الاغتراب كعدة جمالية في تجربة الفنان التشكيلي قيس السندي

الاغتراب كعدة جمالية في تجربة الفنان التشكيلي قيس السندي

الفنان التشكيلي العراقي “قيس السندي” من الأسماء الفنية المعاصرة التي اتخذت من الاغتراب منصة لإعادة التنقيب في  مساءلة الهوية وتفكيك عقدة الانتماء. في تجربته البصرية الثرية، لا يبدو “الحنين إلى الجذور” مجرد استجابة عاطفية، أو نوستالجيا رومانسية عابرة ترثي ماضياً مفقوداً، بل يتشكل كبنية مفاهيمية معقدة تخترق طبقات اللوحة، وتؤسس لخطاب نقدي موازٍ يواجه أسئلة المنفى، الفقد، والذاكرة الجمعية. السندي، الذي حمل العراق معه إلى أقاصي الأرض، يحيل قماش اللوحة إلى جغرافيا بديلة؛ حيث يتوقف الزمن المادي المنهك، ليبدأ زمن الذاكرة الخالدة.


سيمياء الرموز: استنطاق الموروث المترسخ في الذاكرة
عند تفكيك المفردات التشكيلية في أعمال السندي، نلحظ حضوراً مكثفاً للعلاقات الأيقونية التي تحيل إلى البنية  العراقية والرافدينية. هذا الاستدعاء للموروث لا يأتي في سياق التوثيق الكلاسيكي أو النقل الحرفي للتاريخ، بل كفعل استنطاق حداثي.
الأيقونات الحضارية: يوظف السندي  المظهر والزي واللون والانفعال التعبيري الجسدي العاطفي  كشفرات بصرية تقاوم “الممحاة الكبرى” للمنفى.
فاجعة حرق المكتبات: في مقاربته الشهيرة لفاجعة حرق وتدمير مكتبة بغداد، لا يبكي السندي الرماد فحسب، بل يقرأ في احتراق الكتب احتراقاً لجزء من جسد الهوية.


إن الكتب المتطايرة والحروف المتناثرة في فضاء اللوحة هي في جوهرها محاولة يائسة للإمساك بجذور تُقتلع بقسوة. هنا، يتحول الحنين من حالة سكونية (رثائية) إلى ديناميكية صراعية؛ حنين يصرخ في وجه التدمير الممنهج للتراث، جاعلاً من اللوحة وثيقة إدانة تاريخية.
ومن بين رماد الفجيعة ووهج الانتماء تلعب البنية اللونية في تجربة السندي دوراً درامياً يعكس التوتر النفسي والوجودي لتجربة الاغتراب. تتأرجح باليتة ألوانه بين نقيضين يختزلان المسافة الجغرافية والروحية بين “هنا” (المنفى) و”هناك” (الوطن):
الألوان الترابية الحارة:
وتتمثل في تدرجات الأوكر، البني، والأحمر الآجوري. هي ألوان تستحضر حرارة الطين الرافديني، وأزقة بغداد القديمة، وشمس الشرق. هذه الألوان تمثل مركز الثقل الوجداني في أعماله، وتنبض بطاقة الحياة والمقاومة.
الألوان الباردة الحيادية  تغطي مساحات الفضاء والخلفيات، لتعبر عن برودة الغربة، وعزلة الكائن المقتلع من بيئته، أو ربما تعكس دخان الحرائق الذي غيّب ملامح الوطن.
إن هذا التضاد اللوني يخلق هارموني قلق، يضع المتلقي في قلب المعاناة الوجدانية للفنان، حيث لا يمكن فصل ضربة الفرشاة أو تدفق اللون عن الشحنة العاطفية للحنين.


