الاستشراق الفني في العالم العربي

هذا كتابٌ في السّرد التاريخي لإشكالية الاستشراق الفني، من امتداداته التاريخية والترابية إلى تأثيراته المختلفة والمتتابعة. فالامتداد المقصود يغطي العديد من بلدان العالم العربي جغرافيّاً منذ القرن الثامن عشر زمنيّاً، أمّا التأثيرات، فهي ما أنتجه هذا الاستشراق من فنون وآداب، أو ما ساهم في انبعاثه من تيارات ومدارس فنية. غير أن هذه الامتدادات قد تمتدّ طولاً وعرضاً، أفقيّاً وعموديّاً، وهي في كلّ هذه الاختراقات سبب كافٍ للمساءلة والتقويم، شأنها شأن التأثيرات التي خلفها الاستشراق الفني وراءه.
البداية في هذا السّرد النّقدي هي تحديد المصطلح. إن وضع الحدّ، لغةً، يعني استنباط معنى اللّفظ في حدّ ذاته. هكذا، فالاستشراق هو “طلب الشرق”، إلّا أن هذا الطلب اتّخذ طيلة امتداده معاني ملتبسة، عدّها الناقد والفنان ابراهيم الحيْسن في توطئة الكتاب كما يلي “من الانبهار بالشرق إلى الإسقاط الغربي على الشرق وإدارة السّيطرة عليه، مروراً بالعلوم والآداب المتعلّقة بالعالم الشرقي، وكذا الشّغف به الذي تلبس بالغرائبية والفانتاستيك والاستفهامات الجنسية”.
ما يعضّد قوام هذا الكتاب الفني هو متنه الببليوغرافي العريض والغني، الذي امتاز عربيّاً بمراجع حديثة ومعاصرة، وفرنسيّاً بالعديد من المصادر الاستشراقية مثل دولاكروا وماتيس وبول كلي وغيرهم، إضافة إلى العديد من المراجع الإلكترونية. وقد شكلت هذه المراجع الأرضية النّصية التي ارتكزت عليها بنية الكتاب، إلى جانب ملحق بالصور الملوّنة، سمحت جميعها بتأسيس هذا السّرد النّقدي المتكامل.
يتوزّع المتن على ستة أقسام كبرى ترصد مسارات الاستشراق الفني من دلالاته الأولى إلى تمظهراته المعاصرة. فالقسم الأوّل يحدّد المفهوم ومجاله الجمالي، بينما يطرح الثاني سؤال التثاقف والالتباس بين التفاعل والاستحواذ. أمّا الأقسام الموالية، فتكشف عن التمثيلات المتنوّعة للشرق في شمال وغرب إفريقيا، وعن دور الفوتوغرافيا والمعمار في تكريس الرّؤية البرّانية. ويختتم الكتاب ببحث في الاستشراق الجديد، بوصفه امتداداً رقميّاً لهيمنة الصورة على المعنى. إنه محاولة نقدية لاستعادة النّقاش حول واحدة من أكثر الظواهر الثقافية تعقيداً في التاريخ الحديث: تمثيلات الشرق في عين الغرب عبر الفن. فهو لا يكتفي بتتّبع الصور الجمالية التي أنتجها الرسامون والمصوّرون والرّحالة الأوروبيون، بل يسعى إلى تفكيك خلفياتها الفكرية، وإبراز العلاقة الوثيقة بين التمثيل الفني والحضور الغربي.
يتأسّس الكتاب على رؤية تحليلية متعدّدة الأبعاد، تجمع بين المقاربة التاريخية والسيميائية، وبين القراءة الجمالية والنقد البنيوي التكويني، ليتحوّل الفن الاستشراقي من مجرّد مادّة بصرية إلى وثيقة حضارية تكشف عن تصوّرات الغرب تجاه الشرق وعن تحوّلات النّظرة إلى الآخر. إنه نصّ يتأرجح بين التأمّل الجمالي والنقد المعرفي، ويسعى إلى إعادة قراءة العلاقة بين الشرق والغرب من خلال لغة الفن كمرآة للوعي والتاريخ معاً.
أوّل تساؤل نقدي مركزي انطلق منه ابراهيم الحَيْسن هو السؤال الإشكالي حول المثاقفة والاستشراق :أيمكن اعتبار الاستشراق مثاقفة؟ وما الفرق بينهما؟ إنه فرق يضيق ويتّسع حسب الحدود التي نرسمها لكلّ منهما. فإذا نظرنا إلى منبع الاستشراق الكولونيالي ودوره السياسي، فلا علاقة له بالمثاقفة، أمّا إذا اعتبرنا شغف بعض الأدباء والفنانين بالمشرق، فيحق لنا الحديث عن المثاقفة من حيث هي تزاوج ثقافي وفني بين هويتين، كما فعل لامارتين ومونتسكيو. ومع ذلك، فإن هذا الهيام بالثقافة المشرقية لم يخلُ من ميولات عدائية، بل وعنصرية تجاه العرق السّامي، المكوّن الأساس للحضارة الشرقية. أمّا التساؤل النقدي الثاني الذي باشره الناقد الحَيْسن، فهو ما اصطلح عليه بـ”الاختراق الهوياتي”. لقد شكل الاستشراق الفني، بنوعيه التقليدي والجديد، “فخّاً” انتهك خصوصيات المجتمعات الشرقية، وسمح لنفسه بالعبث بما هو فريد ونوعي فيها: الحمامات التركية وشهوانيات نساء الحريم والعادات والتقاليد في الأفراح والأعراس. وتتبدّى لنا صورة هذا الفخّ في الاستيهامات العديدة التي كانت تصدر عنها لوحات المستشرقين، دون أن تكون حقّاً من واقع الحريم أو من واقع الحفلات، بقدر ما هي تجميعات وتأليفات من مخيال الفنان الغربي.
