هل فقدت الصحافة السيطرة على جمهورها؟ عندما أصبحت الخوارزميات رئيس التحرير الجديد
قبل أقل من عقدين، كانت المؤسسات الإعلامية هي التي تحدد ما يستحق أن يكون خبرا، وتختار ترتيب الأولويات، وتقرر ما ينشر في الصفحة الأولى وما يؤجل أو يستبعد. كان رئيس التحرير هو صاحب القرار النهائي في رسم الأجندة الإخبارية، وكانت العلاقة مع الجمهور تمر حصرا تقريبا عبر الصحيفة أو الإذاعة أو القناة التلفزيونية.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة جذرية.
لم يعد الجمهور يدخل إلى المواقع الإخبارية بالقدر الذي كان عليه في السابق، بل أصبحت الأخبار تصل إليه عبر منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والتطبيقات الذكية. وفي هذا الفضاء الجديد، لم يعد رئيس التحرير هو من يختار الخبر الأول، بل أصبحت الخوارزميات هي التي تقرر ما يظهر للمستخدم، ومتى يظهر، ولمن يظهر.
وتكشف نتائج تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة أن هذه التحولات لم تعد مجرد اتجاهات ناشئة، بل أصبحت واقعا مستقرا يعيد تشكيل العلاقة بين وسائل الإعلام وجمهورها. فالمنصات الرقمية أصبحت بالنسبة إلى ملايين الأشخاص المدخل الأول للأخبار، فيما أخذت الزيارات المباشرة للمؤسسات الإعلامية تتراجع تدريجيا. وهذا يعني أن الصحافة لم تعد تسيطر على قنوات توزيع محتواها كما كانت في الماضي.
من يحدد أهمية الخبر؟
في الصحافة التقليدية، كانت معايير النشر تستند إلى القيمة الإخبارية، والمصلحة العامة، والاعتبارات المهنية والأخلاقية. أما في اقتصاد المنصات، فإن الأولوية تمنح غالبا للمحتوى القادر على جذب الانتباه وإطالة زمن التفاعل، لأن ذلك يحقق عائدا إعلانيا أكبر.
وهكذا أصبح الخبر يتنافس مع الفيديو الترفيهي، والمحتوى الشخصي، والإعلانات، والمقاطع القصيرة، داخل الشاشة نفسها. ولم تعد الجودة وحدها كافية لضمان وصول المادة الصحفية إلى الجمهور، بل أصبحت رهينة خوارزميات لا تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر أهمية، وإنما للمحتوى الأكثر قدرة على تحقيق التفاعل.
ومن هنا بدأت تظهر مفارقة غير مسبوقة: قد ينتج الصحافي تحقيقا استقصائيا استغرق أسابيع من العمل، لكنه يصل إلى جمهور أقل من فيديو قصير لا تتجاوز مدته ثلاثين ثانية.
من السلطة التحريرية إلى السلطة الخوارزمية
هذه التحولات لا تعني اختفاء دور رئيس التحرير، لكنها تعني أن قراره لم يعد وحده كافيا لضمان انتشار المحتوى.
فالخوارزمية أصبحت تمارس، بصورة غير مباشرة، وظيفة تحريرية. فهي تحدد ترتيب المحتويات، وتختار ما يظهر أولا، وتقترح ما ينبغي للمستخدم متابعته، وتبني لكل فرد “صحيفته الخاصة” استنادا إلى اهتماماته وسلوكه الرقمي.
لكن هذه “الصحيفة الشخصية” تختلف عن الصحافة بالمعنى المهني؛ فهي لا تسعى إلى تقديم صورة متوازنة للعالم، بل إلى تعظيم احتمالات التفاعل. وبهذا المعنى، فإن الخوارزمية لا تميز بين الخبر المهم والخبر المثير، وإنما بين المحتوى الذي يجذب الانتباه والمحتوى الذي لا يفعل.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للمغرب؟
في المغرب، تبدو آثار هذا التحول أكثر وضوحا مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي. فكثير من المواطنين يتابعون الأحداث اليومية عبر المنشورات القصيرة أو المقاطع المصورة، قبل الرجوع -والأكيد أنهم لن يرجعوا أصلا- إلى المؤسسات الإعلامية للتحقق أو التوسع.
