حين تُقاوم الشاشةُ النسيان: عن السينما المغربية بوصفها آخرَ حصون المخيال

حين تُقاوم الشاشةُ النسيان: عن السينما المغربية بوصفها آخرَ حصون المخيال

 ليست السينما مجرد صناعة للصور، ولا فضاءً للترفيه المؤقت، بل هي أحد الأشكال الحديثة لكتابة الذاكرة الجماعية وصناعة الممكن الرمزي للأمم. وكلما اشتدّ الصراع حول من يملك وسائل السرد، ومن يقرر أيُّ قصصٍ تُروى وأيُّ وجوهٍ تُرى، عاد السؤال القديم في صيغة جديدة: هل تستطيع الصورة أن تبقى حرة حين تدخل في دوائر السوق والسلطة وإعادة إنتاج الذوق؟

            إذا كانت بعض النقاشات السينمائية العالمية قد أعادت طرح العلاقة المتوترة بين الخيال والواقع، وبين الفن والسياسة، فإن السياق المغربي يفرض أسئلته الخاصة، الأكثر هدوءاً والأشد عمقاً. فالمسألة هنا ليست فقط الخوف من الرقابة المباشرة، بل من أشكال أكثر نعومة: رقابة السوق، وتوحيد الأذواق، وتحويل الفيلم إلى منتج سريع الاستهلاك يفقد قدرته على مساءلة الواقع وكشف طبقاته الخفية.

            في التجربة المغربية، لم تكن السينما يوماً بعيدة عن سؤال المجتمع. فمنذ المحاولات المؤسسة إلى تجارب أكثر حداثة، ظل الفيلم المغربي يتأرجح بين رغبتين: أن يكون وثيقة حساسة لالتقاط تحولات الإنسان المغربي، وأن يكون مغامرة جمالية تعيد اختراع الواقع لا نسخه. ولهذا لا تقاس قوة الفيلم بقدرته على تمثيل الواقع كما هو، بل بقدرته على جعله قابلاً لإعادة التفكير.

            إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسينما ليس المنع، بل الاعتياد؛ حين تصبح الصورة مألوفة إلى حدّ أنها تكفّ عن الإزعاج، وحين يتحول الخيال إلى منطقة آمنة لا تسمح بالاختلاف. هنا تظهر أهمية السينما المغربية بوصفها مختبراً للممكنات الرمزية، لا مرآة صامتة للوقائع. فالفيلم الحقيقي لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يوقظ في المتفرج شهوة السؤال.

            ولعل التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في إنتاج عدد أكبر من الأفلام، بل في حماية التعدد الجمالي والحق في اختلاف السرديات؛ لأن احتكار المخيال يسبق دائماً احتكار الواقع. وحين تضيق المسافة بين ما يُنتج وما يُسمح بتخيله، يصبح الدفاع عن السينما دفاعاً عن قدرة المجتمع على رؤية نفسه بعيون متعددة.

            من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في الثقافة السينمائية بالمغرب: ليس باعتبارها قطاعاً اقتصادياً فحسب، بل باعتبارها أفقاً لتربية النظر، وتمريناً جماعياً على الحرية التأويلية، ومجالاً تُصاغ فيه ذاكرة المستقبل قبل أن تتحول إلى أرشيف. فالسينما، في نهاية المطاف، ليست فناً يرى العالم فقط؛ إنها فنّ يمنح العالم فرصة أخرى لكي يُرى.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *