الشارقة: حين يصير المكان ثقافة

الشارقة: حين يصير المكان ثقافة

ليست الشارقة مدينةً تُقرأ من واجهة واحدة، ولا حكايةً يختصرها متحف أو سوق أو شارع أو مشهد بحري؛ إنها مدينة متعددة الطبقات، في كل طبقة أثر، وفي كل حيّ ذاكرة، وفي كل معلم دلالة تصل الإنسان بالمكان. فمن قلبها التاريخي إلى أحيائها الحديثة، ومن أسواقها القديمة إلى شوارعها الكبرى، ومن مساجدها ومتاحفها إلى جامعاتها وبيوت المعرفة فيها، تتبدّى الشارقة مدينةً اختارت أن تجعل الثقافة أساس عمرانها، وأن تصوغ المعرفة جزءًا من هويتها اليومية، لا شعارًا عابرًا.

المنتزه فضاء عائلي وترفيهي في قلب الشارقة

ومن يقترب من الشارقة يدرك أنها لا تقدم نفسها بوصفها مجموعة معالم متفرقة، بل بوصفها مشروعًا حضاريًا متصلًا؛ مشروعًا يعبر من الحصن إلى المكتبة، ومن السوق إلى المتحف، ومن الجامع إلى الجامعة، ومن الواجهة المائية إلى الصحراء والجبل. هنا لا يقف التراث في الماضي، ولا تأتي الحداثة على حساب الذاكرة. فالمدينة تفتح أبوابها لما هو جديد، لكنها تظل مشدودة إلى أصلها؛ إلى البحر، والبيت القديم، والسوق، والكتاب، واللغة، والإنسان.
وقد اكتسبت الشارقة خصوصيتها من هذا التوازن النادر؛ فهي مدينة خليجية معاصرة، لكنها لم تجعل المعاصرة نقيضًا للموروث، ولم تختزل التقدم في سرعة العمران أو اتساع الطرق، بل اختارت سبيلًا أعمق: أن يكون العمران حاملًا للمعنى، وأن يبقى المكان موصولًا بذاكرته، وأن يظل الإنسان غاية الثقافة والتعليم والفنون والمتاحف والمكتبات.

قصر الثقافة بالشارقة من زاوية جانبية

الكاتبة: رحاب سيد عباس دندراوي، مصر
يبدأ فهم الشارقة من قلبها التاريخي؛ من تلك المنطقة التي تردّ المدينة إلى أصلها الأول، حين كان السوق امتدادًا للبيت، والجامع قريبًا من حياة الناس، والبحر حاضرًا في الرزق والذاكرة. ففي قلب الشارقة لا يطالع الزائر مباني تراثية مرمّمة فحسب، بل يقرأ سيرة مجتمع خليجي تشكّل بين التجارة والمسكن والسوق والمرفأ. هناك يتجاور حصن الشارقة مع البيوت القديمة، وتستعيد الأزقة ملامح المدينة قبل اتساع الطرق وتفرّع الأحياء.
وتحمل المريجة، والشويهين، والنباعة، والغوير، والمجرّة، والرولة جانبًا من نبض الشارقة القديم؛ فهي ليست مواضع على الخريطة فحسب، بل مداخل إلى ذاكرة اجتماعية وتجارية تشكّلت بين البيوت والأسواق والمساجد والطرقات الصغيرة. وفي هذه الأحياء ظلّ المكان قريبًا من الإنسان، وبقيت العمارة منسجمة مع المناخ والبيئة، وامتدّت الحياة اليومية بين الدكان والمجلس والبيت والساحة.

قصر الثقافة ونصب القرآن الكريم في ميدان الثقافة بالشارقة.

وفي هذا السياق، يبرز سوق العرصة شاهدًا على الذاكرة التجارية للشارقة؛ إذ لا يقتصر على البيع والشراء، بل يستبقي ملامح السوق القديم بما فيه من بضائع وروائح وأصوات وعلاقات إنسانية. وإلى جواره، أسهمت أسواق أخرى، مثل سوق صقر، والسوق المركزي المعروف بالسوق الأزرق، وسوق الجبيل، في رسم صورة السوق بين القديم والمعاصر، وبين الذاكرة والرزق اليومي.
وتحفظ بيوت التراث، ومنها بيت النابودة، صورة مهمّة للعمارة المحلية؛ بأفنيتها، وأبوابها الخشبية، ومداخل الهواء والضوء، وموادها المتصلة بالبيئة. فهي لا تعرض الماضي بوصفه مشهدًا جماليًا فحسب، بل تكشف كيف عاش الإنسان، وكيف صاغ مسكنه وفق حاجته ومناخه وذوقه؛ لتجعل التراث خبرة حياة لا مجرد أثر جميل.
وفي هذا القلب التاريخي، تحضر المتاحف المتخصصة لتكمل المعنى؛ فمتحف الشارقة للتراث يمنح تفاصيل الحياة اليومية صوتًا جديدًا، ومتحف الشارقة للخط يجعل الحرف العربي جزءًا من ذاكرة المكان. فالخط هنا ليس لوحة معلّقة فقط، بل امتداد لعلاقة الحضارة العربية والإسلامية بالكتابة، من المصحف والوثيقة إلى العمارة واللوحة. ومن ثمّ يبدو قلب الشارقة، كما تقدمه المصادر السياحية الرسمية، مجالًا للتراث والفنون والمتاحف والأسواق، ومركزًا لذاكرة المدينة الثقافية القديمة.

مكتبة الشارقة العامة، إحدى مؤسسات المعرفة في ميدان الثقافة.

المتاحف والكتاب: المعرفة بوصفها وجهًا للمدينة
تستمد الشارقة جانبًا جوهريًا من شخصيتها الحديثة من متاحفها ومؤسساتها الثقافية؛ ففي متحف الشارقة للحضارة الإسلامية ينفتح أمام الزائر أفق واسع على عوالم العقيدة والعلوم والفنون والحِرَف والمسكوكات والمخطوطات والزجاج والمعادن. ولا تبدو التحف فيه مقتنيات جميلة خلف الزجاج فحسب، بل شواهد على حضارة جمعت بين العلم والجمال، وجعلت من الفلك والطب والملاحة والرياضيات والخط والزخرفة وجوهًا متعددة لمعرفةٍ قادرة على بناء العمران وصوغ الوعي.

واحة البداير الصحراء بوصفها جزءًا من هوية الشارقة

أما متحف الشارقة للفنون وفضاءات مؤسسة الشارقة للفنون، بما تضمه من ساحات وبيوت ومبانٍ في المنطقة التراثية، فتفتح المدينة على الفن العربي والعالمي، وتمنحها حضورًا يتجاوز المحلية دون أن ينفصل عن روح المكان؛ حيث يدخل الفن المعاصر في حوار مع ذاكرة المدينة، لا بوصفهما طرفين متقابلين، بل مجالين متكاملين.
ويعيد متحف الشارقة للآثار المدينة إلى أزمنة أعمق، كاشفًا طبقات الاستيطان وحضور الإنسان في أرض الإمارة منذ عصور بعيدة. ويقدّم متحف المحطة وجهًا من ذاكرة الشارقة الحديثة، حين ارتبط المكان ببدايات الطيران والعبور والاتصال بالعالم، بينما يستعيد المتحف البحري وأكواريوم الشارقة للبحر مكانته بوصفه مصدر حياة ومهنة وثقافة.

نصب القرآن الكريم، أحد أبرز معالم ميدان الثقافة في الشارقة.

ولأن الشارقة تنظر إلى المعرفة بوصفها فضاءً رحبًا لا يحصره الكتاب وحده، فقد جعلت للعلم والبيئة والطفل نصيبًا واضحًا في مؤسساتها، من متحف الشارقة العلمي ومركز الاستكشاف إلى متحف الشارقة للسيارات القديمة ومراكز الحياة البرية والطبيعة؛ لتؤكد أن الثقافة ليست حفظ الماضي فقط، بل فهم العالم والبيئة والتقنية والحياة.
وتبلغ رمزية الكتاب ذروتها في بيت الحكمة، الذي لا يكتفي بأن يكون مكتبة حديثة، بل يقدّم تصورًا معاصرًا للمكتبة بوصفها بيتًا للقراءة واللقاء والحوار والعمل والتأمل. ويستدعي اسمه ذاكرة بيت الحكمة العباسي، غير أنه يمنحها وظيفة جديدة؛ إذ تتحول المعرفة فيه من مادة ساكنة على الرفوف إلى تجربة مفتوحة للطفل والباحث والقارئ والزائر.

ميدان الثقافة نصب القرآن الكريم ومكتبة الشارقة العامة.

ولا ينفصل بيت الحكمة عن معرض الشارقة الدولي للكتاب، ولا عن هيئة الشارقة للكتاب، ولا عن اختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب عام 2019؛ فهذه العناصر ليست مناسبات متفرقة، بل ملامح بنية ثقافية متكاملة جعلت الشارقة مقصدًا للناشر والكاتب والقارئ، ووجهة للباحث عن المتحف والذاكرة والفن.
الفنون الإسلامية والخط: الحرف حين يصبح مشروعًا حضاريًا
لا تكتفي الشارقة بحفظ المعالم أو عرض الذاكرة في المتاحف، بل تجعل الثقافة فعلًا حيًا يتجدد في المواسم والفعاليات والمشروعات الفنية. ومن هنا تبرز أهمية مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية، الذي غدا منصة عربية ودولية للفن الإسلامي في صوره القديمة والمعاصرة؛ فمنذ انطلاقه عام 1998، يقدّم المهرجان هذا الفن بوصفه لغة جمالية مفتوحة، تجمع الخط والتكوين والتجهيز والتصوير والفنون البصرية، وتعيد قراءة الرمز والضوء والهندسة والفراغ في أفق معاصر.

مكتب صاحب السمو حاكم الشارقة، أحد معالم ميدان الثقافة.

وتكمن قيمة المهرجان في أنه لا يتعامل مع الفن الإسلامي كأثر منغلق على الماضي، بل كطاقة قابلة للتجدد. ففي معارضه وورشه وندواته تلتقي الهندسة الإسلامية بالوسائط الحديثة، ويتحاور الحرف مع الفراغ، وتنتقل الزخرفة من صفحة المخطوط وجدار العمارة إلى قاعة العرض ومساحة التجربة. وبذلك تمنح الشارقة هذا الفن حياة جديدة، تحفظ أصله الجمالي والروحي، وتفتحه على أسئلة الفن المعاصر.
وإلى جانب المهرجان، تؤدي دائرة الثقافة بالشارقة دورًا مؤسسيًا في بناء المشهد الثقافي، من خلال مشروعات ممتدة في المسرح، والشعر، والخط، والفنون، والنشر، والملتقيات الثقافية داخل الإمارة وخارجها. وبهذه الفعاليات لا تبقى الثقافة مناسبة عابرة، بل تغدو ممارسة عامة تتوزع بين القاعات والساحات والمراكز والمعارض.

مشروع قلب الشارقة إحياء الذاكرة العمرانية للمدينة

وللخط العربي في الشارقة مقام خاص؛ إذ يكشف حضور متحف الشارقة للخط، وملتقى الشارقة للخط، ومركز الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة، أن الحرف لا يُعامل بوصفه زينة بصرية، بل ذاكرة حضارية ووسيلة لصون اللغة والجمال. فالمتحف يوثق مسار الخط وأعمال خطاطين محليين ودوليين، والملتقى، الذي انطلقت دوراته عام 2004، يمنح الخط منصة تجمع التجارب الكلاسيكية والمعاصرة، وتربطه بالبحث والتدريس والفنون البصرية الحديثة.
ويكتمل هذا المسار بمركز الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة، بما يؤديه من دور تعليمي وتدريبي في صون المهارة؛ فالخط لا يحيا بالمعارض وحدها، بل بالدرس والمران والمشافهة والصبر على القاعدة والحرف. ومن ثمّ يغدو المركز جسرًا بين الأستاذ والطالب، وبين القاعدة القديمة والحس المعاصر، وبين الحرف كتابةً والحرف فنًا.