الهوية المقصودة في هذا الكتاب ليست هي “الأنا” أو الذّات المشرقية فقط، بل هي أيضاً إنتاجاتها البصرية والثقافية. وفي كلتا الحالتين، لا وجود لهوية صافية تنعكس في صفاء ذاتها كما هو الحال في المنطق أو في الرياضيات (مبدأ الهوية). فثمة دائماً عناصر مختلطة، خلاسية، تتراص في بوتقة واحدة وتلتحم أطرافها لتكوّن وحدة متماسكة ومتميّزة، يذوب فيها الاختلاف لينوب عنه الائتلاف.
الهوية، إذن، هي وحدة الاختلافات والتباينات في وحدة الذّات. وقد أظهر الاختراق الغربي للشرق – كما يقول الحَيْسن – رغبة في الالتفاف نحو الذّات والدّفاع عن الهوية والخصوصية المحلية، سواء بالتعاطي المبكر مع الفن التشخيصي لدى الرسامين الفطريين، أو لاحقاً لدى الأكاديميين، أو في الانفتاح على التجريد وتيارات الحداثة لتحصين الّذات ومباهاتها بالآخر الغريب ندّاً لندّ.
كما أدركنا طيلة قراءتنا للكتاب أن موقف الناقد الحَيْسن من الاستشراق عامّة، والاستشراق الفني خاصّة، هو موقف متحفظ إزاء جانبه الاستعماري والعنصري والغرائبي. فهو لا يتردّد في تكرار موقفه هذا، لكنه يميّز بين الجانب السّلبي للاستشراق الفني وبين الإقرار بحبّ الشرق والهيام به كما تجلى في رومانسية بعض الرسامين المستشرقين.
أخيراً، من المواضيع الجدالية التي يعالجها الكتاب إشكالية الصورة وفن التصوير في الإسلام. فرغم الدراسات الرصينة التي أنجزها مفكرو الغرب للتراث الإسلامي ديناً وحضارةً -مثل جاك بيرك- بقي رفض الصورة، بل وتحريمها، هو الموقف السّائد في الإسلام الدّوغمائي. غير أن الجدال في هذا الكتاب لم ينصب على المستوى الفقهي، بل طال الجانب الفكري والفني.
فالجدال الأوّل اعتبر الصورة في ظاهرها قابلة للتقديس، فهي أيقونة للشرك من جهة، ومن جهة أخرى فإن التمثيل الحقيقي يعود إلى الله المبدع الوحيد للأشياء من لا شيء. أمّا الجدال الثاني فاستند إلى وسائل تعبيرية خاصّة، كـتجنّب خداع النّظر، وعدم الإفراط في اعتماد المنظور في الرسم، والاشتغال على الكتل والمساحات بالظلال والضوء، إلى جانب التحفظ في الاستعمال الزّائد للألوان.
إن هذا الكتاب يغري بالقراءة والتأمّل، لا لشيء سوى أن مؤلفه شغوف بالقراءة والكتابة وإعادة المراجعة كتابة وقراءة، ولا يملّ من تكرار هذه الاقتدارات. فهو يأتي في لحظة فكرية وجمالية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الأسئلة الكبرى حول الهوية والتمثيل الثقافي مع رهانات الخطاب البصري في العالم العربي. إن راهنية هذا العمل تتجلّى في جرأته على مساءلة الإرث الاستشراقي لا بوصفه ظاهرة تاريخية منقضية، بل كمنظومة رمزية ما زالت تؤثر في طرائق النّظر إلى الشرق، وفي تمثيلات الفنانين العرب لذواتهم ولعالمهم.
ومن خلال تفكيكه لثنائية الهيمنة والمثاقفة، والاختراق والهوية، يقدّم ابراهيم الحَيْسن قراءة نقدية عميقة تُعيد موضعة الاستشراق الفني ضمن شبكة العلاقات المعقدة بين الفن والسياسة والمعرفة، مبيّناً أن الفن ليس فقط مجرّد انعكاس للواقع، بل هو حقل للصراع الرّمزي والتأويل الثقافي.
لا تكمن أهمية الكتاب فقط في ثرائه التوثيقي والمنهجي، بل أيضاً في قدرته على فتح نقاشات جديدة حول العلاقة بين الذّات العربية والآخر الغربي في فضاء الصورة والفكر، بما يجعل منه مرجعاً نقديّاً لا غنى عنه للباحثين في قضايا الجماليات والتمثيل الثقافي، ودعوة مفتوحة إلى إعادة التفكير في موقع الفن العربي داخل تاريخ الصورة العالمية.