ولم يعد التحدي الرئيسي أمام الصحافة المغربية هو سرعة نقل الخبر، لأن المنصات تتفوق بطبيعتها في هذا المجال، بل أصبح التحدي هو تقديم ما لا تستطيع المنصات تقديمه: التفسير، والتحقق، والتحليل، وربط الوقائع بسياقاتها.
إن الصحافة التي تكتفي بإعادة نشر ما يتداول على المنصات تخسر مرتين: مرة لأنها تدخل سباقا لا تملك أدوات الفوز فيه، ومرة لأنها تتخلى عن ميزتها المهنية الأساسية.
هل انتهى زمن “حارس البوابة”؟
لأكثر من نصف قرن، استندت نظريات الإعلام إلى مفهوم “حارس البوابة”، حيث كان الصحافي أو رئيس التحرير هو الذي يقرر أي المعلومات تعبر إلى المجال العام. أما اليوم، فقد تراجع هذا الدور لصالح نموذج أكثر تعقيدا، تشارك فيه المنصات الرقمية وخوارزميات التوصية والمستخدمون أنفسهم في صناعة الأجندة الإعلامية.
غير أن هذا التحول لا يلغي الحاجة إلى الصحافة، بل يعيد تعريف وظيفتها. ففي عالم تغمره المعلومات، تصبح القيمة الحقيقية للصحافي في قدرته على التحقق والفرز والتفسير، لا في مجرد نقل الخبر.
استعادة العلاقة مع الجمهور
إذا كانت الخوارزميات قد أصبحت تتحكم في جزء مهم من توزيع الأخبار، فإن المؤسسات الإعلامية ليست عاجزة عن استعادة المبادرة.
ويبدأ ذلك ببناء علاقة مباشرة مع الجمهور عبر الاشتراكات، والنشرات البريدية، والتطبيقات الخاصة، والمحتوى المتخصص، إضافة إلى الاستثمار في صحافة الجودة التي تمنح القارئ سببا للعودة إلى المؤسسة الإعلامية، لا إلى المنصة فقط.
كما يتطلب الأمر تطوير استراتيجيات رقمية تجعل الصحافة حاضرة داخل المنصات، دون أن تصبح رهينة لمنطقها بالكامل. فالتكيف مع البيئة الرقمية لا يعني التخلي عن المعايير المهنية، بل استخدام الأدوات الجديدة لخدمة الرسالة الصحفية.
ليس صراعا مع التكنولوجيا.. بل مع منطقها
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الخوارزميات ستستمر في التأثير، فهي ستزداد حضورا بلا شك. السؤال هو: هل ستنجح المؤسسات الإعلامية في الحفاظ على استقلال قرارها التحريري وسط بيئة تفرض معايير مختلفة للانتشار والنجاح؟
لقد نقلت الثورة الرقمية جزءا من السلطة التحريرية من غرف الأخبار إلى المنصات، لكن ذلك لا يعني أن الصحافة فقدت دورها التاريخي. فما زال المجتمع يحتاج إلى من يتحقق من الوقائع، ويحاسب السلطة، ويقدم المعرفة الدقيقة، ويصون الحق في الوصول إلى معلومات موثوقة.
قد تكون الخوارزميات أصبحت شريكا مؤثرا في توزيع الأخبار، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الضمير المهني، ولا أن تمارس المسؤولية الأخلاقية، ولا أن تتحمل تبعات القرار التحريري. ولهذا فإن مستقبل الصحافة لن يتحدد بقدرتها على منافسة الخوارزميات في سرعة الانتشار، بل بقدرتها على تقديم ما تعجز الخوارزميات عن إنتاجه: المعنى، والسياق، والثقة.
بالعربي من باريس
حسن اليوسفي المغاري
