التشكيل العربي المعاصر

التشكيل العربي المعاصر

  من ذاكرة التراث إلى خيال الحداثة الفن العربي في مرآة الحَيْسن

حين نقترب من كتاب “التشكيل العربي المعاصر: جماليات تراثية” لابراهيم الحَيْسن، نشعر منذ الصفحات الأولى بأننا أمام محاولة فكرية وجمالية تستعيد جوهر السؤال الذي ظلّ يؤرق الفنان العربي منذ بدايات الحداثة: كيف يمكن للفن أن يكون حداثيّاً دون أن ينفصل عن جذوره؟ وكيف يمكن للتراث، بكلّ ما يحمله من رموز وصور وعلامات، أن يتحوّل إلى طاقة خلّاقة لا إلى ماضٍ متحفيٍّ جامد؟

     ينطلق الحَيْسن من مقولة أندري مالرو: “الإنسان بلا تراث هو إنسان بلا ماضٍ”، وكأنه يعلن من خلالها أن الفن، في جوهره، فعلُ ذاكرةٍ حيّة. غير أنّ هذه الذّاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، بل وعيٌ نقديٌّ به؛ فهي الذاكرة التي تستيقظ في الصورة، لتُعيد تشكيل ذاتها عبر الخطوط والألوان والرّموز.

     من هذا المنطلق، تتجلّى أهمية هذا الكتاب الذي يسعى إلى قراءة التحوّلات الكبرى التي شهدها الفن التشكيلي العربي في علاقته بالتراث، منذ بدايات القرن العشرين إلى اليوم، عبر مسارٍ طويلٍ تداخلت فيه الأسئلة الجمالية بالأسئلة الحضارية والوجودية.

     إنه بمثابة موسوعة فنية ومعرفية ترصد مسيرة الفنانين العرب وتنوّع توجّهاتهم ومقارباتهم الجمالية. وقد أرفق الكاتب عمله بمجموعة من المراجع الغنية التي تُضيء زوايا البحث، وتفتح أمام القارئ آفاقًا جديدة للمراجعة والإثراء.

     يُقسِّم الحَيْسن كتابه إلى ستة أقسام تُمكِّن القارئ من تتبّع مسار تطوّر العلاقة بين الفن العربي والتراث، بدءًا من البدايات الأولى التي استعاد فيها الفنانون العرب الموروث الإسلامي والعربي في العمارة والزخرفة والمخطوطات، وصولًا إلى ظهور الجماعات الفنية التي جعلت من العودة إلى التراث مشروعًا تشكيليّاً وفكريّاً متكاملًا، مثل جماعة بغداد للفن الحديث ومدرسة تونس ومدرسة الدار البيضاء وغيرها.

     في هذه التجارب، لا يُستعاد عموماً التراث بوصفه موضوعًا زخرفيّاً جامدًا، بل بوصفه منهجًا في الرّؤية والتفكير، ومحاولةً لإيجاد سبلٍ فنيةٍ للتحرّر من الأساليب الاستشراقية التي كرّسها المستعمِر، ولتأسيس فلسفةٍ تشكيليةٍ جديدة تستمدّ مشروعيتها من الذّات الثقافية العربية ومن الواقع العربي المعيش. فالتراث، في هذا السّياق، ليس تكرارًا للرّموز أو الزّخارف، بل بنية فكرية وجمالية تُستعاد لتُعاد صياغتها ضمن أفقٍ معاصر، يتفاعل مع رهانات القرن العشرين وتحدّياته الحضارية والجمالية.

     وفي تتبّعه للتجارب الفردية، يقدّم الكاتب بانوراما شاملة للفنانين العرب الذين جعلوا من الذّاكرة مادةً أساسيةً للإبداع الفني. ينطلق من الواقعية والانطباعية التي جسّدت ملامح الحياة الشّعبية واليومية في تونس ومصر والمغرب وسوريا، ليمرّ إلى التجارب الحروفية التي أعادت إلى الحرف العربي بريقه الرّوحي والجمالي، فغَدَا علامةً ومعنىً وصوتًا بصريّاً في آنٍ واحد. ثمّ يتوقّف عند التجريد بوصفه قاسمًا مشتركًا بين العديد من التجارب التي استلهمت جوهر الفن العربي الإسلامي، قبل أن ينتقل إلى الوسائط المعاصرة التي فتحت المجال أمام أشكالٍ جديدة من التعبير الفني أتاحتها التكنولوجيا الرّقمية، لتعبّر بدورها عن تحوّلات الرّؤية الجمالية في العالم العربي المعاصر.

     تتجاور الأسماء في هذا الكتاب لتشكّل خريطة جمالية ممتدة من عمار فرحات ويحيى التركي إلى شاكر حسن آل سعيد وسمير الصايغ ومحمد عمر الخليل، وصولًا إلى التجارب التجريدية والنحتية والمعمارية التي جعلت من التراث منبعًا لتصوّر جديد للفن.

     لكن القيمة الأعمق في الكتاب تكمن في ذلك الوعي الذي يصوغه الحَيْسن بأن التراث لا يُؤخذ بل يُفكَّر فيه. إن الفن لا يكرّر الماضي بل يفتح فيه منافذ للمعنى الجديد، ويحوّله إلى ذاكرة فاعلة تُنقذ الإنسان من فقدان هويته في زمن العولمة والرّقمنة. من هنا تأتي أهمية القسم الأخير الذي يتناول فيه الكاتب توظيف التراث عبر الوسائط الجديدة، حيث يغدو الذكاء الاصطناعي والعالم الافتراضي امتدادًا آخر للخيال العربي وقدرته على التكيّف والتجدّد.

     إن كتاب “التشكيل العربي المعاصر- جماليات تراثية” ليس مجرّد جردٍ لتجارب أو توثيقٍ لتاريخ، بل هو قراءة عميقة في جدلية الذّاكرة والإبداع، في توازنٍ دقيق بين الوفاء للأصل والانفتاح على الممكن. فهو يذكّرنا بأن الصورة العربية المعاصرة ليست انقطاعًا عن الماضي، بل استمرار له برُوح جديدة، وأن كلّ لوحة عربية تستمد من التراث العربي، هي في جوهرها نافذة بين الأمس والغد، بين التراث والحداثة، بين الهوية والحلم.

     وما يزيد من أهمية هذا الكتاب هو تأكيده الواضح على استمرارية هذا التوجّه عبر مسارٍ زمني يمتدّ من بدايات القرن العشرين إلى اليوم، دون انقطاعٍ أو تردّد. فهو مسار متجدّد من الممارسات الفنية التي تكيّفت مع التحوّلات التاريخية والجمالية التي عرفتها الفنون التشكيلية العربية، وظلّ قائمًا على قناعة راسخة وإصرارٍ متواصل على إبراز فنٍّ عربيٍّ مرتبط بذاكرته، يمتاز بخصوصيته وتفرُّده داخل المشهد التشكيلي العالمي.

     ولعلّ هذا الكتاب يؤكّد أيضًا، من خلال هذه السلسلة الواسعة من التجارب العربية المتواصلة، أنّ الفنون في مختلف أنحاء العالم التي سعت إلى ترسيخ خصوصياتها الثقافية والحضارية لا يمكن أن تتلاشى، حتى في ظلّ نزعة العولمة الثقافية الرّاهنة التي تحاول توحيد الأذواق والاتجاهات ضمن مواصفات فنية موحّدة تُسوّى بها الفوارق بين الفنانين والشّعوب.

 

 

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *