أيها العابر في الغربة، تمهّل قليلًا ……

أيها العابر في الغربة، تمهّل قليلًا ……

ما ستقرؤه ليس مجرد كلمات، بل ظلال من تعب، وحنين، وملامح باهتة نحاول رسمها معًا من جديد عن غربتنا.
هذه ليست قصة بل محاولة العثور عن أنفسنا في مرآة الكتابة حين ضاعت ملامحنا بين المنافي.
اقرأها كأنك تعود إلى بيتك القديم …..
واسأل نفسك بهدوء, هل ما زلتَ تعرف الباب ؟
———–
” على خطى مير مح فقدنا أنفسنا ”
نحن من أبناء من نُفي من دفء البيت .
لم نخرج بحثًا عن حياة ، خرجنا لأن الحياة طُردت منّا.
حملنا من الوطن أسفارًا لم تُفتح ،وأقوالًا لا يصلح ان يُقال مثلها هنا ،وأسماءً لا تُلفظ كما وُلدت ،لكن وُلدت لنا أسماء لا تُشبه وجوهنا.
كنا نعزف لحن الحياة على ثلاثة أوتار ،واليوم عزفنا وصل الوتر السابع، وتخطينا .
تركنا وراءنا بيوتًا لم تُغلق ،وأمهاتٍ ينتظرن من لا يعود .
نحن من خسر الجار ، وساحة الملعب ،وضحكة الأهل من خلف الجدران.
كنا نعرف حتى أسماء العصافير ، والآن لا نعرف أسماء جيراننا.
من نسي شكل الشجرة التي كنا ننام تحتها .
من لا يعرف أين يُدفن إن مات غريبًا .
لا يعرف إن كان سيُدفن أصلًا .تشبهنا أسطورة مير مح كثيرًا ..…
حين صعد إلى قبة الفلك يبحث عن الخلود،لم يكن بطلًا . كان واحدًا منا، يشبهنا .
مُنهك من المسافة ، مُثقَل بالحنين ،مُطارَدًا بأسئلة لا أحد يملك لها جوابًا .
ظن أنه سيجد في الأعلى ما فُقِد منه في الأسفل.
وحين وصل، لم يجد شيئًا .
لا وجوه أصدقائه. لا ضحكة الناس . لا حتى ظلّه .
وقف هناك، على أقصى ارتفاع في الغربة،وسأل بصوت عالٍ :
” ما الذي بقي مني هنا ؟ ”
لا شيء يجيب .
لا صوت. لا دفء.
فقط صدى السؤال،يعود إليه خافتًا، غريبًا، كأنه ليس صوته.
هناك في ذلك الفراغ،صعد مير مح يبحث عمّا فقده ، فوجد أنه فقد نفسه.
هكذا نحن.
كلما ابتعدنا ، صارت الذكرى وجعًا بلا جسد،وصارت الغربة أرضًا لا نُجيد المشي فيها.
لا تسألنا عن الوطن.
نحن لم نعد نعرفه إن كان مكانًا أم وجهًا أم لغة.
نحن من عاش في الغربة أكثر مما عاش في بلده.
لكننا لا ننتمي إلى كليهما.
خرجنا من وطنٍ لم يعد لنا،ودخلنا في غربة لا تعترف بنا.
الإنسان لا يصبح ذكرى لأنّه عاش كثيرًا.
يصبح ذكرى لأنّه لا أحد يذكره.
لم نركب الأمواج ، ولم نصعد الجبال شوقًا،بل بحثًا عن ظلٍّ يشبهنا ويحمينا،عن لغةٍ لا تتعثّر في أفواهنا ،عن وجهٍ يعرفنا دون بطاقة إقامة.
مشينا مثل مير مح ، نحمل وجعنا ونصعد.
نطلب من “قبا فلكي” أن تُعيد ما سُرق منا دون استئذان.
لكن ” قبا فلكي” صامتة ، تنصت ولا تُجيب.
والسماء لا ترد على من لا يعيش تحتها .
نحن أبناء من نُفي من دفء البيت دون أن يُغلق الباب.
غادرنا قبل أن نودّع ،كنا نظنها إقامة مؤقتة ،ثم اكتشفنا أن المؤقت لا يعيد نفسه.
هنا، تعلمنا كيف يُدفن الحنين في دفتر المواعيد.
كيف نصنع ضحكة على طاولة باردة،كيف نتقن الحديث عن ” الوطن ” كأنه رواية قديمة،مع أننا نعرف جيدًا أنه كان حيًا، وكان نحن .
منذ متى صرنا نبحث عن كلمات نُعرّف بها أنفسنا؟
منذ متى صار اسمك يُلفظ بشكل غريب؟
منذ متى صار الحنين شيئًا تُخفيه في جيبك مثل ورقة قديمة؟
لم نفقد البيوت فقط،فقدنا الجار، والمقهى، ونداء الأمهات من خلف الأبواب.
فقدنا الطريقة التي كانت الشمس تدخل بها غرفتنا.
كل ما كنا نعرفه، ضاع.
نعيش خلف أبواب لا أحد يطرقها،ولا أحد يتساءل إن كان خلفها أحد.
نحن نركض خلف طيفٍ مررناه دون أن نراه،مثل مير مح ، صعدنا الجبل،لكننا لم نعد نشبه الذين بدأوا الصعود.
هل تعود أنت بعد كل هذا؟
وهل يعود من لم يتبقّ منه سوى صدى؟
نحن لا نعيش، نحن نُحافظ على بقايا شيءٍ لم يعد موجودًا.

مير مح – أسطورة فلسفية كوردية قديمة جدا عن الخلود

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *