الحانة والمرحاض في الفن التشكيلي

هذِهِ ليْسَت حانةً، وهذا ليْسَ مرحاضاً” أو جماليّة المرجعيّ
هل يُمْكِنُ تَصَوّر أنْ نقرأ يوماً ما دراسةً عن الحانات والمراحيض باللغة العربية؟ وإذا حَدَثَ، فكيْفَ ستكونُ طبيعةُ هذه الدراسة ومضامينها التي تنْدَرِجُ لا محالةَ ضمْن اللامُفّكر فيه والطابوهات، كما يقول الكاتب، أو تُعتبَر في أحسن الأحْوالِ غيْرَ ذات جَدْوى ولا تستحقّ حتّى عناءَ البحثِ والكتابة؟ ربّما تعود مثل هذه الأحكام إلى ثُنائيّة المقدّس والمدنّس التي ننظر عبْرها عادةً إلى موضوعاتٍ أدبية وسوسيولوجية وتاريخية، وإلى موضوعات المُقاربة الإستتيقيّة، أيْ مقاربة الصورة. ذلك أنّنا نَميلُ عادةً إلى تصوُّرِ الفنّ على أنه شيءٌ جميلٌ ومثاليّ، وأنّ له بالتالي موضوعات تليقُ به، موضوعات “جدّية” و”سامية”. ومع ذلك، فإنّ رفْع هذا التّحدّي الوصْفي والنقدي من خلال تناوُلِ موضوعات “هامشيّة” تناوُلاً جماليّا لهي مسألةٌ تُسائلنا وتُفاجئنا في الوقت ذاتِهِ، لاسيّما وأنّ عدداً من الفنانين التشكيليين الكبار، الذين بَذَلَ الباحثُ المتمكّن الأستاذ ابراهيم الحيْسن جهْداً كبيراً في توثيق إبداعاتهم الفنّية عن البارات والمراحيض التي باتتْ نجومَ هذه الإبداعاتِ، بعيدة عن كوْنها تافهة أو لا تستحقّ أنْ تكون موضوعاً للرسم والنحت والمحفورات الفنيّة والتصوير الفوتوغرافيّ.
ويُمكن القوْل، بكلّ اطمئنانٍ، بأنّنا أمام كتابٍ جميلٍ عن الحانات والمراحيض يُمْكن قِراءَته على الأريكةِ ونحْنُ نحتسي كأس شايٍ أو قهْوة، ذلك أنّ الباحث ابراهيم الحيْسن يَتناول هذه الثنائية من خلال تشخيصاتها الفنّيّة والتخيّيلية، مُستعملاً لغةً واصفةً تَمْتَحُ من سوسيولوجيا اليَوْمِيِّ ومِن الخِطابِ الإسْتتيقيّ الذي يتمكّن من آلياته ومُصْطلحاته. اللّافتُ في هذه الدّراسة هو حَجْم المَعلومات الفنّية الواردة فيها التي تَجْعَلُ القارئ يشْعُر بالفعل بأنه أمام موسوعة ثقافية وفنية لم تكنْ تحتاج سوى إلى قُدْرَةٍ تحليليةٍ وبيداغوجيّةٍ لتنتظم في كتابٍ مُتَرَابطٍ الحلقات. وفَضْلاً عن تتبّع ابراهيم الحيْسن للمُعطيات الإثنولوجية والثقافية التي تؤطر المتخيّل الاجتماعي المغربي المتعلّق بالحانة (البار، البيسترو، إلخ) وبالمِرْحاض (الكَنيفْ، الكابينة، التواليتْ، بيت الماء، بيت الرّاحة، إلخ)، فإنّه كان يقدّم لنا متعةً أخرى موازية، هي مُتعة التحليل والقراءة التي تجعلنا نُدرك أنّ الكاتبَ بقدْر ما يتوسّل بالمقاربات الجمالية والتشكيليّة للحانة (الرّوح) والمرحاض (الجسد) بقدْر ما كانتْ عيْنُه على المتخيّل الثقافي المجتمعي، من خلال نوعيّة أسماء أنواع الخمور والأنبذة، ولغة الشّاربين والموسيقى والنّقاشات؛ ومن خلال أنواع المراحيض وأسمائها ورموزها، حيث يوجد الجسد وحركاته بعيديْن عن أعين السّلطة، كما يقول الكاتب. ولعلّ قمّة