التشكيلي والسينمائي

التشكيلي والسينمائي

 

 

تَجَلّيات العلاقة بين السينما والتشكيل 

 السينما، كانت ثمرة قرون من التراكم البصري والجمالي الذي أسّسه الفن التشكيلي، من لوحات عصر النهضة إلى التجريد المعاصر. وعلى شاشة السينما، وجدت اللوحة فسحتها الجديدة: تتحرّك، تتنفّس، وتروي.

     كان اكتشافُ السينما لأفلام الفن التشكيلي حدثاً فنيّاً وسوف نَجِدُ مع انتشار السينما في العشرينيات من القرن العشرين، أنَّ العديد من التشكيليِّين السيرياليين كانوا يَرَونَ في السينما وسطاً مثاليّاً لسبر واستكشاف عوالم أخرى. (مان راي وهانز ريختر وفرانسيس بيكابيا) كانوا ضمن الفنانينَ الذين قاموا بمحاولاتٍ تجريبيةٍ مع الفيلم لغاياتٍ سيريالية. (بيكابيا) كتب سيناريو فيلم (استراحة) من إخراج (رينيه كلير)، (وسلڨادور دالي) شارك (لويس بونويل) في كِتَابَةِ وإخراج (كلبٌ أندلسيٌّ). إنَّ هذا الانتقال من الوسط التشكيلي إلى الوسط السينمائي يجعل هؤلاء الفنانين، وعلى نحوٍ محتومٍ، يوجّهون اهتماماً وعنايةً أكبر بتكوين الصورة. عندما يأتي الرسام إلى الفيلم فإنَّه، بالضرورة يأتي حاملاً معه نظرةَ التشكيلي إلى التكوين واللون، ولابُدَّ أنَّ وظائف الرسام والمخرج السينمائي تغذّي بعضها البعض.

     هذا الكتاب “التشكيلي والسينمائي- تواطؤات جمالية” للباحث الجمالي ابراهيم الحَيْسن ليس تأريخاً جامداً لتقاطع الفنّيْن، بل هو محاولة لفهم العلاقة العميقة التي تربط بين عدسة الكاميرا وفرشاة الرسام، بين تكوين الكادر وتوزيع الأشكال، بين الإضاءة في المشهد والضوء في اللوحة. في الكتاب يقترب الحَيْسن من التجارب التي التقت فيها السينما بالرسم، من أفلام استلهمت أعمالاً تشكيلية، إلى مخرجين تشكيليين في رؤيتهم، من هانز ريختر الى التعبيرية الألمانية وحتى كيشلوفيكي، ومن أيزنشتاين إلى تاركوفسكي، ومن كوروساوا إلى فلييني، ومن رسومات غويا إلى عوالم هوبر وماتيس وسيزان، ومن سيريالية دالي إلى رمزية ماغريت.

     عبر أربعة عشر فصلاً، يقدّم ابراهيم الحَيْسن في كتابه تحليلاً نقديّاً و تدويناً فيلموغرافيّاً موسّعاً واعادة تنصيص مكثفة وجادّة للمسائل المدروسة في تَجَلّيات العلاقة بين السينما والتشكيل، التي تتّسع وتتعدّد مستوياتها، بما يتجاوز إطار التأمّل الظاهري لجماليات التشكيل ودلالاته التعبيرية؛ حيث تظهر إمكانياتٌ عديدة لاستحضار موضوعات ومضامين، مُستَلهَمة من الفنون التشكيلية، لِنَسج حبكات تَستَبطِنُ تَمَثُّلَ كاتب ومخرج الفيلم من الفن التشكيلي أو تبني أحداثها على تفاصيل مستلهمة من تاريخ الفن وسِيَر شخصية لفنانين تشكيليين، أو تستفيد من دلالات وإشارات اعمال فنية عالمية لوحات، منحوتات وغرافيك ضِمن سياقاتها، مَثَلَت لوحات كبار الفنانين قدماء ومعاصرين إلهامًا للمخرجين عند تنفيذ مشاهدهم السينمائية روائع اللوحات على مرّ التاريخ تحوّلت لمشاهد سينمائية تدبّ فيها الحركة، إلى آخر ذلك مِن تَجَلّياتٍ باتت بعضُ شواهِدِها تمثل علاماتٍ في ذاكرة السينما العالمية.

     ويتابع الكتاب الأسئلة النّظرية والجمالية لانفتاح السينما باعتبارها كتابة بالضوء على مستويات إبداعية متنوّعة مثل الكاريكاتير والملصق السينمائي، والعين السينمائية المنفتحة على معمار المدن واستفادتها من الفوتوغرافيا والميديا الرّقمية والذكاء الاصطناعي.

     كما يفتح هذا الكتاب نافذة على نماذج من الفن التشكيلي العربي والسينما، وتأثيره على المخيال السينمائي المحلي، في بحث عن خصوصية الجماليات التي تنبع من الهوية.

     إن كتاب الحَيْسن عمل بحثي دقيق وجاد ودعوة للتأمّل في السينما والتشكيل، كلاهما يرسم الإنسان، ويُعيد تشكيل العالم، حيث اللون والضوء والكتلة والفراغ تتجاوز كونها عناصر تقنية، لتغدو مفردات تشكيلية تُحيي الصورة السينمائية، وتمنحها عمقاً رمزيّاً وأبعاداً نفسيّة واجتماعية هو إضافة بحثية ونقدية مهمّة للمكتبة العربية بأفاقها التشكيلية والسينمائية.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *