“تاريخ مختصر للعبث” كتالوغ ساخر ينظر من شرفة المجرّات إلى مفارقات السياسة والسلطة والإنسان

ماذا لو لم يكن العالم سوى خطأ إداري قديم، وقع في مكتب مهمل بأقصى المجرّة، ثم تكفّلت البيروقراطية الكونية بإدامته بدل إصلاحه؟ وماذا لو كانت الحروب والمؤتمرات والمشروعات المتعثرة والخطابات المنتفخة مجرد محاضر متلاحقة لاجتماع عبثي لم يُرفع قط؟ من هذا الاحتمال الساخر، يفتح الكاتب عبد العزيز كوكاس أبواب كتابه الجديد “تاريخ مختصر للعبث.. كوكب يتثاءب”، الصادر في طبعة أنيقة عن دار “خطوط وظلال” الأردنية وروائع الكتب السعودية، برحلة أدبية وفكرية تجرّد عصرنا من وقاره المصطنع، وتضع مراياه المتكسّرة أمام قارئ يُدعى إلى الضحك والتفكير في آن واحد.
يأتي الكتاب مثل تاريخٌ موازٍ للامعقول الذي تسلل إلى تفاصيل الحياة حتى غدا أشبه بنظام إداري كامل الصلاحيات. ولهذا يخترع المؤلف «وزارة الصدفة الكونية»، بمصالحها ولجانها وتقاريرها وبلاغاتها، ليمنح الفوضى مؤسسة رسمية، واللامعنى ختمَ المصادقة، وللأخطاء البشرية حقَّ التمثيل الدائم في مجلس المجرّات.
من «الاجتماع التأسيسي للفوضى» إلى «دليل إدارة الفوضى الأرضية»، ومن «مؤتمر الأمم المتحدة للمجرّات» إلى «فتوى في سرعة الضوء»، مروراً بالتقارير الاستخباراتية القادمة من المريخ، ويوميات الكواكب المنسية، واعترافات المثقف العالق في بيروقراطية الأفكار… تتعاقب مشاهد ونصوص تتخذ أشكال البيان الرسمي والمحضر الإداري والخبر العاجل والحكاية السوداء. كل شكل مألوف يُقلَب هنا على وجهه، حتى ينطق بما تحاول اللغة الرسمية غالباً إخفاءه. يفتح عبد العزيز كوكاس أرشيفاً متخيلاً حيث تتحول الحروب والمؤتمرات والفتاوى والتقارير الرسمية إلى كوميديا سوداء تكشف تناقضات عالم يتقن تنظيم العبث أكثر مما يتقن إصلاحه. بلغة تجمع المفارقة الأدبية بالتأمل النقدي، يعبر الكتاب من المجرّات إلى تفاصيل حياتنا اليومية،
وإذا اتسعت عدسة السخرية لتشمل نشأة الأرض والمجرّات والثقوب السوداء، فإن بؤرتها تظل إنسانية وقريبة: سلطة تتقن تزيين الفشل، ومؤسسات تستولد اللجان من أزمات لا تنتهي، واقتصاد يحصي الأرباح وينسى الإنسان، وثقافة تتعب من الدفاع عن حقها في السؤال، وعالم يرفع رايات السلام فيما يواصل صناعة أسباب الحرب. هكذا يعبر النص من الكوني إلى اليومي، ومن مشهد كاريكاتوري بالغ الطرافة إلى قلق أخلاقي لا تخطئه القراءة.
تمثل السخرية عند عبد العزيز كوكاس طريقة في مساءلة الواقع. إنها ضحكٌ يتجاوز سطح النكتة، ويحفر خلفها في تناقضات اللغة والسلطة والمعرفة، وحين يدفع المفارقة إلى أقصاها، لا يهرب من الحقيقة، وإنما يجرّدها من أقنعتها الثقيلة. يتنقل الكتاب، لذلك، بين خفة الحكاية ومرارة التأمل، وبين خيال علمي مقلوب وإشارات واضحة إلى أعطاب العالم الذي نعيش فيه.
في “تاريخ مختصر للعبث” يتحول التثاؤب إلى استعارة لكوكب أنهكته الوعود المؤجلة والتكرارات المهيبة والاحتفالات الصاخبة بالإنجازات التي لم تقع. ومع ذلك، لا يصادر العمل قدرة الإنسان على المقاومة. فالضحك، حين يصدر عن وعي، يمكن أن يكون شكلاً من أشكال اليقظة، والسؤال الحر آخر ما يبقى في وجه الآلات التي تريد للعالم أن يعمل بلا تفكير.
بهذا الأفق، يقترح الكتاب على القارئ مغامرة مختلفة في الكتابة الساخرة: أن يرى الأرض من مسافة كونية كي يكتشف قرب عيوبها، وأن يضحك من سذاجة الكبار كي يدرك مأساة الصغار، وأن يعود من رحلة المجرّات إلى السؤال الذي يلوّح به المؤلف في قلب نصوصه: “هل نحن نضحك على العالم أم أن العالم يضحك علينا؟”
