عندما تصبح الشاشة معبرًا: الشباب بين صناعة الذات وصناعة الهجرة
لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للترفيه والتواصل العابر، بل تحولت إلى بيئات اجتماعية ورمزية يعيد فيها الشباب صياغة صورتهم عن ذواتهم وعن العالم وعن المستقبل. وهذه هي إحدى الأفكار المركزية التي تتيحها قراءة دراسة عالمة الاجتماع الفرنسية كلير بالي، التي تدعو إلى تجاوز النظرة الاختزالية التي تختزل حضور المراهقين في الشبكات الاجتماعية في الإدمان أو التهديد أو الاستهلاك السلبي. فالشاب، في نظرها، لا يدخل العالم الرقمي فقط لكي يتلقى المحتوى، وإنما لكي ينتج تمثلاته الخاصة، ويجد لنفسه مساحة للتعبير والتفاعل وبناء المعنى الجماعي، ولاستعادة شيء من السلطة على الصورة التي يُقدَّم بها في الخطاب الذي يصوغه الكبار.
تكمن أهمية هذه الأطروحة في أنها تنقل النقاش من سؤال: ماذا تفعل الشبكات الاجتماعية بالشباب؟ إلى سؤال أكثر تركيباً: ماذا يفعل الشباب بالشبكات الاجتماعية، وماذا تفعل هذه الشبكات بدورها بتصوراتهم عن ذواتهم ومستقبلهم؟ فالمنصات الرقمية أصبحت، بالنسبة إلى أجيال نشأت داخل عالم متصل، فضاءات للتجربة الاجتماعية وبناء الهوية والتعبير عن الرغبات والمخاوف، بل وأحياناً لإنتاج سرديات جماعية قادرة على الانتقال بسرعة من الشاشة إلى المجال العام.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة لافتة شهدتها الحدود المغربية الإسبانية في اتجاه سبتة في نهاية يوليوز 2026، حين تحولت مقاطع ومعلومات متداولة عبر شبكات التواصل إلى أحد العوامل التي غذّت موجة واسعة من محاولات العبور. وقد أفادت تقارير صحفية بأن عشرات الآلاف حاولوا الوصول إلى سبتة، وأن مقاطع فيديو ومنشورات مضللة خلقت لدى بعض الشباب انطباعات غير دقيقة حول إمكانية الدخول إلى إسبانيا والاستفادة من أوضاع قانونية جديدة.
إن استحضار هذه الواقعة لا يعني اختزال ظاهرة الهجرة في شبكات التواصل الاجتماعي، ولا يعني أن المنصات الرقمية كانت وحدها سبباً في حدوثها. فالهجرة ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية، وفي الحالة المغربية تضاف إليها تمثلات متراكمة عن أوروبا باعتبارها فضاءً للفرص والحياة الممكنة. غير أن الجديد الذي تكشفه الشبكات الاجتماعية هو قدرتها على تحويل هذه التمثلات المبعثرة إلى صور شديدة القرب من الواقع، وإلى سرديات متداولة تمنح الحلم بالعبور شكلاً بصرياً محسوساً وقابلاً للتقليد.
وهنا يظهر التوازي العميق بين أطروحة بالي وبين ظاهرة سبتة: ففي الحالتين لا يكون الشباب مجرد متلقٍ سلبي لصورة يصنعها الآخرون، وإنما يصبح فاعلاً في تداول الصور وإعادة إنتاجها ومنحها معنى. غير أن المفارقة تكمن في أن الفضاء نفسه الذي يمكن أن يمنح الشاب قدرة على التعبير عن الذات قد يتحول إلى فضاء لصناعة أوهام جماعية. فالصورة الرقمية لا تنقل الواقع بالضرورة؛ إنها تنتقي منه لحظة، وتقصي أخرى، وتمنح الحدث إطاراً سردياً قد يكون مختلفاً جذرياً عن تعقيد الواقع.
لقد أظهرت واقعة سبتة الأخيرة، بحسب التقارير المتاحة، أن مقاطع فيديو منتشرة على الشبكات الاجتماعية ساهمت في تكوين تصورات خاطئة لدى بعض الراغبين في العبور، وأن بعض المؤثرين والمنشورات الرقمية عززت هذا الانطباع. وهذا يجعل من الشبكات الاجتماعية نوعاً جديداً من «الجغرافيا الرمزية»: فالمسافة بين المغرب وإسبانيا لا تقاس فقط بالكيلومترات والحواجز الحدودية، وإنما أيضاً بعدد المشاهد التي يمكن أن تفصل شاباً عن صورة متخيلة لحياة أخرى.
ولعل أخطر ما ينبغي الانتباه إليه هنا هو انتقال الشبكات الاجتماعية من وظيفة تمثيل الواقع إلى وظيفة إنتاج الواقع المتخيَّل. فحين يشاهد شاب مقطعاً لشخص وصل إلى سبتة، فإن المقطع لا يقدم له بالضرورة قصة الهجرة بكل تعقيداتها، وإنما يقدم لحظة مختارة منها. ومع تكرار الصور وتداولها، تتحول اللحظة إلى سردية، والسردية إلى قناعة، والقناعة إلى استعداد للفعل. وهكذا تصبح الشاشة وسيطاً بين الرغبة والفعل، وبين الخيال والقرار.
إن هذا التحول يستوجب إعادة التفكير في السياسات العمومية المتعلقة بالشباب. فمواجهة الاستخدامات السلبية للشبكات الاجتماعية لا يمكن أن تقوم فقط على المنع أو الرقابة أو التخويف. فالمنطق الذي يقترح ببساطة إبعاد الشباب عن المنصات قد يغفل الوظائف الاجتماعية والثقافية التي تؤديها هذه الفضاءات في حياتهم اليومية. وما تقترحه قراءة كلير بالي، في جوهره، هو التعامل مع الشباب باعتبارهم فاعلين اجتماعيين قادرين على إنتاج المعنى، لا باعتبارهم مجرد فئة ينبغي حمايتها من التكنولوجيا
لكن الاعتراف بفاعلية الشباب لا يعني التغاضي عن مسؤولية المنصات الرقمية في إنتاج بيئة معلوماتية قد تسمح بتضخيم الشائعات والمعلومات المضللة. فحين تتحول خوارزميات الانتشار إلى قوة قادرة على جعل صورة واحدة أكثر حضوراً من مئات الحقائق، تصبح التربية الرقمية جزءاً من التربية المدنية، ويصبح امتلاك القدرة على التحقق من المعلومة مسألة تتجاوز المهارة التقنية إلى صميم المواطنة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة موجة سبتة بوصفها لحظة كاشفة عن التحول الذي أصاب العلاقة بين الشباب والمجال العام. فقد كان المجال العام، في زمن سابق، ينتظر أن تصنع المؤسسات والصحف والقنوات التلفزيونية أجندته وصوره؛ أما اليوم فقد يستطيع هاتف محمول، ومقطع قصير، ورسالة متداولة، أن يشارك في إعادة تشكيل الإدراك الجماعي لحدث ما خلال ساعات قليلة. لم يعد الشباب ينتظرون أن تروي لهم المؤسسات قصة العالم؛ إنهم يشاهدون العالم، ويعيدون تصويره، ويتداولونه، ويعلقون عليه، وأحياناً يتصرفون بناءً على الصورة التي صنعها هذا التداول.
غير أن المسألة لا تتعلق بالشباب وحدهم، بل بأزمة أوسع في العلاقة بين الواقع والتمثيل. فإذا كانت الأجيال السابقة قد عاشت زمناً كانت فيه الهجرة تُبنى في المخيال عبر الحكايات والصور الفوتوغرافية ورسائل المهاجرين، فإن الجيل الرقمي يعيش زمناً تصبح فيه الهجرة نفسها محتوى متداولاً لحظة بلحظة. لقد انتقلنا من حكاية المهاجر عن أوروبا إلى فيديو الهجرة إلى أوروبا؛ ومن صورة ثابتة عن «المستقبل الممكن» إلى تجربة بصرية توحي بأن المستقبل موجود على الطرف الآخر من الشاشة.
وهنا تحديداً تكتسب أطروحة كلير بالي بعداً يتجاوز النقاش الفرنسي حول سن استخدام الشبكات الاجتماعية. فالسؤال ليس فقط كيف نحمي الشباب من الشبكات، بل كيف نساعدهم على امتلاك الأدوات النقدية التي تمكنهم من فهمها. ليس المطلوب إقصاء الشاشة من حياة الشباب، وإنما تعليمهم قراءة الشاشة؛ ليس منع الصورة، وإنما تفكيك الصورة؛ وليس مصادرة الرغبة في المستقبل، وإنما مساعدة الشباب على التمييز بين المستقبل الذي تصنعه الإمكانات الواقعية والمستقبل الذي تصنعه الخوارزميات.
إن ظاهرة سبتة تضعنا أمام مفارقة عميقة: الشبكات الاجتماعية التي تمنح الشباب سلطة الكلام قد تمنحهم أيضاً سلطة التأثر؛ والتي تتيح لهم صناعة صورتهم عن أنفسهم قد تجعلهم أسرى صور يصنعها الآخرون؛ والتي توسع مجال الاختيار قد تدفع أحياناً إلى قرارات مبنية على معرفة ناقصة. ولذلك فإن المسألة ليست في أن الشباب «يسيئون استخدام» الشبكات الاجتماعية، وإنما في أن المجتمع نفسه لم يطور بعد بما يكفي الأدوات الثقافية والتربوية لمواكبة هذا التحول الهائل في إنتاج المعنى وتداوله.
إننا، في النهاية، أمام جيل لم يعد يعيش بين عالمين، واقعي ورقمي، بل يعيش في عالم واحد هجين تتداخل فيه الشاشة بالشارع، والصورة بالفعل، والخيال بالقرار. وإذا كان عبور الحدود يبدأ أحياناً من رغبة في الذهن، فقد تبدأ هذه الرغبة اليوم من صورة على شاشة. لكن الصورة، مهما بلغت قوتها، ليست الواقع. ومن هنا تصبح مهمة التربية والثقافة والإعلام والنقد الاجتماعي هي إعادة بناء المسافة الضرورية بين ما نراه، وما نصدقه، وما نرغب فيه، وما نستطيع فعله فعلاً.
ولذلك فإن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: كيف نمنع الشباب من الشبكات الاجتماعية؟ وإنما: كيف نجعلهم أكثر قدرة على صناعة معناها، ومقاومة أوهامها، وتحويل قوتها التعبيرية من أداة لتكريس الوهم إلى وسيلة لبناء وعي نقدي بمستقبلهم؟ ففي هذه المسافة بين الشاشة والواقع، بين الحلم والهجرة، وبين التعبير والفعل، تتشكل إحدى أهم قضايا الشباب في زمننا الرقمي.
