منعطفات التواصل والإشهار»للباحث عبد الله الشيخ

الديناميكية الجديدة للصورة
في عالم تتسارع فيه الإشارات وتتضاعف الصور وتتقاطع المعاني، تتجلى الحاجة إلى لحظة تأمل تعيد ترتيب علاقتنا بالمرئي، وتستكشف جذوره الأولى ومساراته المتشعبة. ومن هنا يأتي هذا العمل الأكاديمي ليشكل قراءة نقدية راسخة في تاريخ التواصل والإشهار؛ قراءة لا تقف عند حدود الوصف، بل تتجاوزها إلى التحليل والتأويل والكشف عن البنية العميقة التي حكمت الصورة منذ أن خرجت من دائرة القداسة في عصر النهضة إلى فضاء التداول الواسع في العصر الحديث. إن استعادة هذه الرحلة الطويلة ليست مجرد اجتهاد علمي، بل هي محاولة لإعادة قراءة الوعي البصري وإحياء الأسئلة الكبرى التي رافقت تشكل الصورة منذ أن بدأت تعلن حضورها الجديد في الذاكرة الإنسانية.
لقد حاول هذا الكتاب أن يتتبع المحطات الأساسية لتطور الصورة، لا بوصفها شكلا بصريا فحسب، بل كقوة فكرية وثقافية وسياسية أسهمت في صياغة تمثلات الإنسان للعالم وفي إعادة تنظيم العلاقة بين العين والواقع، وبين الذات والأشياء. فمن خلال مزيج دقيق من التحليل التاريخي والقراءة الجمالية والمقاربة الوسائطية، يكشف هذا العمل كيف استطاعت الصورة أن تعيد بناء تمثلات الوعي، وأن تتحول من أداة طقسية إلى أداة تأثير، ومن رمز ديني إلى خطاب إعلامي، ومن أثر فني إلى منتج استهلاكي له قوانينه وسلطته. إن هذا التحول لم يكن وليد صدفة أو نتيجة تطور تقني فحسب، بل هو نتاج صيرورة فكرية وفنية وثقافية تعكس طبيعة التحولات التي مر بها العقل الإنساني ذاته.
إن عصر النهضة، بما أحدثه من انقلاب جذري في علاقة الإنسان بالمعرفة وبالجسد وبالمكان، يشكل نقطة انطلاق مركزية في هذا الكتاب؛ إذ ظهرت الصورة فيه كنافذة جديدة للمعنى، لا تتحرك في فلك السلطة الدينية وحدها، بل تتغذى من العقل العلمي، ومن الحس الإنساني، ومن الاكتشافات البصرية التي رفعت من شأن العين بوصفها وسيطا للمعرفة. ومع انبثاق المطبعة وتطور علوم المنظور في القرن الخامس عشر، انفتحت الصورة على عالم جديد، وتحول الإبداع البصري من فعل فردي معزول إلى خطاب يعبر المدن والفضاءات عبر الكتب، والرسوم، والحفر، والجداريات. وهكذا أخذت الصورة تنتقل من كونها أثرا فنيا إلى كونها لغة، ومن كونها موضوعا للتأمل إلى كونها أداة للنفاذ إلى الوعي الجماعي.
وتتعمق أهمية هذا المسار حين ندرك كيف أن الصورة لم تعد مجرد وسيط للتعبير، بل باتت وسيطا معرفيا تتبلور عبره الأفكار، وتُبنى من خلاله الرؤى، وتتحدد بفضله علاقات الإنسان بالعالم. ولقد أثبتت تحولات الحداثة – بما فيها صعود الصحافة والإعلان والملصق والسينما والتصوير الفوتوغرافي – أن الصورة قادرة على إعادة ترتيب الحقول المعرفية، وأنها قادرة على مشاركة النص في إنتاج الدلالة، بل والسيطرة عليها في بعض الأحيان. وهنا يتجلى جوهر هذا الكتاب المرجعي ، الذي يسعى إلى فهم هذه الديناميكية الجديدة للصورة، وكيف تداخلت مع الهويات والثقافات والاقتصاديات، حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من بنية الحياة اليومية.
ولعل من المحطات الثقافية التي تستحق التوقف عندها، تلك اللحظة التي جمعتني في ديسمبر 2024 بمدينة الشارقة، خلال حفل تكريم جائزة البحث النقدي التشكيلي الذي أقامته دائرة الثقافة، حيث كان المكرم الأول فيها هو المبدع والأكاديمي والناقد الفني الدكتور عبد الله الشيخ، إلى جانب تكريمي في المناسبة نفسها.
ورغم أن اللقاء بيننا كان موجزا تفرضه طبيعة الحفل وعموميته، فقد ترك أثرا خاصا لما يحمله الدكتور عبد الله الشيخ من حضور إبداعي لافت، وذائقة فنية رفيعة مكنته من قراءة الأعمال التشكيلية بعين خبيرة قادرة على التقاط التفاصيل التي تمر أحيانا دون أن تُرى. ويحظى الدكتور عبد الله بمكانة راسخة في حقول الإبداع الأدبي والنقدي والتشكيلي في المغرب العربي، وفي الوطن العربي بأسره، وقد قاربت تجربته حدود العالمية من خلال أعماله الجادة ومشاريعه المعرفية الوازنة وإسهاماته النقدية التي أصبحت مرجعا للباحثين والدارسين. إن رؤيته الفكرية الدقيقة، وقدرته على تحليل الظواهر البصرية، وحساسيته اللغوية والجمالية، تجعل من خطابه أحد الأصوات المؤثرة في المشهد التشكيلي العربي المعاصر. ومن ذلك المحفل الذي احتفى بالمبدعين وكرم الدكتور عبد الله الشيخ على منجزه البارز، تجدد اليقين بأهمية الذائقة الفنية في توجيه العين والوعي معا، وبضرورة مواصلة البحث في تاريخ الصورة وتحولاتها وأدوارها في تشكيل المخيلة الجمعية.
إن التحول من عصر النهضة إلى العهد الحديث لا يمثل مجرد انتقال زمني، بل هو انتقال في جوهر الصورة نفسها؛ إذ تتوسع وظائفها، وتتداخل مع الاقتصاد، ومع الإعلام، ومع التكنولوجيا، ومع أنماط الحياة الجديدة. ومع صعود الفضاء الرقمي وتحول العالم إلى بيئة بصرية لا تهدأ، أصبحت الصورة عنصرا مركزيا في التفاعل الاجتماعي، وفي تشكيل الوعي، وفي إنتاج المعنى. وهنا تتضاعف أهمية المقاربة النقدية التي يقدمها هذا الكتاب، حيث يعيد وضع الصورة ضمن سياقاتها الإنسانية، ويكشف آليات تأثيرها، ويحلل قدرتها على النفاذ إلى الذائقة الفردية والجماعية.
يقدم هذا الكتاب نصا مفتوحا على التأمل، محكم البناء، غنيا بالقرائن والتحليلات، دون أن يتخلى عن نفس أدبي يضفي على المعرفة جاذبية وعلى الفكرة وضوحا. ففي كل صفحة، نجد امتزاجا بين صرامة البحث ومتعة القراءة، وبين التوثيق العلمي والرؤية الجمالية التي تجعل من الصورة حدثا فكريا لا مجرد مادة بصرية.
وتكمن القيمة الكبرى لهذا المؤلَّف في كونه يعيد الاعتبار للصورة بوصفها قوة موازية للنص، قادرة على إنتاج المعنى وصياغة الوعي والارتقاء بالذائقة. إن الصورة هنا ليست متنا دراسيا فحسب، بل إطار شريك في إنتاج التاريخ، وشحذ الوعي، كما أنا تحمل معالم مشروع حضاري تتداخل فيه الفلسفة بالفن، والعلوم بالتواصل، والخيال بالواقع.
إنه عمل يمنح الباحثين والدارسين في مجالات الفنون والإعلام وتاريخ الأفكار والدراسات الثقافية مرجعا مهما لفهم تشكل المرئي، ويتيح للقارئ العام فرصة فريدة للتعرف إلى المنعطف الذي سلكته الصورة عبر العصور، وكيف تحولت من أثر فني إلى خطاب يوجه الأذواق ويؤطر أنماط العيش. وبين الفكر والجمال، وبين التأصيل والتحليل، وبين الذاكرة البصرية للماضي وتجليات الحاضر، يتقدم هذا العمل ليفتح أفقا جديدا في مبحث الصورة والإشهار، وليعيد النظر في علاقتنا اليومية بالمرئي، بوصفه خطابا لا يقل تأثيرا عن الكلمة، وربما يفوقها حضورا ونفوذا فيl زمن غدا فيه العالم برمته فضاء بصريا مؤمثلا.