هذه المُقاربة هي تخصيصه حيّزاً كبيراً لوصْف وتحليل “مِبْوَلَة” الفنّان الفرنسي-الأمريكي، مارسيلْ دوشامبْ الشهيرة. ففي سنة 1917، كان العالمُ يعيشُ مناخَ سياسة جيوسياسية تطْبعها الحَرْبُ العالمية الأولى والثورة الروسية. لكنْ بالمُوازاة مع ذلك، كان عالمُ الفنون التشكيليّة يشْهد ثورة أخرى. ففي السنة ذاتِها، سيُعيد مارسيلْ دوشانْ، ابتكار أَحَد رموز المرحاض، أيْ المْبْوَلَة، وذلك في أوْج الدّادائية وحركة الفنّ المضادّ. لذلك كان هذا مبتكر مفهوم “الأشياء الجاهزة”. لكن في الفضاء الغربي لمْ يسْلم دوشانْ في بداية عرض أشيائه الجاهزة، وخاصّة “مبْولته” من اللوم، بلْ من الرّفض والامتعاض. كان ذلك أثناء إقامة معرض بمدينة نيويورك. سوف تختفي المبولة الأصليّة، لكن بقيت منها نُسخة واحدة. وبعدها ستُنجزُ نسخٌ أخرى ابتداءً منْ سنوات 1960.
إنّ الرّوح الفكرية والأفق المعرفي الذي يفتحه الكاتب ابراهيم الحيْسن، في هذه الدراسة، هو أنّ العمل التشكيلي، من خلال موضوعات مثل الحانات والمراحيض والدرّاجات ومختلف الأشياء الجاهزة، باتتْ موضوعات أقرب إلى الحياة الواقعية، بلْ يصِلُ الأمر في بعض الأحيان إلى درجة الاندماج معها عبْر مبدأ التشابه معها. كل هذه المنتجات الجاهزة ستبدو عندئذٍ مشابهة جدّاً للأشياء التي كانت عليها في الحياة الواقعية. يشير بعض نقاد الفن المعاصر، في كثيرٍ من الأحيان، إلى هذه الحقيقة البسيطة: كيف يمكننا أن نعرف ما إذا كان هذا فنًا طالما أنّ الاختلاف مع الأشياء اليومية طفيف جدّاً؟
بعد الانتهاء من هذه الدراسة الغنية والمتشعّبة، نقتنع بأنّ طَرَافَةَ الموضوع، التي أشار إليها الكاتب في البداية، هي دعوة إلى رفْع اليد عن مادّية الأشياء في الفنّ، وبالتالي الرّفع من قيمة الإحساس الإنسانيّ، بحيث لا يبْقى إحْسَاسًا بالحانة في مادّيتها أو بالمراحيض في أشكالها وروائحها، بل يرتقي إلى إحْساسٍ بمفهوم الحانة ومفْهُوم المرحاض كشاعريةٍ للمكان، على حدّ تعبير الكاتب. وبالتالي، فمن خلال الجهْد الكبير الذي بَذَله في التوثيق والإحالات والصور الكثيرة المُرافقة والعتبات، وكذلك من خلال الانتقال السّلس بين العصور الفنية والمدارس وأسماء الفنّانين التشكيليّين، يُعلّمنا ابراهيم الحيْسن أنّ العَمَلَ الفَنّي، حتّى وإنْ بَدَا شيئاً جاهزاً، فإنّه لا يُحاكي الواقع في حقيقةِ الأمْر، إنّما يخلق عالماً موازياً لاستبعاد الوهم المرجعيّ، بحيث يمكن القوْل، على غرار عبارة “هذا ليس غليوناً” للفنان ماغْريتْ، “هذه ليست حانة، وهذا ليس مرحاضاً”، إنّهما تشخيصٌ للرّوحيّ والجسدي أنثروبولوجيّا وإستتيقيّا. ذلك أنّ التّماثُلَ المُفتَرض يُحافِظُ على المسافَة الضّروريّة بيْن اللوحة والمرجع، ويسمح للعمل الفنّي أنْ يبْنيَ دلالته الخاصّة بعيداً عن أيّ وهْمٍ مرجعيّ، أو عنْ أيّة علاقةٍ بما هو خارجيّ.