مسجد النور وبحيرة خالد في الشارقة

ولا تنفصل هذه المشروعات عن الذاكرة التراثية الأوسع التي تعززها أيام الشارقة التراثية؛ فهي تعيد الموروث الإماراتي والخليجي إلى فضائه الحي عبر الحرف والعروض والحكايات والمأكولات والفنون الشعبية والبيئات البحرية والبرية. وقد أقيمت دورتها الثانية والعشرون عام 2025 تحت شعار «جذور»، وامتدت فعالياتها إلى الشارقة وخورفكان وكلباء، بما يؤكد امتداد التراث في جغرافيا الإمارة كلها.
ومن ثمّ لا تتحرك هذه المشروعات في مسارات متفرقة، بل تتكامل في بناء صورة الشارقة بوصفها مدينة ثقافية ذات أثر عربي وخليجي ودولي. فمهرجان الفنون الإسلامية يصلها بالتراث الجمالي الإسلامي، ومؤسسات الخط تحفظ للحرف مكانته، وأيام الشارقة التراثية تعيد الحياة إلى الذاكرة الشعبية، بينما تمنح دائرة الثقافة هذه العناصر إطارًا مؤسسيًا مستمرًا. وبهذا لا تكون الثقافة في الشارقة واجهة احتفالية، بل نظامًا متصلًا من التعليم والعرض والحفظ والإبداع والحوار.

متحف الشارقة للحضارة الإسلامية

أحياء المدينة وشوارعها: خريطة الحياة اليومية
لا تكتمل قراءة الشارقة دون أحيائها وشوارعها؛ فالأحياء ذاكرة المدينة اليومية، والشوارع عروقها التي تصل أطرافها ببعض. ففي القاسمية، وأبو شغارة، واليرموك، والمناخ، والناصرية، والفلج، والقادسية، والمصلى، وبوطينة، وأبو دانق، تتشكل صورة الشارقة السكنية والتجارية القديمة نسبيًا، حيث تتقاطع حياة المقيمين والطلاب والتجار والموظفين، وتغدو العمارات والأسواق والمساجد والمدارس جزءًا من المشهد اليومي.
وفي المجاز، والخان، والخالدية، والتعاون، والنهدة، والممزر، والطي، تمتد المدينة نحو الماء والحركة والواجهات الحديثة؛ فالمجاز يمنحها صورتها العائلية الهادئة، والخان يحفظ صلتها بالبحر والصيد والذاكرة الساحلية، بينما يعكس التعاون والنهدة إيقاعًا حضريًا كثيفًا يتصل بالسكن والعمل والعبور اليومي بين الشارقة ودبي. أما الممزر، فيستبقي ذاكرة الشاطئ والامتداد البحري.

قناة القصباء في الشارقة، إحدى الواجهات المائية والثقافية البارزة في المدينة.

وفي المويلح، وتجارية مويلح، والجرينة، والرحمانية، والسيوح، والقرائن، وحوشي، والزاهية، والنوف، والجادة، تتبدى الشارقة الجديدة: أحياء عائلية، ومراكز تجارية، ومدارس وجامعات، ومساحات مفتوحة، وطرق واسعة. وتقدّم الجادة، بفضاءاتها ومرافقها ومركز مدار، نموذجًا عمرانيًا معاصرًا يسعى إلى جمع السكن والعمل والترفيه في بيئة واحدة.
وتحمل شوارع الشارقة الكبرى ذاكرة الحركة والتحول؛ فالعروبة، والاستقلال، والملك فيصل، والوحدة، وجمال عبد الناصر، والكورنيش، والميناء، وواسط، ومليحة، وطريق الذيد، ليست خطوط مرور فحسب، بل مسارات في حياة الناس، تصل الأسواق بالبيوت، والجامعة بالمركز، والبحيرة بالأحياء، والصحراء بالقلب العمراني. وعلى نطاق أوسع، تربط طريق الشيخ محمد بن زايد، وطريق الإمارات، وطريق الشارقة–كلباء، بين المدينة وامتدادات الإمارة، من الذيد ومليحة إلى كلباء وخورفكان.

قصر الثقافة في ميدان الثقافة بالشارقة.

المساجد والأسواق والواجهات: جمال المكان وروح الناس
للمساجد في الشارقة حضور يتجاوز الوظيفة الدينية إلى الدلالة المعمارية والرمزية. فمسجد النور على بحيرة خالد يجاور الماء والضوء في مشهد بصري مميز، ويقف مسجد الملك فيصل معلمًا حضريًا بارزًا في قلب المدينة، بينما يقدم مسجد الشارقة الكبير صورة حديثة رحبة للعمارة الإسلامية. ومع المساجد المنتشرة في الأحياء، تمتد السكينة في نسيج المدينة من قلبها القديم إلى أطرافها الجديدة.
ولا تقل الواجهات المائية والأسواق أهمية في تشكيل صورة الشارقة؛ فبحيرة خالد، وكورنيش البحيرة، وواجهة المجاز، والقصباء، وجزيرة النور، وجزيرة العلم، وشاطئا الخان والحيرة، فضاءات يعيش فيها الناس علاقتهم بالمدينة خارج حدود البيت والعمل. وفيها يلتقي الماء بالعائلة والمشي والتأمل، وتمتزج الطبيعة بالفن والتصميم كما في جزيرة النور وبيت الفراشات.

خورفكان الجبل والبحر في الساحل الشرقي للشارقة

أما السوق المركزي، بقبابه وزخارفه وواجهاته المعروفة، فيبقى أحد أبرز معالم الذاكرة البصرية للمدينة؛ فهو سوق وعمارة وصورة في آن واحد. ويعيد سوق الجبيل المدينة إلى حاجاتها اليومية، بينما يستبقي سوق العرصة صورة السوق بوصفه ذاكرة لا مجرد تجارة. وتضيف القصباء والمجاز والجادة ومدار والمنتزه بعدًا اجتماعيًا واضحًا؛ فالشارقة لا تبني معالمها للنظر وحده، بل للعيش وصناعة علاقة يومية مع المكان.
من المدينة إلى الإمارة: صحراء وجبال وبحر
ليست الشارقة مدينةً فحسب؛ فالإمارة أوسع من مركزها الحضري، تمتد من الخليج العربي إلى الداخل والصحراء، ثم إلى الساحل الشرقي حيث الجبال والبحر. ومن هذا الامتداد تستمد فرادتها: فهي مدينة متاحف وكتاب، وإمارة أثر وصحراء وجبال ومرافئ ومحميات.

بيت الفراشات في جزيرة النور، حيث يلتقي التصميم المعماري المعاصر بالطبيعة والفن

في مليحة وجبل الفاية تتكلم الأرض بلغة أقدم من المدن؛ فهنا لا تبدو الشارقة عمرانًا حديثًا أو تراثًا قريبًا فحسب، بل أرضًا تحفظ ذاكرة الإنسان في شبه الجزيرة العربية. ويجعل مركز مليحة الأثري، ومشهد الفاية، وصخرة الجمل، والصخور الأحفورية، وفضاءات الصحراء المحيطة، من المنطقة فصلًا أثريًا وعلميًا وسياحيًا بالغ الأهمية. وفي البداير والذيد والمدام وما حولها، تتسع الصورة إلى الواحات والرمال والبيئة الزراعية والذاكرة البدوية.
وعلى الساحل الشرقي، تتبدى الشارقة في وجه آخر عبر خورفكان وكلباء ودبا الحصن. ففي خورفكان يلتقي الجبل بالبحر، ويحضر الكورنيش والمدرج والشلال والميناء والمسارات الجبلية وسد الرفيصة وقرية نجد المقصار، فتبدو المدينة لوحةً بين الصخر والماء. وفي كلباء تمتد غابات القرم والمحميات والبحر والطيور، ليغدو المشهد الطبيعي جزءًا من هوية الإمارة. أما دبا الحصن، فتحفظ صلة الشارقة بالساحل والتاريخ البحري وبحر عمان.
وهذه الامتدادات ليست أطرافًا تابعة للمدينة، بل مكوّنات أصيلة في معناها؛ فالشارقة لا تُقرأ من مركزها وحده، بل من صحراء مليحة، ومزارع الذيد، وجبال خورفكان، وقرم كلباء، كما تُقرأ من شوارعها القديمة، وبيوت تراثها، وأسواقها، ومكتباتها. إنها إمارة متعددة الطبقات، لا يكتمل فهمها إلا حين يُرى البحر والصحراء والكتاب والجامع والمتحف في صورة واحدة.

مدينة لا تعرض معالمها بل تروي نفسها
حين نجمع معالم الشارقة وأحياءها وشوارعها ومهرجاناتها ومؤسساتها في نظرة واحدة، ندرك أننا لا نواجه قائمة مواقع، بل خريطة معنى. فالحصن يحفظ ذاكرة الحكم، والسوق يحفظ حياة الناس، والمتحف يصون الأثر، والجامع يمنح السكينة، والمكتبة تحفظ العقل، والشارع يروي حركة المدينة، والواجهة المائية تصلها بالجمال، والصحراء تحفظ تاريخ الإنسان، والبحر يستبقي ذاكرة العبور والرزق.
هذه هي الشارقة في صورتها الأعمق: مدينة لا تعرض معالمها بوصفها أشياء متفرقة، بل تروي ذاتها من خلالها. فيها يتجاور القديم والجديد دون قطيعة، وتتحاور الذاكرة والحداثة دون افتعال، ويغدو المكان جزءًا من مشروع ثقافي واسع. ومن هنا تكتسب الشارقة أثرها الخاص في الخليج والعالم العربي؛ لأنها جعلت بناء الإنسان أصلًا، والمعرفة قرينةً للعمران، والمعلمَ الحقيقي شاهدًا قادرًا على أن يعلّمنا شيئًا عن أنفسنا.
ومن هنا لا تبدو الشارقة مدينةً في الشرق وحده، بل شارقةً للدنيا؛ مدينةً جعلت من المعرفة أساسًا لعمرانها، ومن الذاكرة روحًا لمعالمها، ومن الثقافة أفقًا مفتوحًا للإنسان بين الكتاب والفن والتراث والطبيعة. إنها لا تروي ذاتها من معلم واحد، بل تقرأ تاريخها في حصنها، ووعيها في متاحفها، وحياة ناسها في أسواقها، وسكينتها في مساجدها، وذاكرتها في بيوتها القديمة، ومستقبلها في مكتباتها، واتساعها في شوارعها، وعمقها في صحرائها وبحرها. وكلما ظن الزائر أنه بلغ غاية المشهد، انفتح له من ورائه معنى أبعد؛ كأن الشارقة لا تمنح نفسها دفعةً واحدة، بل تكشف عن روحها طبقةً بعد طبقة، حتى يدرك أن جمالها لا يقف عند ما يُرى، بل يبدأ منه.

الكاتبة: رحاب سيد عباس دندراوي، مصر

الهوامش:

(1) هيئة الإنماء التجاري والسياحي بالشارقة، «قلب الشارقة»، الموقع السياحي الرسمي للشارقة، تاريخ الاطلاع في 2 مايو 2026.
(2) اليونسكو، «الشارقة عاصمة عالمية للكتاب 2019»، الموقع الرسمي لليونسكو، 26 يونيو 2017، تاريخ الاطلاع في 8 مايو 2026.
(3) دائرة الثقافة بالشارقة، «مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية»، الموقع الرسمي لدائرة الثقافة، تاريخ الاطلاع في 6 مايو 2026.
(4) دائرة الثقافة بالشارقة، «البرامج والفعاليات الثقافية»، الموقع الرسمي لدائرة الثقافة، تاريخ الاطلاع في 1 يونيو 2026.
(5) هيئة الإنماء التجاري والسياحي بالشارقة، «متحف الشارقة للخط»، الموقع السياحي الرسمي للشارقة، تاريخ الاطلاع في 5 يونيو 2026.
(6)دائرة الثقافة بالشارقة، «ملتقى الشارقة للخط»، الموقع الرسمي لدائرة الثقافة، تاريخ الاطلاع في 13 مايو 2026.
(7) دائرة الثقافة بالشارقة، «مركز الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة»، الموقع الرسمي لدائرة الثقافة، تاريخ الاطلاع في 4 يونيو 2026.
(8) معهد الشارقة للتراث، «أيام الشارقة التراثية: الدورة الثانية والعشرون»، الموقع الرسمي للمعهد، 2025، تاريخ الاطلاع في 3 يونيو 2026.

 

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *