قطوف من شجرة الثقافة المغربية

نعرف ادريس علوش شاعرا حداثيا ملتزما منذ طلائع الثمانينيات من القرن الفارط ، ينضم شعره البهي الطلقات من وجدان مشحون فياض، و يلامس أسئلة الوقت الساخنة بوعي شعري و نقدي متنور و نافذ.
كذلك عرفناه و ألفناه في أعماله الشعرية المتواترة/
- الطفل البحري / 1990.
- دفتر الموتى /1998.
- مرثية حذاء /2007 .
- فارس الشهداء /…….
- ……………………..
لكن بموازاة و في مساق هذه الرحلة الشعرية المتجددة، نقرأه ناثرا مجيدا ، بين الفينة و الأخرى ، عبر مقالات أدبية و أعمدة صحفية في هذا المنبر أو ذاك.
و كعادته دائما ، يقع على الأسئلة و الموضوعات الساخنة و الحساسة ، بالوعي الشعري – النقدي ذاته الذي يسكن نصوصه الشعرية.
و في كتابه الجديد ( في الثقافة المغربية) ، يستوي أمامنا إدريس علوش مثقفا متبحرا جواب آفاق، سابرا لأغوار و أسرار مادته.
إنه من عيار المبدعين – الكتاب الذين يجمعون بين أسرار الصناعتين ، الشعر و النثر. جسب عبارة أبي هلال العسكري.
و أشير في هذه التوطئة إلى صفة بارزة في إدريس ، و هي أنه ذاكرة ثقافية مغربية موشومة، بعبارة الخطيبي. واكب أجيالا و أسماء، و حضر لقاءات و ندوات، و ساهم في أنشطة و جمعيات. و زار عواصم و أقطارا، و عقد صداقات و علاقات. و عمل مراسلا لبقا لمجلة (الهدف) الناطقة بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
فهو بهذا المعنى ، مثقف حركي، و عضوي بامتياز.
و لا ننسى ، أنه كان و ما يزال نازعا عن قوس اليسار الأممي، ما بدل تبديلا ، و ما زادته كوارث العصر إلا تباتا و يقينا.
في كتابه الجديد ، يقدم لنا ادريس علوش، أمشاجا و قطوفا من الثقافة المغربية.
و الشجرة التي يقطف منها إدريس قطوفه الدانيات، شجرة وارفة الأغصان و الأفنان ، مختلفة المشارب و الطعوم.
و مصطلح ” الثقافة” هنا الذي يتصدر العنوان ، واقع في صميم نصابه و حقله، جامع لضروب النشاط الأدبي و الرمزي للمجتمع المغربي.
هكذا يطوف بنا قاطفا – و قارئا ، عبر المحطات و الشرفات التالية/
- محمد شكري- عبد الله زريقة – محمد عابد الجابري- إدمون عمران المليح- الأغنية الملتزمة في المغرب- القصيدة العامية بالمغرب –الأمازيغية لغة و ثقافة – الشعر الأمازيغي – جان جنيه- عبد الحق الزروالي- شهبة ” لمشاهب” – مسرح سيدنا نتس في طنجة..
إنه يعقد منتدى ثقافيا للثقافة المغربية، بمختلف أجيالها و مشاربها و رموزها.
و الكتاب بذلك، يتميز بأريحية ثقافية جميله و منفتحة.أو لنقل يتميز بديمقراطية ثقافية متنورة. حيث يحتفي بالثقافة المغربية الفصيحة، احتفاءه بالثقافة المغربية العامية، و الثقافية المغربية الأمازيغية.. في وئام ثقافي رائع ، بمنأى من كل الحساسيات و الحزازات المفتعلة . بمنأى من كل ” دوغما” ثقافية.
في هذه القطوف الثقافية نقرأ إدريس علوش ، كما نقرأ من خلاله أسماء أدبية مغربية عديدة و وازنة، يستحضرها في سياق قراءاته و مقارباته للثقافة المغربية ، فاتحا أقواسا و فسحا لحديثها و ملاحظاتها، بالأريحية الثقافية ذاتها التي تسكن الكتاب. و هو ما يجعل منه أنطولوجيا مكثفة للثقافة المغربية ، لخصوبة مادته و تنوع شرفاته و نوافذه.
و يضيف مقام هذه التوطئة عن تسوق الأمثلة و الشواهد على ذلك. فالتلميح يغني عن التصريح. و كل مقالة من مقالات الكتاب دالة على ذلك.
كما يستحضر الكتاب، تذكرة و تنويها، أسماء و رموز الثقافة المفربية، بكل أطيافها القزحية. و هو ما يجسد العمود الفقري للكتاب و مرتعه الخصب.
يستحضر أسماء شعراء و زجالين و مسرحيين و مغنيين أمازيغ… من كل فج مغربي و بلا جمارك ثقافية، من أقصى الريف إلى أقصى سوس.
يستحضر الكتاب هذه الأسماء و العلامات، مع دراية عميقة و ذكية بأسرار و تفاصيل الموضوع الذي يقاربه.
و في أكثر من محطة و شرفة، ينبش الكاتب في الذاكرة الثقافية و السياسية لسنوات الجمر و الرصاص ، و يستعيد بعض أصواتها و أصدائها الباسلة. و هي السنوات التي شهدت غليانا سياسيا و ثقافيا في آن. يوم كانت الثقافة “عضوية” و ” ملتزمة” ، تخوض في الغمار و تقتحم دوائر النار.
ذلك بعض ما يساقط من شجرة الثقافة المغربية في هذا الكتاب.
و لا أخفي شخصيا، أني استمتعت و أخذت كثيرا من مقالات هذا الكتاب المختصر المفيد.
و ما كتب بسلاسة، يقرأ بسلاسة. استمتعت ، و أنا أقرأ الكاتب متأملا في ملحمة محمد عابد الجابري الفكرية… أو مقتفيا محمد شكري و سيرته عبر أرصفة و جدرانه طنجة التي قال عنها – يحيى بن الوليد/
[ إن طنجة ، الأسطورة و الواقع، لا يمكنها أن تقرأ بمعزل عن محمد شكري ، و تحديد كتاباته النابضة و اللاقطة و الحاصدة لطنجة الأخرى].
ص.6
أو منصتا لجان جينيه ، الصعلوك- القديس الرافع شعار [ أرجو أن لا يتغير العالم ، لكي يمكنني أن أقف دائما ضده.] ص.5
و هو الشعار ذاته الذي تبناه إدريس علوش. أو مقتحما خلوة إدمون عمران المليح، الذي قال ذات يوم في أصيلة، في حوار مع أحد الزيلايشيسن المقيمين في هولندا/
[ أنا لا أعرف أية دولة اسمها إسرائيل !] ص.28
أو مقتحما الخطوط الحمر المشتعلة، لسنوات الجمر و الرصاص ، حيث كتب الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة ذات يوم، مقالة بعنوان/ ( عباد الله في سجون الملك)./
[ و كان يتحدث وقتئذ عن عبد اللطيف اللعبي و عبد القادر الشاوي و عبد الله زريقة.] ص.5/
أو منصتا للأهازيج و الأغاني الزجلية و الأمازيغية، بأصوات فنانين ملتزمين- أصيلين. كانوا شموعا تحترق لتضيء…
و حسنا فعل إدريس علوش، بجمعه هذه القطوف الثقافية بين دفتي هذا الكتاب، المختصر المفيد. و أحسب أن الأجيال الجديدة من القراء و الكتاب معا، ستجد في هذا الكتاب ما يشفي غلتها و ينعش ذاكرتها.
و كل حديث عن الكتاب، من قبل و من بعد، لا يغني عن الانصات المباشر للكتاب.
و أكيد أن القارئ سيجني من هذه القطوف الثقافية ، إمتاعا و مؤانسة و إفادة.

