من يملك الحقيقة في عصر المنصات؟

من يملك الحقيقة في عصر المنصات؟

بين الصحافة المهنية وصناع المحتوى والمؤثرين
لم تعد المنافسة في المجال الإعلامي تقتصر على الصحف والقنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية. فقد أفرزت البيئة الرقمية فاعلين جددا استطاعوا، خلال سنوات قليلة، أن يستقطبوا ملايين المتابعين، وأن يتحولوا إلى مصدر رئيسي للأخبار والتعليق والتحليل بالنسبة إلى فئات واسعة من الجمهور، خصوصا الشباب.
ولعل أبرز ما يكشفه تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز هو أن الحدود الفاصلة بين الإعلام المهني والمحتوى الرقمي أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فعدد متزايد من المستخدمين لا يميز بين الخبر الذي أنتجته مؤسسة إعلامية وفق قواعد مهنية، وبين مقطع فيديو يصوره مؤثر بهاتفه المحمول، إذا كان كلاهما يصل إليه عبر المنصة نفسها. وهذا التحول يفرض أسئلة عميقة حول مستقبل الصحافة، ومفهوم المصداقية، ومن يمتلك سلطة التأثير في الرأي العام.
صعود المؤثر وتراجع الوسيط
في النموذج الإعلامي التقليدي، كانت المؤسسة الصحفية تؤدي دور الوسيط بين الحدث والجمهور. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان أي شخص يمتلك هاتفا ذكيا وحسابا على إحدى المنصات أن يبث الصور والمعلومات والتعليقات مباشرة إلى مئات الآلاف، وربما الملايين، من المتابعين.
هذا التحول يحمل وجها إيجابيا يتمثل في توسيع دائرة التعبير وإتاحة المجال لأصوات جديدة، لكنه في المقابل أضعف قدرة الجمهور على التمييز بين المعلومة الموثقة والانطباع الشخصي، وبين التحقيق الصحفي والرأي الفردي.
وليس كل مؤثر صحافيا، كما أن كل صحافي ليس مؤثرا. فلكل منهما وظيفة مختلفة، ومعايير مختلفة، ومسؤوليات مختلفة.
هل أصبحت الشعبوية بديلا عن المصداقية؟
في اقتصاد المنصات، كثيرا ما تُقاس القيمة بعدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات، بينما تقوم الصحافة المهنية على معايير أخرى: التحقق، والتوازن، والدقة، واحترام أخلاقيات النشر.
وهنا تكمن المفارقة. فقد يحقق محتوى غير موثق انتشارا واسعا لأنه مثير أو صادم، بينما لا يحظى تحقيق صحفي رصين بالانتشار نفسه لأنه يتطلب وقتا للقراءة والتأمل.
إن الخطر لا يكمن في وجود صناع المحتوى، فهم أصبحوا جزءا من المشهد الإعلامي الجديد، بل في أن تتحول معايير النجاح التي تحكم المنصات إلى معايير تحكم الصحافة نفسها. فعندما يصبح الهدف الأول هو رفع نسب المشاهدة بأي ثمن، تتراجع المصلحة العامة أمام منطق السوق والانتباه.
الصحافة ليست مجرد إنتاج للمحتوى
من الأخطاء الشائعة اليوم اختزال الصحافة في عملية إنتاج المحتوى. فالمحتوى يمكن أن ينتجه أي شخص، بل ويمكن أن تنتجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في ثوانٍ معدودة.
أما الصحافة، فهي منظومة متكاملة تبدأ بالتحقق من الوقائع، وتمر بتعدد المصادر، واحترام حق الرد، ووضع الأحداث في سياقها، وتنتهي بتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عما يُنشر.
ولهذا فإن السؤال ليس: من ينتج محتوى أكثر؟ بل: من ينتج معرفة أكثر موثوقية؟
المغرب.. الحاجة إلى بيئة إعلامية متوازنة

يعكس الواقع المغربي هذه التحولات بوضوح. فقد أصبحت المنصات الاجتماعية مجالا رئيسيا لتداول الأخبار والنقاشات العامة، في حين تواجه المؤسسات الإعلامية تحديا مزدوجا: الحفاظ على مهنيتها، وفي الوقت نفسه تطوير أساليبها للوصول إلى جمهور اعتاد السرعة والتفاعل.
ولا ينبغي أن يكون التعامل مع صناع المحتوى منطق إقصاء أو خصومة، بل منطق تكامل يقوم على احترام الاختصاصات. فالمؤثر قد ينجح في جذب الانتباه إلى قضية ما، لكن الصحافة هي التي تمتلك الأدوات المهنية للتحقيق فيها، وتدقيقها، وتقديمها للرأي العام في إطار يحترم الحقيقة وحقوق الأفراد.
المستقبل.. شراكة لا استبدال
لا تشير المؤشرات إلى أن صناع المحتوى سيختفون، كما لا تدل على أن الصحافة ستفقد ضرورتها. بل يبدو أننا نتجه نحو فضاء إعلامي تتعايش فيه أنماط متعددة من إنتاج المعلومات.
غير أن هذا التعايش لن يكون صحيا إلا إذا حافظت الصحافة على ما يميزها: الاستقلالية، والموثوقية، والمسؤولية، والمساءلة، والالتزام بالمصلحة العامة. فهذه القيم ليست عبئا على المؤسسات الإعلامية، بل هي مصدر شرعيتها في مجتمع تغمره المعلومات وتتسارع فيه الشائعات.
لقد غيرت المنصات طريقة وصول الخبر إلى الجمهور، لكنها لم تغير حاجة المجتمع إلى الحقيقة. وربما يكون التحدي الأكبر أمام الصحافة هو ألا تنشغل بمنافسة المؤثرين في عدد المتابعين، بل أن تعزز مكانتها بوصفها المرجع الذي يعود إليه الجميع عندما يصبح التحقق أهم من الإثارة، والدقة أهم من السرعة، والثقة أهم من الانتشار.

بالعربي من باريس
حسن اليوسفي المغاري

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *