نبيل لحلو  الفنان الشامل الذي جمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل

نبيل لحلو  الفنان الشامل الذي جمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل

نبيل لحلو من الأسماء المؤسسة للحداثة المسرحية والسينمائية في المغرب، ومن أبرز المبدعين الذين أسهموا في صياغة خطاب فني جديد قائم على التجريب الجمالي والجرأة الفكرية. وُلد بمدينة فاس سنة 1945، في مرحلة تاريخية كانت تعرف تحولات سياسية وثقافية عميقة، الأمر الذي انعكس لاحقا على رؤيته الفنية التي اتسمت بالنزعة النقدية والسعي إلى مساءلة الواقع المغربي والعربي من خلال لغة إبداعية متفردة. تلقى تكوينه المسرحي في فرنسا، حيث احتك بالتيارات المسرحية الحديثة وبأهم التجارب الأوروبية في الإخراج والتمثيل والكتابة الدرامية، قبل أن يعود إلى المغرب حاملا مشروعا فنيا طموحا يهدف إلى تجديد أشكال التعبير المسرحي والسينمائي.

تميّز نبيل لحلو بكونه فنانا شاملا جمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل، وهو ما أتاح له التحكم في مختلف مراحل العمل الإبداعي، ومنحه حرية واسعة في بلورة رؤيته الفكرية والجمالية. وقد اختار منذ بداياته أن يسلك طريقا مغايرا للأنماط الفنية السائدة، فابتعد عن الأعمال التجارية السهلة، وانحاز إلى ما يُعرف بسينما المؤلف التي تجعل من المخرج صاحب رؤية فكرية وفلسفية متكاملة. لذلك جاءت أعماله محملة بأسئلة الوجود والهوية والسلطة والحرية، ومشبعة بروح نقدية تستهدف تفكيك البنيات الاجتماعية والسياسية والثقافية.

في المجال السينمائي، شكل فيلم «القنفودي» سنة 1978 محطة مفصلية في مساره الفني، إذ أعلن من خلاله عن ميلاد تجربة سينمائية جديدة تعتمد السخرية والرمزية والتجريب البصري. ثم توالت أعماله التي رسخت مكانته ضمن رواد السينما المغربية، من بينها «الحاكم العام» (1980)، و«إبراهيم ياش» (1982)، و«نهيق الروح» (1984)، و«كوماني» (1989)، و«ليلة القتل» (1992). اتسمت هذه الأفلام بلغة سينمائية خاصة تقوم على المزج بين الكوميديا السوداء والفانتازيا والبعد العبثي، مع توظيف مكثف للرموز والإشارات الثقافية التي تدعو المتلقي إلى التفكير والتأويل. ولم تكن هذه الأعمال مجرد حكايات سردية، بل كانت فضاءات للتأمل في قضايا الإنسان المغربي والعربي، وفي إشكالات السلطة والعدالة والذاكرة والاغتراب.

كما واصل نبيل لحلو مسيرته السينمائية خلال العقود اللاحقة، مقدما أعمالا مثل «سنوات المنفى» و«شوف الملك في القمر»، حيث ظل وفيا لخيار التجريب والبحث عن أشكال تعبيرية جديدة. وقد تميزت هذه المرحلة بعمق أكبر في معالجة القضايا الإنسانية، وبنزوع واضح نحو استحضار الذاكرة الفردية والجماعية باعتبارها عنصراً أساسياً في بناء الهوية الثقافية.

أما في المسرح، فقد كان لحلو أحد أبرز المجددين الذين ساهموا في تحديث المشهد المسرحي المغربي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. كتب وأخرج العديد من المسرحيات بالعربية والفرنسية، وحرص على تطوير لغة مسرحية تتجاوز الأشكال التقليدية نحو آفاق أكثر انفتاحاً على التجريب والابتكار. كما اشتغل على إعادة قراءة بعض النصوص الكلاسيكية العالمية، ولا سيما أعمال وليام شكسبير، من خلال إسقاطها على الواقع المغربي المعاصر، بما يسمح بإنتاج دلالات جديدة تتفاعل مع التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفها المغرب.

آمن بقوة الفن في تغيير الوعي وتوسيع آفاق التفكير

لقد ارتبط المشروع الفني لنبيل لحلو بالدفاع عن حرية التعبير وحق الفنان في مساءلة الواقع وكشف تناقضاته. لم يكن الفن بالنسبة إليه مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للتفكير والنقد وإثارة الأسئلة العميقة حول الإنسان والمجتمع. لذلك ظل متمسكا باستقلاليته الفكرية والإبداعية، حتى وإن كلّفه ذلك الابتعاد عن دوائر الإنتاج التجاري أو المؤسسات الثقافية التقليدية.

برحيل نبيل لحلو سنة 2026، فقدت الساحة الثقافية المغربية والعربية أحد أبرز رموزها الإبداعية وأكثرها جرأة وأصالة. غير أن إرثه الفني والفكري سيظل حاضرا في الذاكرة الثقافية، باعتباره نموذجا للمبدع الذي آمن بقوة الفن في تغيير الوعي وتوسيع آفاق التفكير. لقد ترك وراءه رصيدا غنيا من الأعمال المسرحية والسينمائية التي ستبقى شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة المغربية، ومصدرا للإلهام بالنسبة للأجيال الجديدة من الفنانين والباحثين والنقاد.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *