جمعية “أندلوز”، وهو التزام سبق أن تم التعهد به، ما جعل الانتقال بين المحطتين أشبه بسباق مع الوقت.
وبفضل مرافقة الصديق نور الدين فردي، الذي تكفل بقيادة السيارة وسط طرق متباينة بين الوعورة والانسيابية، أمكن الوصول إلى الرباط في الوقت المناسب تقريباً، رغم مشقة الطريق وضغط المواعيد.
هناك، بمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين بحي الرياض، انعقد لقاء علمي خصص للمخطوطات المغربية الأندلسية والتراث الموسيقي المرتبط بها. وقد تميزت الجلسة بمداخلات علمية أغنت النقاش من زوايا متعددة.
فقد قدمت الباحثة الإسبانية مانويلا غارسيا كورتيس عرضاً حول المخطوطات المغربية الأندلسية، مستعرضة نماذج منها وأماكن حفظها وقيمتها العلمية. كما توقف الباحث محمد أديوان عند الإشكالات المرتبطة بتتبع المخطوطات وتحقيقها، مستحضراً قصة الخزانة الزيدانية الشهيرة وما آلت إليه من انتقال إلى خارج المغرب.
أما الباحث والموسيقي سفيان أكديرة، فقد تناول الموضوع من زاوية موسيقية متخصصة، متوقفاً عند عدد من المفاهيم الفنية المرتبطة بالموسيقى الأندلسية، ومستنداً إلى مراجع تراثية مهمة من بينها كتاب “حاوي الفنون وسلوة المحزون” لابن الطحان المصري، إضافة إلى كناش الحايك باعتباره مرجعاً أساسياً في هذا المجال.
واختتم اللقاء بأمسية فنية أحيّاها “جوق شباب الأندلس” بقيادة الفنان هشام، حيث عانقت الألحان التراثية أجواء البحث العلمي، في صورة جميلة من صور التفاعل بين المعرفة والفن.
لقد بدا هذا اليوم وكأنه يجمع بين وجهين من وجوه الذاكرة المغربية؛ ذاكرة الرجال الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الوطن، وذاكرة العلماء والفنانين الذين حملوا القلم والوتر حفاظاً على التراث. بين تلال الشاوية ومدرجات الرباط، تجلت صورة المغرب العميق في تنوعه وغناه، حيث تتجاور البطولة مع الإبداع، وتلتقي المقاومة بالموسيقى، ويظل الوفاء للذاكرة خيطاً ناظماً بين الماضي والحاضر.
فمن هناك، حيث دوّت الطلقات ذات زمن، إلى هنا، حيث تصدح الأوتار والأنغام، يظل التاريخ والتراث معاً شاهدين على أن لهذا الوطن ما يستحق أن يُروى، وما يستحق أن يُحفظ للأجيال القادمة.
