المسرح ليس نشاطا موازيا

المسرح ليس نشاطا موازيا

د. عبدالله الشيخ /

إن المسرح أحد أبرز الأشكال التعبيرية التي رافقت الإنسان منذ بدايات تشكل الوعي الجماعي، إذ لم يكن مجرد وسيلة للترفيه أو الفرجة، بل كان دائما فضاء للتأمل والنقد وإعادة بناء العلاقة بين الفرد والعالم. من هذا المنطلق، يكتسب الاحتفاء باليوم الوطني للمسرح دلالة ثقافية ورمزية عميقة، لأنه مناسبة لاستحضار الدور الحضاري الذي يضطلع به المسرح في ترسيخ قيم الحوار والجمال والوعي، وفي تنمية الحس النقدي داخل المجتمع.
لقد ارتهن لمسرح عبر التاريخ بتحولات المجتمعات وأسئلتها الكبرى، فظل مرآة للتحولات السياسية والاجتماعية والفكرية، ومنبرا للتعبير عن القضايا الإنسانية المشتركة. ففي المسرح الإغريقي، ارتبطت التراجيديا بمصير الإنسان وصراعه مع القدر، بينما غدا المسرح الحديث أداة لطرح الأسئلة المتعلقة بالحرية والعدالة والهوية والوجود. من هنا، فإن المسرح لا يمكن اختزاله في كونه فنا أدائيا فحسب، بل هو ممارسة فكرية وجمالية تسهم في تشكيل الوعي الإشكالي وصياغة الذائقة الثقافية.
في السياق المغربي، استطاع المسرح أن يراكم تجربة غنية ومتنوعة، بفضل جهود رواد آمنوا بقدرة الخشبة على التغيير والتنوير. فقد شكل المسرح المغربي، منذ بداياته الحديثة، فضاء للتفاعل بين التراث والحداثة، وبين المحلي والكوني، حيث استلهم من الموروث الشعبي ومن الحكاية الشفهية ومن فنون الحلقة والفرجة التقليدية، وفي الوقت ذاته انفتح على التجارب المسرحية العالمية ومناهجها الجمالية والفكرية. أفرز هذا التفاعل تجارب مسرحية مائزة ساهمت في إغناء المشهد الثقافي المغربي والعربي.
إن الاحتفاء باليوم الوطني للمسرح لا ينبغي أن يقتصر على الطابع الاحتفالي أو التكريمي، بل يفترض أن يتحول إلى لحظة للتفكير في واقع المسرح وتحدياته الراهنة. فالمسرح اليوم يواجه تحولات عميقة فرضتها الثورة الرقمية وتغير أنماط التلقي، حيث أصبحت الصورة السريعة والمنصات الافتراضية تنافس الفضاء المسرحي التقليدي. مع ذلك، يظل المسرح محتفظا بفرادته، لأنه يقوم على الحضور الإنساني المباشر وعلى العلاقة الحية بين الممثل والجمهور، وهي علاقة لا يمكن تعويضها رقميا مهما تطورت الوسائط التكنولوجية.
من بين أهم القضايا التي تستدعي النقاش في هذه المناسبة، مسألة التكوين المسرحي ودعم البنيات الثقافية وتشجيع الأجيال الجديدة على الانخراط في الممارسة المسرحية. فالنهوض بالمسرح يقتضي الاستثمار في التربية الفنية منذ المراحل التعليمية الأولى، لأن المسرح ليس نشاطا هامشيا أو موازيا ، بل وسيلة لبناء شخصية الإنسان وتنمية قدراته التعبيرية والتواصلية والإبداعية. كما أن دعم الفرق المسرحية وتوفير فضاءات العرض والتكوين يعتبر شرطا أساسيا لاستمرار الدينامية المسرحية وتعزيز حضورها داخل المجتمع.
كم يكتسي المسرح، أيضا، بعدا تربويا وإنسانيا بالغ الأهمية، لأنه يُعلم الإنسان الإصغاء إلى الآخر وفهم الاختلاف وتقدير التنوع الثقافي و العيش المشترك. فالممثل حين يجسد شخصية مغايرة له، يفتح أفقا للتعاطف الإنساني، والجمهور حين يتابع العرض المسرحي، لا يكتفي بالمشاهدة، بل يشارك وجدانيا وفكريا في بناء المعنى الذي يشكل ماهية الوجود و علته. من هنا، فإن المسرح يسهم في تكريس قيم المواطنة والحوار والتسامح، وهي قيم تزداد الحاجة إليها في عالم يعرف توترات وتحولات متسارعة.
إن اليوم الوطني للمسرح هو، في جوهره، احتفاء بالإنسان وبقدرته على الحلم والإبداع ومقاومة العزلة والقبح و عدم الاكتراث. فالمسرح، رغم كل التحديات، سيبقى فنا للحياة، لأنه يمنح الإنسان إمكانية إعادة اكتشاف ذاته والعالم من حوله. لذلك، فإن مستقبل المسرح يظل رهينا بمدى إيمان المجتمع بأهمية الثقافة والفنون في بناء التنمية الإنسانية والحضارية، وبمدى القدرة على جعل المسرح جزءا حيا من الحياة اليومية ومن المشروع الثقافي الوطني.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *