الموتى الذين تعرف السوق لوحاتهم… وتجهل عناوين ورثتهم
أعتقد أنّ جولةً خفيفة، أو بحثًا عابرًا، لا يكفيان للعثور على أثر فنانٍ همّشته الظروف الاجتماعية، والنفسية، والسياسية أيضًا. فنانٌ تراكم عليه النسيان كإنسان من لحم وذاكرة، بينما اكتشف تجّار الفن أعماله الإبداعية المنتشرة في كل شبر من هذا الوطن، بل وخارجه أيضًا.
فجلّ المبدعين المنسيين لا توجد اليوم آثار واضحة لمساكنهم، ولا حتى لأقاربهم أحيانًا. و«ديور المساكين» بمراكش، حيث أقام الراحل عباس صلادي، ربما يظل المكان الأكثر حظًا لمن يبحث عن أثره، أو عن أثر «فاخته» إن كانت ما تزال على قيد الحياة، أو إن كانت قد رحلت، رحمها الله، وهل تركت بنتًا أو ولدًا… كما أن أرشيف مقاطعة مراكش، حيث أقام عباس صلادي، قد يفيد الباحثين في الاهتداء إلى أي قريب له.
أما جيلالي الغرباوي، فلم يكن له قبر بالمغرب لسنوات طويلة. وبعد أن ارتفعت قيمة لوحاته، وكُتبت المؤلفات حول سيرته وتجربته الفنية، جاؤوا برفاته من باريس بعد عقود، ودُفن في مقبرة بفاس. اليوم صار له قبر، بعدما صار لاسمه ثمن في السوق. والأمثلة كثيرة.
وأورد هذه التوضيحات ليس من باب نفي ما يُقال أو تهذيبه، بل فقط لتقديم وجهة نظر حول مسألة أثر الفنان كإنسان، لا كمجرّد مبدع. فالأعمال الفنية تفيد السوق، لكنها لا تفيد جثث الموتى من الفنانين.
ثم إن قانون «حق التتبع» الخاص بأعمال الفنان التشكيلي بالمغرب، رغم الحديث المتكرر عنه، ظلّ دون تنفيذ فعلي من طرف وزارة الثقافة، مع أن خزينة الدولة ـ قبل ورثة الفنان ـ أضاعت بسببه أموالًا طائلة. فلوحة للراحل أحمد الشرقاوي بيعت بأكثر من مليار سنتيم في مزاد خارج المغرب، ومع ذلك لن تحمي الدولة ولا الورثة منها فرنكًا واحدًا.
وليس من المستحيل الوصول إلى ورثة فنان متوفّى بالمغرب، لأن المجتمع المغربي، رغم كل التحولات، لم تخترقه الفردانية والعزلة بشكل كامل بعد. فما يزال الناس يعرفون أصول بعضهم البعض، وأنسابهم، وورثتهم، بل وحتى عناوينهم داخل خريطة وطن مثل المغرب. لذلك فإن ادّعاء استحالة الوصول إلى ورثة فنان راحل، ليس في كثير من الأحيان سوى شكل من أشكال التسويف، واستبلاد المهتمين والمتابعين للشأن الفني بالمغرب وخارجه.
وربما سيأتي يوم نسمع فيه من يقول إن الراحل التهامي الداد القصري، أو خالد شقور، أو الغزاوي، أو الناصري، أو العابدي، أو الدواح… لم يُعثر لهم على أثر، ولا على عنوان لأي وريث من أصلابهم أو من أصلاب أجدادهم. وكأن هؤلاء عاشوا بلا عائلات، أو سقطوا من فراغ خارج المجتمع والتاريخ.
في المغرب، تُدار تجارة الإرث الفني المادي لكثير من المبدعين الراحلين بطرق تدعو فعلًا إلى الريبة والقلق، وسط صمت الجهات المعنية، ومن بينها بعض النقابات التي لا يكاد الفنانون يرون أثرها إلا في افتتاح المعارض، والتقاط الصور التذكارية، وتبادل المجاملات.
أما حين يتعلق الأمر بحفظ حقوق الفنان الراحل، أو حماية إرثه، أو ضمان حق ورثته المعنوي والمادي، فإن الضجيج يخفت فجأة، ويبدأ الحديث عن التعقيدات، واستحالة الوصول، وضياع الوثائق… وكأن الأمر يتعلق بأشخاص بلا جذور، ولا ذاكرة، داخل هذا الوطن.
