كيف تصنع الآلةُ صورةَ العبور: الهجرة بين فانتازيا الغزو وشاشة الذكاء الاصطناعي.
أصبح تمثيل الهجرة في الفضاء الرقمي جزءاً من معركة رمزية تتجاوز نقل الوقائع إلى صناعة الصور التي تحدد، في كثير من الأحيان، كيف يُنظر إلى المهاجر قبل أن يُسمع صوته أو تُفهم قصته. وفي هذا السياق، تكتسب الصور ومقاطع الفيديو التي تُنتجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة، لأنها لا تكتفي بإعادة تركيب الواقع، بل تستطيع أن تخلق واقعاً بصرياً لم يحدث أصلاً، ثم تقدمه للمشاهد في هيئة شهادة تبدو قابلة للتصديق. وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت الصورة اصطناعاً، ازدادت قدرتها أحياناً على تقليد علامات الحقيقة.
تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما تيك توك، مقاطع تبدو للوهلة الأولى وكأنها تسجيلات حية لوصول مهاجرين إلى السواحل البريطانية. قوارب مكتظة، وجوه مرهقة، أمواج مضطربة، كاميرا مهتزة، إضاءة طبيعية وأصوات متداخلة؛ أي إن الصورة تستعير عمداً جماليات الفيديو العفوي الذي يلتقطه الهاتف المحمول، كما تستعير في الوقت نفسه لغة التقرير الميداني. غير أن هذه المشاهد قد لا تكون قد حدثت في أي مكان أو في أي وقت؛ إنها صور مولّدة خوارزمياً انطلاقاً من أوصاف نصية قصيرة.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في كونها مجرد «أخبار زائفة» بالمعنى التقليدي، وإنما في انتقال التزييف من مستوى التلاعب بصورة موجودة إلى مستوى اختلاق المشهد برمته. ففي التلاعب التقليدي تكون هناك صورة أصلية يجري تعديلها أو إخراجها من سياقها، أما في الصورة الاصطناعية فلا وجود بالضرورة لأصل فوتوغرافي يمكن الرجوع إليه. نحن أمام حدث بصري لم يقع، لكنه يُقدَّم في هيئة حدث وقع بالفعل. وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي طرفاً جديداً في صناعة الذاكرة الجماعية، وفي تشكيل المخيلة السياسية والاجتماعية حول الهجرة.
وتستمد هذه الصور جزءاً كبيراً من تأثيرها من استعارتها لما يمكن تسميته «علامات الحقيقة»: اهتزاز الكاميرا، عدم انتظام الإضاءة، رداءة الصوت، الاقتراب المفرط من الوجوه، الحركة غير المستقرة، واللقطات التي توحي بالعفوية. وهي عناصر كانت في الماضي علامات على محدودية الوسيط، لكنها تحولت اليوم إلى أدوات لإنتاج المصداقية. والمفارقة أن ما كان يثبت أن الصورة عفوية أصبح قابلاً للمحاكاة بواسطة الآلة. لقد أصبح من الممكن، بعبارة أخرى، تصنيع العفوية نفسها.
وفي هذا السياق، تبرز صورة المهاجر بوصفها مادة مثالية لإعادة إنتاج المخاوف الجماعية. فالمهاجر لا يظهر دائماً بوصفه فرداً له سيرة وتجربة ودوافع معقدة، بل يتحول إلى جزء من كتلة بشرية تتحرك عبر البحر أو الحدود. ومن هنا تنشأ عملية اختزال خطيرة: يتحول الإنسان إلى «مشهد»، والرحلة إلى «اقتحام»، والحدود إلى «جبهة»، والحركة البشرية إلى استعارة عسكرية توحي بالخطر والغزو.
ولا يمكن فهم هذه الصناعة الرقمية للصورة بمعزل عن السياقات السياسية والإعلامية التي أصبحت فيها الهجرة موضوعاً مركزياً للجدل. فحين تتكرر الصور نفسها، وتتكرر معها العبارات والعناوين والرموز البصرية، تتكون لدى المتلقي تدريجياً ذاكرة بصرية نمطية: قارب، مجموعة من الرجال، شاطئ أوروبي، حدود، خوف، ثم وصول. وهكذا لا يعود المشاهد أمام واقعة محددة، بل أمام قالب بصري للهجرة يعاد إنتاجه بلا نهاية.
وتتضح هذه المسألة بصورة خاصة عند النظر إلى محاولات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة. فقد تحولت الحدود المحيطة بالمدينة، خلال السنوات الأخيرة، إلى فضاء شديد الحساسية تختلط فيه الهجرة غير النظامية بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبالتوترات الجيوسياسية. وشهدت المنطقة محاولات جماعية لعبور الحدود من طرف مهاجرين ينحدر بعضهم من بلدان إفريقية جنوب الصحراء ومن مناطق الساحل، إلى جانب مغاربة وغيرهم، في سياقات ودوافع ومسارات مختلفة. ولذلك فإن اختزال هذه الوقائع في مفهوم «غزو سبتة» لا يصف الظاهرة بقدر ما يعيد تأطيرها داخل قاموس عسكري وأمني.
إن المقارنة بين المشاهد المتداولة حول سواحل بريطانيا والصور المرتبطة بحدود سبتة تكشف عن آلية مشتركة في إنتاج الخيال الإعلامي: تحويل الحركة البشرية إلى صورة للتهديد. ففي الحالتين، يمكن أن تُنتزع صورة الفرد من سياقه لتصبح دليلاً بصرياً على وجود «جماعة» يُفترض أنها تتقدم نحو المجال الأوروبي. ومع تكرار الصور، تتراجع الفروق بين اللاجئ والمهاجر وطالب العمل والشخص الهارب من الفقر أو النزاع، لتذوب جميعها في صورة واحدة: «المهاجر القادم».
وهنا ينبغي الحذر من الوقوع في مفارقة أخلاقية ومنهجية؛ إذ إن نقد التمثيل الإعلامي لا ينبغي أن يؤدي بدوره إلى تعميم صورة نمطية جديدة عن الأشخاص المنحدرين من بلدان الساحل أو إفريقيا جنوب الصحراء. فالمشكلة ليست في أصل المهاجر أو هويته الجغرافية، وإنما في الطريقة التي يُحوَّل بها الاختلاف الجغرافي والاجتماعي إلى علامة على الخطر. كما أن الأشخاص الذين يعبرون الحدود ليسوا كتلة متجانسة، ولا يمكن اختزال تجاربهم في سبب واحد أو نية واحدة.
ومن هذه الزاوية، تصبح سبتة مختبراً بالغ الدلالة لفهم العلاقة بين الحدود والصورة. فالحدود ليست مجرد خط جغرافي يفصل بين مجالين سياسيين، بل هي أيضاً جهاز بصري ينتج باستمرار صوراً عن «الداخل» و«الخارج»، وعن «نحن» و«هم». وكلما تكررت صور الحشود عند السياج أو القوارب عند الشاطئ، أصبحت الحدود في المخيلة العامة مكاناً دائماً للتهديد، وأصبح المهاجر هو الشخصية التي تجسد هذا التهديد.
غير أن الذكاء الاصطناعي يضيف إلى هذه المعادلة عنصراً جديداً وخطيراً: إمكان إنتاج الحدث الذي لم يحدث ثم التعامل معه باعتباره قابلاً للحدوث. فالصورة الاصطناعية لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة حتى تكون مؤثرة؛ يكفي أن تكون منسجمة مع صورة مسبقة مستقرة في ذهن المتلقي. وإذا كان المشاهد قد اعتاد رؤية قوارب المهاجرين على شاشته، فإن ظهور قارب جديد، حتى لو كان مولداً رقمياً، لن يبدو غريباً عليه. إن قوة الصورة الزائفة لا تأتي دائماً من قدرتها على خداع العين، وإنما من قدرتها على الانسجام مع ما يرغب المتلقي أو يخشى أن يراه.
وهنا تتقاطع التقنية مع ما يمكن تسميته «اقتصاد الخوف البصري». فالمنصات الرقمية تعمل وفق منطق الانتباه، والصور الأكثر إثارة للدهشة أو الخوف أو الغضب تملك فرصاً أكبر في التداول. وكل مشاهدة يمكن أن تصبح مدخلاً إلى مشاهدة أخرى مشابهة، فتتكون دائرة مغلقة من التكرار: قارب، مهاجرون، حدود، وصول، خوف؛ ثم قارب آخر ومهاجرون آخرون وحدود أخرى. ومع مرور الوقت، لا يعود الخوارزم هو مجرد ناقل للمحتوى، بل يصبح شريكاً في بناء البيئة البصرية التي يعيش فيها المستخدم.
وهذا يفرض على الدراسات الإعلامية والسينمائية إعادة النظر في مفهوم الوثيقة البصرية. فقد كان السؤال الكلاسيكي هو: هل الصورة حقيقية أم مزيفة؟ أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً: كيف تصنع الصورة إحساساً بالحقيقة حتى عندما لا تكون لها علاقة بحدث واقعي؟ إن معيار التحقق لم يعد مرتبطاً فقط بما نراه، بل أيضاً بكيفية إنتاج ما نراه، وبالمسار الذي سلكته الصورة قبل أن تصل إلينا.
وتزداد أهمية هذا السؤال في السياقات الحدودية، حيث تكون الصورة محملة مسبقاً بتوترات سياسية وأمنية وإنسانية. ففي حالة سبتة، كما في السواحل الأوروبية الأخرى، يمكن للصورة أن تتحول بسرعة إلى أداة لتبرير خطاب أمني، أو إلى وسيلة لتكريس تصور يرى الحدود باعتبارها حصناً ينبغي الدفاع عنه ضد «آخر» غامض. وفي المقابل، يمكن للصورة نفسها، إذا أُعيد وضعها في سياقها الإنساني، أن تفتح مجالاً لفهم أعمق لمسارات الهجرة وأسبابها وتعدد دوافعها.
لذلك لا تكمن المسألة الأساسية في السؤال عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على الصورة الصحفية، وإنما في الكيفية التي ينبغي بها للمجتمع أن يتعلم قراءة الصورة بعد أن أصبحت الآلة قادرة على اختلاق واقعها الخاص. إن التربية الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تقتصر على التمييز بين الخبر الكاذب والصحيح، بل أصبحت تتطلب معرفة بآليات توليد الصور، وباقتصاد المنصات، وبالتحيزات التي يمكن أن تحملها الخوارزميات، وبالسياقات السياسية التي تمنح بعض الصور قدرة أكبر على الانتشار من غيرها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المهاجر إلى شخصية مصنوعة سلفاً داخل المخيال الرقمي: وجه بلا اسم، قارب بلا قصة، حدود بلا تاريخ، ووصول بلا أسباب. عندها يصبح الإنسان نفسه مجرد «صورة نمطية» قابلة لإعادة الإنتاج بلا نهاية. ومن هنا تكتسب مقاومة الوصم الإعلامي معنى يتجاوز الدفاع عن المهاجرين؛ إنها دفاع عن الحقيقة نفسها، وعن حق الإنسان في ألا يُختزل في الصورة التي يصنعها عنه الآخرون.
إن ما تكشفه مقاطع الذكاء الاصطناعي المتداولة حول الهجرة ليس فقط أزمة جديدة في مفهوم الحقيقة البصرية، بل أزمة أعمق في علاقتنا بالآخر. فحين تستطيع الآلة أن تصنع مشهداً لم يقع، ثم تمنحه هيئة الذكرى، فإن الخطر لا يعود في الكذب وحده، وإنما في قدرة الكذب المصوَّر على إعادة تشكيل ما نعتقد أنه حدث أو ما نعتقد أنه يمكن أن يحدث. وفي هذا المعنى، تصبح الحدود الرقمية أخطر أحياناً من الحدود الجغرافية، لأنها لا تمنع الجسد من العبور فحسب، بل تستطيع أن ترسم مسبقاً صورته في المخيلة قبل أن يصل.
ومن ثم، فإن مواجهة الوصم الإعلامي للهجرة لا تستدعي فقط التحقق من أصالة الصور، وإنما تستدعي أيضاً تفكيك اللغة التي تصف بها تلك الصور البشر. فالفارق كبير بين أن نتحدث عن «غزو» وبين أن نتحدث عن «محاولات عبور جماعي للحدود»، وبين أن نرى في القادم من الساحل «كتلة تهديد» وبين أن نراه إنساناً يحمل مساراً شخصياً واجتماعياً لا تختصره صورة عابرة. وفي هذه المسافة الدقيقة بين الحدث وصورته، والإنسان وتمثيله، والحقيقة وفانتازيا الخوف، يتحدد جزء أساسي من مستقبل الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي.
د. حسن لغدش
ناقد فني وباحث في الجماليات والفنون البصرية
