من رائحة المرسم إلى وهج الشاشة: التشكيل المغربي في زمن الاقتصاد الرقمي

من رائحة المرسم إلى وهج الشاشة:  التشكيل المغربي في زمن الاقتصاد الرقمي

لا تُقرأ تحوّلات الاقتصاد الثقافي المعاصر بوصفها انتقالاً تقنياً فحسب، بل باعتبارها إعادة تركيب عميقة لعلاقة الإبداع بالقيمة، والزمن بالأثر، والفنان بشروط ظهوره وتداوله. وإذا كان تاريخ البثّ التدفقي في الموسيقى قد كشف خلال العقدين الأخيرين عن صعود نموذج اقتصادي جديد يعيد توزيع السلطة بين المنصات والجمهور والمنتجين، فإن السؤال نفسه يفرض حضوره اليوم داخل الممارسة التشكيلية بالمغرب: ماذا يحدث للعمل الفني حين يغدو حضوره الرقمي أقوى من حضوره المادي؟ وكيف يُعاد تعريف الفنان عندما تتحول الرؤية إلى بيانات، والمتلقي إلى خوارزمية؟

لقد اعتاد تاريخ الفن المغربي أن يُؤسَّس على لحظات اللقاء المباشر بين الجسد والأثر، بين فضاء المرسم وفضاء العرض، وبين البطء الذي تحتاجه التجربة الجمالية والتأمل الذي يستدعيه فعل النظر. غير أن التحولات الرقمية الأخيرة، بما فيها الانتشار الواسع للمنصات الاجتماعية، وإعادة إنتاج الصور، وآليات التداول السريع، نقلت العمل التشكيلي من منطق الندرة إلى منطق التدفق. لم تعد اللوحة تُرى لأنها مُنجزة، بل لأنها قابلة للتداول، ولم يعد الفنان يُقاس فقط بما ينجزه من أثر بصري، بل بما يحققه من حضور رقمي واستجابة خوارزمية.

داخل هذا الأفق الجديد، تبدو الممارسة التشكيلية المغربية أمام مفارقة دقيقة: فمن جهة أتاحت البيئة الرقمية إمكانات غير مسبوقة للانتشار وتجاوز الوسائط التقليدية التي كانت تتحكم في الوصول إلى الجمهور؛ ومن جهة أخرى خلقت شكلاً جديداً من التبعية الرمزية، حيث أصبحت القيمة الجمالية معرضة لأن تُختزل في مؤشرات المشاهدة والتفاعل. إن الخوارزمية هنا لا تعمل بوصفها أداة تقنية محايدة، بل بوصفها مؤسسة خفية لإعادة ترتيب الرؤية وتحديد ما يستحق الظهور وما يُدفع إلى الهامش.

إن الفنان التشكيلي المغربي، وهو يتحرك داخل هذا المشهد، لم يعد ينتج صورة فقط، بل صار ينتج شروط رؤيتها أيضاً. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ما يزال العمل الفني قادراً على الاحتفاظ بكثافته التأويلية داخل اقتصاد السرعة؟ أم أن الصورة أصبحت تُستهلك كما تُستهلك المقاطع الموسيقية القصيرة؛ حضورٌ خاطف يترك أثراً أقل مما يتركه انطباعاً؟

تاريخياً، تأسست المغامرة التشكيلية بالمغرب على رهان مغاير؛ رهان جعل من العمل الفني مجالاً للتأمل في الهوية والذاكرة والفضاء واللغة البصرية. غير أن الانتقال نحو ثقافة التدفق يفرض اليوم إعادة التفكير في مفهوم الأثر نفسه. فالأثر لم يعد مادة معلقة على جدار، بل أصبح مساراً تداولياً يمر عبر الشاشات ويُعاد إنتاجه بلا نهاية. ومن ثم فإن القيمة لم تعد تسكن الأصل وحده، بل أصبحت موزعة بين الأصل وصوره وتحولاته الرقمية.

لكن هذه اللحظة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها نهاية للفن أو إعلاناً عن انتصار التقنية، بل كاختبار جديد لقدرة الفنان المغربي على ابتكار أشكال مقاومة جمالية. فكما أعادت الموسيقى التفكير في معنى الإنتاج والاستماع، يمكن للتشكيل المغربي أن يعيد التفكير في معنى الرؤية ذاتها: أن يجعل من البطء موقفاً جمالياً، ومن الأثر المادي ذاكرة مضادة، ومن اللوحة فضاءً لاستعادة الزمن الذي تلتهمه الخوارزميات.

إن ما يواجهه الفن التشكيلي المغربي اليوم ليس أزمة صورة، بل أزمة إيقاع؛ إذ لم يعد السؤال: كيف ننتج عملاً فنياً؟ بل: كيف نحافظ على حق العمل في أن يُرى خارج منطق الاستهلاك السريع؟ هنا فقط تستعيد اللوحة قوتها القديمة: لا بوصفها شيئاً يُشاهَد، بل بوصفها زمناً يُعاش، ونداءً بصرياً يذكّرنا بأن الفن، مهما تبدلت وسائطه، يظل فناً لتأجيل النسيان.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *