جمال بندحمان في روايته الثالثة “الجعاسيس”
صدرت للأكاديمي المغربي جمال بندحمان عن دار افريقيا الشرق بالدار البيضاء، رواية جديدة بعنوان “الجعاسيس”،وهي الرواية الثالثة بعد روايتيه “محنة ابن اللسان” (2024) و”يوبا أعراب “(2025).

تستند رواية الجعاسيس في مادتها الحكائية على مادون في الكتب،وما روته الذاكرة الشعبية ،وتعتمد على حكي مركب ينوع آليات الاشتغال من خلال تعدد الأصوات،واعتماد سرد لولبي يقود القارئ في عوالم تخييلية متعددة الدلالات.
توزعت الحكايات عبر ثلاثة فصول بعناوين مختلفة ؛ الفصل الأول: سيرة الجعاسيس، والفصل الثاني جعاسيس الرماد، والنار،والفصل الثالث الجعاسيس والحمام،وهو ما يجعلنا أمام ثلاث حكايات لثلاثة اختيارات ومواقف ومصائر، وتستقي مادتها من أحداث مدونة، وكتابات تراثية، وسير شعبية حكت عن يُتْمِ سلطة المعرفة ومعاناتها في مواجهة سلطة التقاليد، وجَعَاسِيسِ الْحُكْمِ. تقدم الحكاية الأولى سيرة الجعاسيس وكتابهم السري الذي يصف اختياراتهم في الْحُكْمِ والتحكم، وعلاقتهم ببطانتهم وخاصتهم وعامتهم، وكيفية توظيفهم لِلْمُعْتَقَدِ وما يرتبط به، وموقفهم من كل من َتنَطَّعَ وخرج عن الخطوط المرسومة، وتتحدث الحكاية الثانية عن أولئك الذين رفض جعاسيس زمنهم أفكارهم فَسُجِنُوا، وقُتِلُوا، وأُحْرِقُوا، وأُتلفت كتبهم وما دونوه. وتقدم الحكاية الثالثة رواية نساء واجهن فِكْرَ مَنْ جعل جسد المرأة أهم من ذهنها، ورفضن كُتَّابَ الغرائز، وقَاوَمْنَ أنصار الأهواء وجعاسيس التحكم، وضَحَّيْنَ بأجسادهن مقابل اقتناعاتهن.
يحضر الجعاسيس في الحكايات الثلاث بمواقفهم؛ فهم يُوَجِّهُونَ السلوكات، ويَتخذون القرارات، ويَستغلون المعتقدات، ويُقررون في مصائر من يُكْتَبُ لهم الالتقاء بهم، أو الوقوف في طريقهم بغض النظر عن جنسهم، أو عمرهم، أو فكرهم، أو معتقدهم.

جمال بندحمان: باحث في السيميائيات وروائي يزاوج بين الفكر والإبداع
يُعد الدكتور جمال بندحمان واحدا من الأسماء الأكاديمية والثقافية المغربية التي استطاعت أن تجمع بين صرامة البحث الجامعي وخصوبة الكتابة الإبداعية، وبين الانشغال النظري بقضايا اللغة والخطاب والانخراط العملي في الشأن الثقافي والمدني. فهو أستاذ للتعليم العالي، متخصص في السيميائيات وتحليل الخطاب، وباحث أكاديمي وروائي وفاعل مدني، ما يجعل مساره نموذجا للمثقف الذي لا يكتفي بإنتاج المعرفة، بل يسهم في تداولها وتفعيلها داخل المجتمع.
نال جمال بندحمان شهادة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، حيث تخصّص في مجال السيميائيات وتحليل الخطاب، وهو تخصّص دقيق يتقاطع مع اللسانيات والنقد الأدبي والفلسفة والتواصل. وقد مكنه هذا التكوين العلمي من بناء مشروع معرفي متماسك، يقوم على قراءة النصوص والخطابات بوصفها أنظمة دلالية معقدة، تتجاوز ظاهر اللغة إلى بنياتها العميقة وآليات إنتاج المعنى فيها.
برز اسم بندحمان داخل المشهد النقدي المغربي والعربي من خلال مجموعة من المؤلفات المتخصصة التي كشفت عن حسّ علمي رصين ووعي منهجي دقيق. من أبرز هذه الأعمال كتابه “الأنساق الذهنية في الخطاب الشعري: التشعب والانسجام“ الصادر عن دار رؤية بمصر سنة 2011، حيث تناول فيه البنيات الذهنية المتحكمة في تشكل الخطاب الشعري، مبرزاً تفاعل التعدد والانسجام داخل النصوص الشعرية. وقد مثّل هذا العمل إضافة نوعية في مجال تحليل الخطاب الشعري من منظور سيميائي.
كما أصدر سنة 2015 كتاب “سيمياء الحكي المركب (البرهان والعرفان)“، وهو عمل يلامس قضايا السرد المركب وعلاقته بالمعرفة والتأويل، ويكشف عن قدرة المؤلف على توظيف أدوات التحليل السيميائي في قراءة النصوص الحكائية المركبة، سواء في بعدها الرمزي أو في امتداداتها الثقافية والفكرية.
في سنة 2025، واصل مشروعه العلمي بإصدار كتاب “السيميائيات وآليات تشييد المعنى“، وهو من الأعمال التي تعكس نضج تجربته البحثية، حيث يعالج فيه سؤال المعنى من منظور سيميائي، متتبعاً الكيفيات التي تُبنى بها الدلالة داخل النصوص والخطابات والأنساق الثقافية المختلفة.
لم يقتصر عطاؤه على المؤلفات الفردية، بل ساهم كذلك في عدد من الكتب الجماعية التي تبرز انفتاحه على الحوار العلمي والعمل المشترك. من ذلك مساهمته في كتاب “محمد مفتاح: المشروع النقدي المفتوح“، الذي تولى تنسيقه ضمن إصدار مشترك بين الدار العربية للعلوم ناشرون بلبنان ومنشورات الاختلاف بالجزائر، وهو كتاب يحتفي بأحد أبرز الأسماء النقدية العربية المعاصرة. كما شارك في كتب جماعية أخرى مثل “اللغة الأمازيغية: إشكالات وقضايا“، و**”تأويل العين والروح”، و“البيداغوجيا الجامعية”، و“خطاب الجنون في التراث العربي والغربي”، و“خطاب الجائحة: رؤى ومقاربات”**.
تكشف هذه المشاركات عن تعدد اهتماماته، إذ لا ينحصر في النقد الأدبي أو السيميائيات فحسب، بل يمتد إلى قضايا الهوية واللغة والتربية والثقافة وتحولات المجتمع. وهو ما يؤكد صورة الباحث الموسوعي المنفتح على أسئلة العصر، والقادر على ربط المعرفة النظرية بالرهانات المجتمعية الراهنة.
إلى جانب اشتغاله الأكاديمي، يُعرف جمال بندحمان أيضا بصفته روائياً، وهو بعد إبداعي يثري شخصيته الفكرية ويمنح أعماله النقدية حساسية خاصة تجاه اللغة والتخييل والسرد. فالكاتب الذي يقرأ النصوص بمنهج علمي، هو نفسه المبدع الذي يختبر إمكانات اللغة في الكتابة الروائية، مما يخلق تفاعلاً خصباً بين النظرية والتجربة الإبداعية.
أما حضوره المدني، فيتجلى في مساهماته الثقافية والفكرية داخل الفضاء العمومي، حيث يمثل نموذج الأستاذ الجامعي المنخرط في قضايا المجتمع، المؤمن بدور الثقافة في ترسيخ قيم المواطنة والحوار والانفتاح.
تبرز تجربة جمال بندحمان قيمة المثقف المغربي المعاصر الذي يجمع بين البحث والإبداع، وبين الجامعة والمجتمع، وبين التحليل العلمي والالتزام الثقافي. وهو بذلك يرسخ مكانته ضمن الأصوات الفكرية التي أسهمت في تطوير الدراسات السيميائية وتحليل الخطاب في المغرب والعالم العربي، وفي إغناء المكتبة العربية بأعمال تجمع بين العمق المنهجي والانشغال بأسئلة الإنسان واللغة والمعنى.
