التواصل والإشهار في عصر الصورة »للباحث عبد الله الشيخ

  التواصل والإشهار في عصر الصورة »للباحث عبد الله الشيخ

 

مُمْكِنَات التواصل ورهانات الإشهار

يجمع هذا الكتاب بين دفتيه تحليلات معتَبَرَة في مجال المعلومة والتواصل والطفرة الرقمية والإشهار، والجامع بين هذه المجالات المتعددة والمتداخلة مقاربة بين حقول معرفية متقاطعة تتطلب زادا معرفيا مهما، وعُدَّة علمية وازنة، الشيء الذي أضفى على موضوعه جاذبية ومُعَاصَرَة تغوي القارئ بالاطِّلاعِ عليه وتفحُصِهِ، والاستزادة من معارفه.

يبحث هذا الكتاب لمؤلِّفِهِ عبد الله الشيخ في ثنايا الثورة الرقمية، وفي زوايا الثقافة البصرية، ويقف عند أهمِّ انعطافاتها، وأبرز محطَّاتها بالدَّرْس والتحليل، مُرَكِّزاً على البُعد البصري للصورة، وعلى الجانب التواصلي التفاعلي، وعلى ما يطرحُهُ من رهانات تجارية تسويقية عَبْرَ استحضار تقنيات الإشهار وتحليل الخطاب الإشهاري.

يسلِّطُ الكتاب الضوء على وسائل الاتصال من تلفزيون وإنترنت وصحافة لما تلعبه من دور حاسم في بلورة مضامين الرسائل، وفي تحوير فحواها بما يتفق مع إرساء سلطة خفية ناعمة على أذهان وعقول المستهدفين وجمهور المُتلقِّين. السلطة إذن مُقوِّم أساسي من مقومات وسائط الاتِّصال.  فهي ليست بريئة ومحايدة، ولا تنقل المعلومة بتَجَرُّدٍ ونزاهة وموضوعية بل تُسْهِمُ في توجيه العقول، وأحيانا في التلاعب بها بما يخدُمُ منطق السلطة.

تناول المُؤَلِّفُ في السياق ذاته الانعطاف البصري في الثقافة الحديثة، والذي انتهى بتتويج الصورة وتنصيبها المقام الأول في هذه الثقافة. والانعطاف هنا يعني التَّحوُّل من ثقافة الكتابة إلى ثقافة العين، ومن نظام الحرف إلى نظام الأيقونة. تعرَّض الكاتب في السياق ذاته إلى الطفرات الحاصلة في تكنولوجيات الاتِّصال من التماثلي (l’analogique)  إلى الرقمي (le numérique).

ساهمت هذه التحولات والانعطافات في بلورة ثقافة جديدة  خاصيتها هيمنةُ الصورة في الإعلام والتسويق والإشهار، ولعلَّ تخصيص الكتاب لجزء مهم من الكتاب للإشهار، والصورة الإشهارية دليل على إيلاء أهمية كبيرة لرسائلها الظاهرة والخفية، وعلى أهمية ثقافة الإشهار والاستهلاك، والجدير بالذكر أن التواصل والإشهار صِنْوَانِ لا يفترقان، وغايتهما الفعَّالية والنجاعة، وخصَّص للتواصل وأصنافه حيزا مهماً: منه التواصل المؤسسي، والتواصل الانفعالي- النفسي، والتواصل السياسي، إلى حد يمكن اعتبار المجتمعات الحديثة مجتمعات تواصلية بالدرجة الأولى. لكن التواصل ممارسة وانفعال واستراتيجية ولا يعني قط أنه به يتحقق التفاهم.

ما تجدر الإشارة إليه، والإشادة به بالنسبة للكتاب هو أنَّه خصَّ دراسته للإشهار بتحليل سيميائي، وبمعالجة جمالية، وبوصفٍ شِبْهِ هندسيٍّ للتصميم الإشهاري، وبالتالي الابتعاد ما أمكنه ذلك عن إصدار أحكام القيمة السالبة لكلِّ أصالةٍ عن الإشهار، واجتناب التنقيص من الإعلان الإشهاري بذريعة أنه استهلاكي وبحجة أنَّه يحتوي على الدرجة الصفر في المزايا الجمالية والإبداعية والفنية. بالمقابل اعْتَنَى المؤلِّف بالغ العناية بكيفية تصميم الإعلان الإشهاري، وبطُرُق هندسته، وبأشكال تصميمه، وبغاياته الاستهلاكية التسويقية، وبالفئات المُسْتَهْدَفَة، وبطُرُق صياغة ما يُحيطُ به من أساليب لغوية حاثَّةٍ على الاستهلاك، ومن تقنيات نفسية مثيرة للرغبة إلى حدٍّ يبدو معه أن تصاميم الإشهار، وقوالبه وصيغه المُبْتَكَرَة لا تخلو من جهد إبداعي عكس ما هو شائع من أنه عملية تكرارية آلية.

ولم يُغْفِلْ في السياق ذاته أنَّ الماركة (أو العلامة التجارية) ومنطقها يؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ على الخطاب الإشهاري، فخصص له تحليلاً مُعْتَبَراً، فهي الجاذبة للمنتوج، والمثيرة والمُحفِّزة على الاقتناء، فلولاها ما تمايزَتْ المنتجات في ما بينها، ولما تَفَاوَتَتْ السلع، ولما صُنِّفَ بعضُها بالجيد، وبعضها الآخَر بالرديء. وفي نهاية المُطاف وبفضل مفهوم الماركة لما فهمنا الفرق بين منتوجات الرفاه(produits de luxe)  ومنتوجات الاستعمال اليومي.

يتَّسمُ الكتاب بلغةٍ سَلِسَةٍ تقرب الأذهان من مضامينه، وبأسلوبٍ لا يخلو من إمتاعٍ ومن مؤانسة، كما أن الكتاب استوفى موضوعه من جوانب عدة، واسْتَكْمَلَ مادته، واستوفى اقتباس مقاربات شتَّى، منها الاجتماعية، ومنها النفسية-التحليلية، ومنها التصميمية والتسويقية-التجارية، ومنها المقاربات التواصلية. طبعاً لا يدَّعي الكتاب بجميع الزوايا والمنظورات غير أنه فتح أبواب ونوافذ على موضوعٍ حارقٍ، وعلى إشكاليات مُقْلِقَةٍ، وقضايا راهنة في عالم الإعلام، والتواصل، والميديا، ويمكن اعتبار الكتاب من نوع الكتب التي تفتح أَعْيُناً ناقدةً على واقعنا السيبراني، وعلى عالمنا الرقمي، ويمكن اعتباره من نوع الكتب التي تزوِّدُ القارئ كما الباحث بزادٍ معرفيٍّ، وبذخيرة نقدية تمكن من تحليل الظواهر التي يجيش بها واقعنا المعاصر. كما أن الكاتب سَلَك مَسْلَك الرصانة في الطَّرْح، والموضوعية في الرؤية دون تَحيُّزٍ لمقاربة بعينها، كما لم يستسلم لتحليل منحاز أو لمدرسة مخصوصة بل حاول أنْ يجمع كَوْكَبَةً من ينابيع الفكر المعاصر يُقرِّبُ من المطلوب، وُدْنِيهِ من المنشود.

تجشَّم الكتاب صعوبات شتى لما يحفل به هذا الحقل من تداخل الاختصاصات، ومن تشابك المعارف، ومن تَنَافُذِ المنظورات، وشقَّ طريقه بجدية في تحليل مُمْكِنَات التواصل، ورهانات الإشهار، ومُضْمَرات الصورة والحقل البصري بكيفية تجعله وثيقة لا غنى للطلبة والباحثين. فضلا عن أن الكتاب عَجَّ بالمعلومات اللاَّزمة، والمراجع الضرورية، وزَخَر بكل ما من شأنه تيسير قراءته، وفهم مضامينه، ومن ثم أعتبره لَبِنَةً مهمَّةً تنضاف إلى محتويات المكتبة العربية، وإضافةً نوعيةً من أجل إغناء الرصيد المعرفي التواصلي والبصري في لُغَةِ الضَّادِ، وتزويد القارئ العربيّ برؤية نقدية إلى رواج الصور واستهلاك الأيقونات البصرية، والإعلانات الإشهارية.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *