فلسطين والمشترك الأخلاقي الإنساني : امتحان الكونية في زمن انتقائية القيم
ليست فلسطين مجرد قضية سياسية تتنازعها المصالح وتوازنات القوة، ولا ملفا إنسانيا يُستدعى كلما تصاعدت المأساة ثم يُترك للنسيان عندما تتراجع الأضواء. إنها، في أحد أبعادها العميقة، سؤال أخلاقي مفتوح أمام الإنسانية جمعاء: ما الذي تبقى من القيم المشتركة إذا عجزت عن حماية الإنسان عندما يصبح ضحية لصراع تتداخل فيه القوة بالسياسة، والمصالح بالقانون، والذاكرة التاريخية بحسابات الحاضر؟
من هذا المنظور، تكتسب فلسطين دلالة تتجاوز حدودها الجغرافية والسياسية، إذ تضع مفهوم المشترك الأخلاقي الإنساني أمام امتحان حقيقي، لا يتعلق بمدى قدرتنا على صياغة المبادئ وإعلان الالتزام بها، بل بمدى استعدادنا لتحويلها إلى معايير ثابتة تحكم المواقف والقرارات والممارسات. فالقيمة الإنسانية لا تُقاس ببلاغة الخطاب الذي يحتفي بها، وإنما بقدرتها على مقاومة الانتقائية، خصوصا عندما تصطدم بالامتيازات السياسية وموازين القوة.
من كونية الإنسان إلى انتقائية الاعتراف بإنسانيته
يقوم المشترك الأخلاقي الإنساني على فكرة جوهرية مفادها أن كرامة الإنسان ليست امتيازا تمنحه الجغرافيا، ولا مكافأة يحددها الانتماء الديني أو العرقي أو الثقافي، ولا حقّا يتوقف على موقع صاحبه في خرائط النفوذ. إنها أساس أخلاقي سابق على الاختلافات، ومبدأ يفترض أن يجعل من الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة في صراعات الآخرين.
غير أن المسافة بين الإقرار بهذه الفكرة وتجسيدها في الواقع تظل واسعة. فالعالم الذي يتحدث عن حقوق الإنسان والحرية والعدالة والمساواة يجد نفسه، في لحظات الاختبار، أمام تناقضات تكشف أن الاعتراف بالكرامة الإنسانية قد يخضع أحيانا لحسابات السياسة، وأن بعض المآسي تحظى باهتمام دولي واسع، فيما تواجه مآسٍ أخرى أشكالاً متفاوتة من التجاهل أو التبرير أو الصمت.
هنا تحديدا تتجاوز المسألة حدود الاختلاف في تقدير الوقائع أو تفسير النزاعات، لتلامس جوهر المصداقية الأخلاقية. فليس المطلوب أن تتطابق الدول والمجتمعات في جميع مواقفها السياسية، وإنما أن تلتزم بحد أدنى من المعايير الإنسانية التي لا يجوز تعليقها على هوية الضحية أو طبيعة الجهة التي ينتمي إليها.
إن كونية القيم لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تعني إخضاع الاختلاف لحدود أخلاقية وقانونية تحمي الإنسان من التحول إلى مادة قابلة للتبرير أو الاستبعاد. وإذا كانت الكرامة الإنسانية واحدة من الأسس المعلنة للنظام الدولي، كما تؤكد ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، فإن صدقية هذا الإعلان تقتضي ألا تتغير قيمة الحياة البشرية بتغير الموقع السياسي لأصحابها.
فلسطين: من مأساة شعب إلى سؤال الضمير العالمي
تستمد فلسطين مكانتها في النقاش الأخلاقي العالمي من تداخل أبعاد متعددة: حق شعب في تقرير مصيره، وحقوق الإنسان الأساسية، وحماية المدنيين، والعدالة، والحرية، والسلام القائم على احترام الحقوق. ولذلك فإن مقاربتها من زاوية المشترك الأخلاقي الإنساني لا تختزل القضية في بعدها العاطفي، ولا تجعل التضامن معها بديلا عن التحليل السياسي والقانوني، بل تربط بين المعاناة الإنسانية والأسئلة البنيوية التي تطرحها على الضمير العالمي.
فالطفل الذي يفقد الأمان، والأسرة التي تُحرم من الاستقرار، والإنسان الذي يواجه الخوف أو النزوح أو فقدان مقومات الحياة، لا يحتاج إلى إثبات انتمائه إلى ثقافة بعينها حتى يستحق الحماية. إن إنسانيته وحدها كافية لإثارة المسؤولية الأخلاقية، بصرف النظر عن هوية الجهة التي تملك القوة أو طبيعة الصراع الذي يجد نفسه في قلبه.
ومن هنا، لا يمكن التعامل مع المأساة الفلسطينية باعتبارها شأنا يخص الفلسطينيين وحدهم، أو قضية تضامنية محصورة في المجتمعات العربية والإسلامية. إنها قضية تختبر قدرة الإنسانية على الدفاع عن مبادئها عندما تتعرض للاهتزاز، وتكشف مدى استعداد المؤسسات الدولية والدول والمجتمعات المدنية لتحويل الالتزامات المعلنة إلى حماية فعلية للحقوق.
ولا يعني ذلك أن فلسطين تختصر جميع مظاهر الظلم في العالم، أو أن مآسي الشعوب الأخرى أقل استحقاقا للاهتمام. بل إن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ينسجم، من حيث المبدأ، مع الدفاع عن كل إنسان يتعرض للانتهاك أو الإقصاء أو الحرمان من حقوقه الأساسية. فالمشترك الأخلاقي لا يُبنى بالمفاضلة بين الضحايا، وإنما برفض إخضاع حقوقهم لمعايير متباينة.
القانون الدولي: ضرورة أخلاقية لا ترف سياسي
لا يكتمل النقاش حول المشترك الأخلاقي الإنساني من دون التمييز بين الموقف الأخلاقي والالتزام القانوني. فالأخلاق تمنح المبادئ معناها الإنساني، بينما يوفر القانون الدولي قواعد وإجراءات لتحديد الالتزامات وتنظيم المسؤولية والمساءلة.
وفي سياق النزاعات المسلحة، تفرض قواعد القانون الدولي الإنساني التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين بصفتهم هذه، كما تضع قيودا على وسائل القتال وأساليبه بهدف الحد من المعاناة الإنسانية. وهذه ليست مجرد توصيات أخلاقية اختيارية، بل قواعد قانونية تحكم سلوك أطراف النزاع، وفقا للأطر القانونية الواجبة التطبيق.
إن استحضار هذه المرجعيات في الحالة الفلسطينية لا ينبغي أن يكون انتقائيا أو خاضعا للمواقف المسبقة، فالقانون لا يفقد إلزاميته بسبب هوية الطرف المعني، ولا تتحدد قيمة القاعدة القانونية بمدى توافقها مع مصالح دولة أو تحالف سياسي. ومن ثم، فإن احترام القانون الدولي يتطلب فحص الوقائع والأفعال والمسؤوليات على أساس المعايير القانونية ذات الصلة، بعيدا عن الأحكام الجماعية أو التبريرات المطلقة.
لكن التحدي لا يكمن في وجود المبادئ والقواعد وحدها، بل في ضمان تنفيذها. فحين تتسع المسافة بين الالتزام القانوني المعلن والممارسة الفعلية، تتراجع الثقة في المؤسسات، وتتضرر صورة العدالة بوصفها مرجعية مشتركة. وحين يشعر الناس بأن تطبيق القواعد يتأثر بميزان القوة، يصبح السؤال عن المساواة أمام القانون سؤالا عن شرعية النظام الدولي نفسه.
من هنا، لا يكون الدفاع عن فلسطين دعوة إلى استبدال انتقائية بأخرى، ولا إلى إعفاء أي طرف من المسؤولية، بل مطالبة بإخضاع الأفعال للمعايير القانونية والأخلاقية نفسها. فالمشترك الإنساني يفقد معناه إذا تحوّل إلى أداة لتبرير طرف وإدانة آخر قبل فحص الوقائع، أو إلى خطاب يطالب بالعدالة لبعض البشر ويقبل بحرمان آخرين منها.
أزمة المشترك الأخلاقي: أزمة تطبيق أم أزمة إرادة؟
قد لا تكمن المشكلة الأساسية في غياب القيم المشتركة عن الخطاب الدولي، بقدر ما تكمن في الصعوبة التي تواجه تحويلها إلى إرادة سياسية وممارسة مؤسسية. فالمجتمعات الإنسانية راكمت، عبر تجارب تاريخية مؤلمة، منظومة من المبادئ والإعلانات والاتفاقيات التي تسعى إلى الحد من العنف وحماية الكرامة الإنسانية. ومع ذلك، لا يكفي وجود هذه المنظومة لضمان احترامها في جميع الظروف.
تكشف الحالة الفلسطينية أهمية مساءلة العلاقة بين القيم والمصالح: إلى أي حدّ تستطيع المبادئ الأخلاقية توجيه القرار السياسي عندما تتعارض معه؟ وهل تملك المؤسسات الدولية ما يكفي من الفاعلية لضمان احترام القواعد التي أُنشئت من أجلها؟ وكيف يمكن الحد من التفاوت بين قدرة الأطراف على التأثير في القرارات الدولية وقدرة الضحايا على إيصال مطالبهم وتحقيق الإنصاف؟
ليست هذه الأسئلة دعوة إلى إصدار حكم شامل على النظام الدولي، ولا إلى تجاهل المبادرات والجهود التي تبذلها جهات مختلفة. إنها محاولة لتحديد مواضع الخلل بين المرجعية المعلنة وآليات التنفيذ، والبحث في الشروط التي تجعل الالتزام الأخلاقي أكثر من مجرد إعلان حسن النية.
إن المشترك الأخلاقي الإنساني لا يمكن أن يظل رهينا لضمير الأفراد وحده، مهما كانت أهمية المبادرات الفردية. فهو يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويل المبادئ إلى برامج، وإلى آليات للمراقبة والمساءلة، وإلى ثقافة سياسية تعترف بأن حماية الإنسان ليست عبئا طارئا على المصالح، بل شرطا من شروط الاستقرار والسلام المستدامين.
من التضامن الوجداني إلى المسؤولية الحضارية
لقد أظهرت قضية فلسطين أن التضامن الإنساني يمكن أن يتجاوز الحدود الوطنية والثقافية، وأن المجتمعات المدنية والمثقفين والجامعات والهيئات الحقوقية تستطيع أن تسهم في إبقاء الأسئلة الأخلاقية حاضرة في المجال العام. غير أن استدامة هذا التضامن تقتضي الانتقال من التعبير عن التعاطف إلى بناء فعل مؤسسي منظم، يستند إلى المعرفة والتوثيق والحوار والترافع المسؤول.
ويبدأ هذا الانتقال بتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، ومقاومة التضليل والتحريض وخطاب الكراهية، وتوسيع المعرفة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. كما يتطلب دعم المبادرات الأكاديمية والإعلامية التي توثق المعاناة الإنسانية وتفحص الوقائع وتمنح الأصوات المتضررة مساحة للتعبير، من دون تحويل الإعلام إلى أداة لتأجيج العداء أو اختزال الشعوب في سياسات حكوماتها.
ويقتضي، كذلك، توسيع دوائر الحوار بين الثقافات والتقاليد الفكرية والدينية، لا بهدف إخفاء الخلافات أو تجاوز الحقوق باسم التوافق، بل لإيجاد أرضية مشتركة تسمح بمواجهة الظلم من دون إنتاج أشكال جديدة من الإقصاء. فالتعاون الحضاري لا يُقاس بقدرة الأطراف على تجنب القضايا الصعبة، وإنما بقدرتها على مناقشتها بصدق ومسؤولية، مع الحفاظ على كرامة الإنسان وحقه في الاختلاف.
وفي هذا السياق، تستطيع المؤسسات المعنية بالقيم الإنسانية والتعاون الحضاري أن تؤدي دورا يتجاوز تنظيم الندوات وإصدار البيانات، من خلال إنتاج أوراق مرجعية، وبناء شبكات للتعاون الأكاديمي والحقوقي، وتطوير مبادرات للتربية على القيم، وصياغة مقترحات عملية تربط بين المبادئ الأخلاقية والالتزامات القانونية والسياسات العامة.
ولا ينبغي أن يكون الهدف إنتاج خطاب إضافي عن الإنسانية، بل الإسهام في بناء شروط تجعل هذا الخطاب قابلا للقياس والمساءلة: ما المبادئ التي نلتزم بها؟ ما الإجراءات التي نقترحها؟ ما الجهات القادرة على تنفيذها؟ وكيف يمكن تقييم أثرها في حماية الحقوق وتعزيز العدالة؟
فلسطين ومستقبل الإنسانية المشتركة
إن الرهان على المشترك الأخلاقي الإنساني لا يعني الاعتقاد بأن القيم وحدها كافية لإنهاء النزاعات أو تجاوز تضارب المصالح. فالسياسة تحتاج إلى تفاوض، والسلام يحتاج إلى ترتيبات وضمانات، والعدالة تحتاج إلى مؤسسات وآليات تنفيذ. لكن هذه الأدوات جميعها تفقد وجهتها الإنسانية إذا انفصلت عن الاعتراف المتساوي بكرامة البشر وحقوقهم.
ومن ثم، فإن مستقبل المشترك الأخلاقي الإنساني يرتبط بقدرته على الجمع بين ثلاثة مستويات متكاملة: مرجعية أخلاقية تجعل الإنسان مركز الاهتمام، وإطار قانوني يحدد الحقوق والواجبات والمسؤوليات، وإرادة سياسية ومؤسسية دولية تضمن الانتقال من المبادئ إلى الممارسة.
إن الدفاع عن المشترك الأخلاقي الإنساني يقتضي، في نهاية المطاف، تجاوز منطق الولاءات المغلقة نحو أفق أوسع تتكامل فيه الخصوصيات الثقافية مع المبادئ الإنسانية الجامعة. وليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن انتمائه كي يكون إنسانيا، بل أن يدرك أن انتماءه لا يمنحه حق الانتقاص من كرامة الآخرين، وأن الدفاع عن جماعته لا يبرر إنكار الحقوق الأساسية لجماعات أخرى.
خاتمة: لا كونية للقيم من دون كونية الالتزام
تضع فلسطين العالم أمام سؤال يتجاوز حدود التعاطف والمواقف السياسية: هل نحن مستعدون للدفاع عن القيم الإنسانية باعتبارها مبادئ ملزمة، أم أننا نقبل بها ما دامت لا تصطدم بمصالحنا وحساباتنا؟
إن قيمة المشترك الأخلاقي الإنساني لا تظهر في لحظات الإجماع السهل، بل في اللحظات التي يصبح فيها الالتزام مكلفا، وتُختبر فيها قدرة المبادئ على مقاومة ضغط المصالح. ومن هنا، فإن فلسطين ليست امتحانا للفلسطينيين وحدهم، ولا للعرب والمسلمين وحدهم، بل امتحان لمدى اتساق الخطاب الإنساني العالمي مع مقتضياته العملية.
ولعل المعيار الحاسم ليس عدد البيانات التي تعلن التمسك بالعدالة، ولا حجم الخطابات التي تستحضر الكرامة الإنسانية، بل مدى القدرة على حماية الإنسان، وإنصاف المظلوم، واحترام القانون، ومساءلة المسؤول عن الانتهاك، أياً تكن هويته أو موقعه.
فالمشترك الأخلاقي الإنساني لا يصبح مشتركا بمجرد أن تتردد مفرداته في المؤتمرات والمواثيق، إنه يصبح كذلك عندما تتحول كرامة الإنسان إلى معيار لا يخضع للمساومة، والعدالة إلى التزام لا يتغير بتغير المصالح، والسلام إلى مشروع لا ينفصل عن الحقوق.
فلسطين، بهذا المعنى، ليست هامشاً في النقاش حول مستقبل الإنسانية، بل إحدى ساحاته المركزية لاختبار صدقية القيم التي يدّعي العالم أنه يتقاسمها. ولا يمكن بناء إنسانية مشتركة على قيم تُعلن للجميع، ثم تُطبَّق على بعضهم دون بعض.