تقنيات التعبيرالتي يتبعها السندي اقرب ماتكون  ASSEMBELEGE  ,ومونتاج يحاول ترميم الذاكرة المهشمة
فهو لا يكتفي السندي باللون المباشر ، بل يلجأ إلى تعدد المناخات  في أعماله. هذا التكنيك ليس ترفاً شكلياً، بل يحمل بديلا للوسائط المتعددة التي يحاول كاكاديمي محترف ان يعوضها بحرفته هنا او هناك مقدما     دلالات نقدية تتسق مع ثيمة الاغتراب وكيف ان المغترب يعيش حياة مجزأة، وتتكون هويته في المنفى من شظايا متناثرة يحاول جمعها وترميمها. التنوع اللوني  هنا يصبح معادلاً موضوعياً لعملية التذكر؛ حيث تتراكم الطبقات (اللونية والمادية) لتخلق سطحاً خشناً يحاكي عملية الاستدعاء والتذكر التي تكشف  أثر الزمن ولمسات الغائبين.
وتسهم في هندسة المكان المفقود حيث لا يعتمد السندي على المنظور التقليدي في بناء فضاء اللوحة، بل يميل إلى خلق فضاء موازٍ محايث  يطفو فيه الشخوص والأشياء بانعدام وزن فيزيائي.
الشخوص في لوحات السندي غالباً ما يكونون في حالة ترحال دائم؛ يحملون معهم حقائب الذاكرة، أو يلتفون بأقمشة تذكرنا بالأكفان حيناً وبخيام اللجوء حيناً آخر.


هذه الشخوص لا تستقر على أرض صلبة، مما يعكس بوضوح حالة “اللا-يقين” التي يعيشها المغترب. والجسد البشري والحيواني – الحصان – الديك –  هنا ليس مجرد كتلة تشريحية، بل هو وعاء للذاكرة يرزح تحت ثقل تاريخ طويل من الخيبات والأحلام المؤجلة. تراهم شاخصين بأبصارهم نحو مجهول يقع خارج إطار اللوحة، مجسدين “أيقونات إنسانية” تعكس أزمة الإنسان المعاصر المحروم من أرضه.
يقدم قيس في تجاربه الفن كفعل مقاومة للنسيان في المحصلة، و تمثل تجربته أنموذجاً لقدرة الفن التشكيلي على تحويل “الحنين إلى الجذور” من وجع شخصي وفردي إلى قضية إنسانية شمولية. فاللوحة لديه ليست مجرد مساحة لسكب الألوان وإظهار البراعة التقنية، بل هي ميدان لمعركة وجودية ضد النسيان والتهميش.
من خلال  استيعابه لأدواته النقدية والفنية، يعيد السندي بناء وطنه المفقود بالريشة والرمز، مؤكداً أن الجذور التي تضرب عميقاً في الروح لا يمكن لأي جغرافيا عابرة أن تقتلعها. يظل فنه صوتاً بصرياً يذكرنا بأن الاغتراب قد يُغيّر مكان الجسد، لكنه أبدًا لا يستطيع أن يصادر بوصلة القلب التي تشير، وبإصرار عنيد، إلى الوطن.
إن الحديث عن “الحنين إلى الجذور” في تجربة قيس السندي  هو تنقيب في تجليات الاغتراب من المكان المفقود إلى تشظي الذات لا يكتمل دون التوقف، وبشكل نقدي معمق، عند المفهوم الرديف والمولد لهذا الحنين، ألا وهو  ان “الاغتراب” (Alienation). الاغتراب في القاموس البصري للسندي ليس مجرد انتقال فيزيائي من جغرافيا مأزومة إلى أخرى آمنة، بل هو حالة وجودية ضاغطة يعيشها الفنان  (Existential condition) تعيد  وتعيد تكييف وتكميم  وعيه الفني  المعاصر بالعالم من حوله. إنه اغتراب مركب: اغتراب عن الوطن الأم الذي يتشظى، واغتراب داخل المجتمعات الجديدة (المنفى) التي تقف على مسافة باردة من مأساته.
وعليه فان سيكولوجيا الاغتراب في أعمال السندي تتبلور  من خلال عدة مسارات بصرية ونقدية:
اتخذت من الحقيبة كـ “وطن محمول” ومحطة انتظار أبدية
تتكرر في العديد من أعماله، لكنها تُفرغ من وظيفتها النفعية لتتحول إلى أيقونة مفاهيمية بليغة للاغتراب.
الحقيبة عند السندي ليست أداة لحمل الأمتعة، بل هي قبو للأسرار، ووعاء يضم بقايا الذاكرة المهددة بالمصادرة.
تارة تظهر الحقائب مكدسة وكأنها شواهد قبور في محطات قطار لا تصل أبداً، وتارة أخرى يحملها شخوص منهكون وكأنها صليبهم اليومي. هذا الاستخدام يعكس حالة “الترانزيت النفسي” المستمر؛ فالمغترب العراقي، حتى وإن استقر جغرافياً، يبقى في حالة تأهب للرحيل، عاجزاً عن الانتماء الكامل للمكان الجديد.
فيما يعد إصراره على طمس الملامح تنويها مبطنا لأزمة الهوية البرزخية اذ تتجلى قسوة الاغتراب في معالجة السندي للوجوه البشرية.
و تحييد ملامح شخوصه، أو جعلها شبه ممحوة، أو متداخلة مع نسيج اللوحة الخشن. هذا التغييب المتعمد للملامح يمثل ترجمة بصرية حادة لأزمة الهوية في مجتمعات الشتات؛ حيث يجد الكائن المغترب نفسه في منطقة “برزخية” قلقة: فهو لم يعد يشبه ماضيه تماماً، ولم يستطع الذوبان الكامل في هوية على محاولات التكيف المؤلمة لحالة .
شبيهة بفوبيا اللامكان (Non-place السباحة في فضاء بلا قواعد اذ يعمد السندي إلى تجريد خلفيات لوحاته من الإحداثيات الجغرافية المألوفة.
الشخوص لا يقفون على معالم  معروف، ولا تحيط بهم جدران حقيقية، بل يسبحون في فضاءات لونية ضبابية، تجريدية، وموحشة. هذا الفضاء هو ما يمكن تسميته نقدياً بـ “اللامكان”.
إن انتزاع الشخوص من سياقهم المكاني يؤكد فكرة الاقتلاع، فالمغترب فقد مكانه الأول، وهو لايرضى نفسيا وجينيا ان يمنحه المكان الثاني جذوراً جديدة، مفضلا البقاء  معلقاً في فضاء مبتكر  فنيا  يعكس قدرته على التوفيق بين الشخصية المبدعة و الفراغ الروحي المتراكم الذي يحول الاغتراب الى طاقة محفزة رغم الجرعة العالية من الشجن والأسى، لا يسقط السندي في فخ “العدمية” أو السلبية. وهنا تكمن أهمية  المعالجة؛ حيث يقوم بعملية “إعلاء (Sublimation) نفسية وفنية، محولاً الاغتراب من حالة شلل وانهزام إلى محرك دافع للخلق والإبداع.
الفن، واللوحة، وقماش الكانفاس، يصبحون هم “الوطن البديل” والملجأ الأخير الذي يمارس فيه السندي سيادته وحريته المطلقة بعيداً عن سلطة الحدود وجوازات السفر.
شكل  الاغتراب عدة  قيس السندي  التي يكمم من خلالها حجم العاطفة .ورغم ان  لوحاته لا تقدم إجابات مطمئنة، بل تطرح أسئلة مقلقة حول جدوى الوجود خارج التربة الأولى، فانها تجعل المتلقي شريكاً في هذا القلق الإنساني العميق. فكل لون مسكوب، وكل خط متوتر في أعماله، هو في النهاية محاولة شجاعة لترويض وحش الغربة الذي يسكن في الداخل.

البروفيسور سلام جبار
فنان تشكيلي وناقد
دبي – 24-7-2026

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *