حفل توقيع كتاب «مصطفى خليلي بين التراث والحال » في صون الذاكرة الفنية والثقافية للصويرة
نظمت جمعية أصدقاء الكلمة مؤخرا بدار الصويري تظاهرة ثقافية وفنية خُصصت للاحتفاء بصدور كتاب «مصطفى خليلي بين التراث والحال» للباحث والفنان حسن هموش الصويري، وذلك بتنسيق مع جمعية ساحة الفنانين، وبشراكة مع جمعية الصويرة موكادور، والمديرية الإقليمية لقطاع الثقافة بالصويرة، وجماعة الصويرة، وشركة الصناع للإنتاج الفني. ولم يكن هذا الموعد مجرد مناسبة لتقديم إصدار جديد إلى القراء، بل شكل فضاء للتفكير في رهانات الذاكرة الثقافية وأهمية التوثيق في حفظ التراث اللامادي، فضلاً عن إعادة الاعتبار إلى التجارب والشخصيات الفنية التي أسهمت، على امتداد عقود، في بناء المشهد الثقافي والفني المحلي وتعزيز حضوره في الساحة الوطنية.

ويكتسب هذا اللقاء أهميته من كونه جمع بين فعل الاعتراف وفعل التوثيق، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء الذاكرة الثقافية. فالكتاب، في هذا السياق، لا يظهر باعتباره مجرد منتج أدبي أو سيرة لمسار فني، وإنما بوصفه حاملاً للذاكرة ووسيطاً معرفياً يصل الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال اللاحقة إمكانية الاطلاع على تجارب المبدعين ومساراتهم وإسهاماتهم في بناء الثقافة المغربية. ومن ثم، فإن الاحتفاء بكتاب حول فنان من طينة مصطفى خليلي يتحول إلى احتفاء بجزء من تاريخ مدينة الصويرة وخصوصيتها الفنية والثقافية.

وشهد اللقاء حضور مجموعة من الباحثين والفنانين والفاعلين الثقافيين والإعلاميين، من بينهم أحمد حروز ممثل جمعية الصويرة موكادور، ويوسف أسكور رئيس جمعية أصدقاء الكلمة، وعبد الرحمان رشد نائب رئيس جمعية ساحة الفنانين، والمنتج علي الصناع، والباحث حسن هموش، والناقد الفني د. عبد الله الشيخ، والفنان مصطفى خليلي رئيس جمعية ساحة الفنانين، فيما تولى الشاعر نوفل السعيدي تقديم فقرات الحفل بأسلوب اتسم بالسلاسة الأدبية. ولم يقتصر البرنامج على توقيع الكتاب، بل انفتح على التعبير الموسيقي من خلال منوعات كناوية وغيوانية من عزف وأداء الفنان يونس باكا رفقة الفنان مصطفى دحاوي، فضلا عن وصلات من عيون العيطة الشياظمية، وذلك أمام جمهور غفير من المثقفين والفنانين والإعلاميين.

ويأتي مؤلف » مصطفى خليلي بين التراث والحال «، الصادر عن منشورات رباط نت بالرباط، ضمن مجال السيرة الغيرية القائمة على استثمار التراث الشفهي وتثبيته في صيغة مكتوبة. وتتمثل إحدى أهم خصوصياته في كونه يجمع بين توثيق مسار شخصية فنية وبين استعادة مكونات من التراث اللامادي لمدينة الصويرة. ولذلك يمكن النظر إليه باعتباره وثيقة إنسانية وأدبية تتقاطع فيها السيرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، إذ لا يكتفي حسن هموش الصويري بتتبع مراحل حياة مصطفى خليلي، وإنما يسعى، في الوقت نفسه، إلى إنقاذ رصيد من الذاكرة الشفوية من احتمالات التلاشي والاندثار. وقد تولت شركة الصناع للإنتاج الفني، بإشراف علي عباس الصناع، إنتاج الكتاب وإخراجه، بما يعكس أهمية الشراكة في دعم المشاريع ذات البعد الثقافي والتوثيقي.

وفي هذا الإطار، أكد أحمد حروز أن الاحتفاء بالشخصيات الفنية والثقافية المحلية يتجاوز منطق التكريم الفردي، ليصبح اعترافاً بالإسهامات التي قدمها هؤلاء في إثراء الحياة الثقافية المغربية وتعزيز الإشعاع الحضاري لمدينة الصويرة. كما شدد على أهمية استمرار المبادرات التي تجعل من الثقافة آلية لصون هوية المدينة والاحتفاء برموزها وإبراز قيمة الإبداع المحلي داخل المشهد الثقافي الوطني.

أما يوسف أسكور، رئيس جمعية أصدقاء الكلمة، فقد وضع المبادرة ضمن تصور ثقافي يعتبر توثيق مسارات المبدعين مسؤولية جماعية، مؤكداً أن الاحتفاء بمصطفى خليلي هو في جوهره احتفاء بجزء من الذاكرة الشعبية للصويرة. وانطلاقاً من هذا التصور، تصبح الكتابة عن المبدع المحلي ممارسة تتجاوز البعد التوثيقي الضيق لتتحول إلى فعل من أفعال الوفاء للإنسان والمكان والتاريخ. كما أشار إلى أن الثقافة ليست ترفاً، بل مسؤولية تجاه الذاكرة والأجيال المقبلة، وأن مدينة الصويرة، بما تختزنه من تنوع ثقافي وفني، تحتاج إلى مشاريع منتظمة توثق أسماء مبدعيها وتجاربهم.
وتبرز في هذا السياق تجربة حسن هموش الصويري باعتبارها مشروعا متواصلا في مجال حفظ الذاكرة الفنية للصويرة. فهو، وفق ما ورد في المادة الأصلية، يشتغل من داخل محيطه الثقافي والاجتماعي، قريباً من المبدعين ومن تفاصيل تجاربهم، واضعاً الكتابة في خدمة الذاكرة المحلية. وقد سبق له الاشتغال على تجارب وأسماء فنية وإبداعية أخرى، من بينها الزجال الحامولي، والفنان صالح الباشا، والفنان عبد الرحمن باكو، بما يجعل هذا المؤلف حلقة جديدة ضمن مسار توثيقي أوسع. وتكمن أهمية هذا المشروع في سعيه إلى بناء أرشيف ثقافي حي يحفظ أسماء المبدعين ومساراتهم وإسهاماتهم ويتيح للأجيال القادمة إعادة اكتشافها.

ومن جانبه، اعتبر عبد الرحمان رشد أن تكريم مصطفى خليلي يتجاوز شخصه ليشمل صورة الفنان المغربي المرتبط بقيم الأصالة والانفتاح، وبالتراث باعتباره حاملاً لذاكرة المجتمع وروحه. كما أكد أن المبادرة تمثل تكريماً لمدينة الصويرة بوصفها فضاءً تاريخياً للتعدد الثقافي وملتقى للفنون وحاضنة للمبدعين، مشيداً بمختلف الشركاء والمساهمين في إنجاح هذا المشروع.
أما علي الصناع، منتج الكتاب، فقد أوضح أن تبنيه لهذا العمل يرتبط برغبته في المساهمة في تأريخ حياة فنان راكم، على امتداد عقود، تجربة مهمة في المسرح المغربي، وظل وفياً للتراث الموسيقي والشعبي. ومن هذا المنظور، يصبح الكتاب رسالة وفاء إلى فنان لم يكن مجرد حافظ للتراث، بل كان جزءاً عضوياً منه، وحاملاً حياً لذاكرته وتعبيراته.

أما حسن هموش، فقد أوضح أن الشرارة الأولى للمشروع توقدت خلال مشاركته إلى جانب مصطفى خليلي في شريط » الناس لملاح« صيف سنة 2023، حين أتاح له الاحتكاك المباشر بالفنان والاشتراك معه في فضاء الإقامة فرصة الإنصات إلى ذاكرة فنية غنية ومتعددة الروافد. وقد اكتشف من خلال الحوار جوانب متشعبة من التراث الصويري، تشمل الحمدوشي والرزون والملحون والغناء والتلحين والعيطة، إلى جانب المسرح والدراما التلفزيونية والسينما. لذلك اختار في بناء الكتاب منهجاً حوارياً ومساراً كرونولوجياً يستعيد من خلالهما مراحل حياة مصطفى خليلي الإنسان والفنان.
وفي قراءة نقدية للعمل، يرى د. عبد الله الشيخ أن الكتاب يوثق لتجربة إنسانية قبل أن يوثق لمسيرة فنية، وهي ملاحظة تكشف عن طبيعة المقاربة التي اعتمدها المؤلف. فالعمل لا يكتفي بجرد المحطات الفنية، وإنما يعيد بناء شخصية إنسانية ظلت مرتبطة بهوية الصويرة وتاريخها وتنوعها الحضاري. كما يبرز تجربة خليلي في المسرح والدراما التلفزيونية والسينما، إلى جانب حضوره في مجالات الملحون والرزون والعيطة الشياظمية والحمدوشي والغناء التراثي، بما يجعله حلقة وصل بين الذاكرة الفنية ومقتضيات التجدد الإبداعي.

وتتأكد هذه المكانة من المسار الشخصي والفني لمصطفى خليلي، المزداد سنة 1953 بدرب اللبانة بالصويرة، والمنحدر من بيئة روحية وثقافية عريقة. فقد تشبع منذ طفولته بالموروث المحلي، قبل أن يصقل موهبته في الغناء الأندلسي والشكوري والملحون، ثم يلتحق سنة 1981 بمدرسة الطيب الصديقي. كما بدأ تجربته المسرحية في سن الثالثة عشرة من خلال مسرحية »اليتيم المظلوم«، قبل أن تتسع مسيرته إلى الموسيقى والتلفزيون والسينما. ويقدم الكتاب هذه المحطات وفق بناء كرونولوجي يتخلله الحوار المباشر، جامعاً بين حيوية الرواية الشفوية ورصانة التوثيق.

وعليه، فإن القيمة العلمية والثقافية لهذا الإصدار لا تكمن في كونه يوثق لسيرة فنان فحسب، وإنما في قدرته على تحويل الذاكرة الفردية إلى مدخل لقراءة الذاكرة الجماعية. فالذاكرة، في هذا السياق، ليست مجرد استعادة للماضي، بل آلية لمقاومة النسيان ومحو الأثر، وحماية العلاقة بين الإنسان والمكان والتاريخ. ومن ثم، فإن توثيق تجربة مصطفى خليلي يساهم في صيانة جزء من الذاكرة الفنية للصويرة، ويؤكد أن إنصاف المبدعين لا يتحقق بالتكريم وحده، وإنما يحتاج أيضاً إلى الكتابة والتوثيق والتحليل، حتى تتحول تجاربهم من ذاكرة معرضة للنسيان إلى رصيد معرفي وثقافي متاح للأجيال القادمة.


