صديقنا عبد الرحيم جبراني
الفوتوغراف
بِمَهَارَةِ الخبِيرِ العَارِفِ بتركيب الصُّورَة ، واضِعًا كُلَّ عُنْصُرٍ بَصَرِيٍّ فِي المَنْطَقَة المُلَائِمَةَ ، المُتَحَكّمِ في عَنَاصِر آلة التَّصْوِيرِ بِفَتْحَةِ عَدَسَتِهَا وَبِمَقَاييسِ الضَّوْءِ والعَتَمَةِ ، مُرَاهِناً عَلَى سُطُوعِ الضَّوِءِ كَمَا يَنْبَغِي للبراهينِ أَنْ تَسْطَعَ وَتَتَوَهَّجَ حَتَّى وهَيَ تُضِئُ الْمَنَاطِقَ الضَّبَابِيَّةَ خِلاَلَ مُحَاولتهَا القَبْضَ عَلَى جِسْمٍ يَنبُضُ أَوْ يَسْمُو أو ينْحَطُّ أو يَتَهَاوَى ، مُتَحَكِّمًا فِي فتحة العدسةِ باْلقَدْرِ الّذِي يَكْفِي للْهَيْمَنَةِ عَلَى مَنْسُوبِ الضَّوْءِ …
أَحْرَصُ مَا يَكُونُ عَلَى تَسَاوِي زَاوِيَةِ انْطِلاَقِ الفِكْرَةِ ، وَزَاوِيَةِ تَلَقّيهَا تَمَاماً مِثْلَمَا كَانَ أَسْلاَفُهُ فَلاَسِفَةُ التَّصْوِيرِ حريصينَ عَلَى تَسَاوِي زَاوِيَةِ انْطِلاَقِ الشعاع وزَاوِيَةِ انْعِكَاسِهِ …
بِهَذِهِ المَهَارَةِ وَبِهَذَا الحِرْصِ يُديرُ السَّيد عبد الرحيم جَبْرَانِي عَلاَقَاتِهِ مَعَ الْعَالَمِ مُحَلِّلاً لفكْرَةٍ ، أو مُجَادِلاً ، أو مُفَاوِضًا ، أَوْ مُوَجِّهاً ، أو ناصِحاً ، أو فَقَط مسْتَمِعاً بِهُدُوءِ وَبِسَكِينَةِ من رسَخَتْ فِي ذِهْنِهِ عقيدةُ إعَادَةِ تَرتيب العالم
العالَمُ بالنسبةِ إلَيْهِ ” أشكالٌ ” قَابِلَةٌ للتَّعْدِيلِ بِوَاسِطَةِ الفَنِّ الفُوتُوغْرَافِي ، والمخيّلَةُ التي وُجِدَتْ مَعَ الإنسانِ منذُ أن كان الكوكَبُ كُرَةً مِنَ الثَّلْجِ ، هي الضَّوْءُ عينُهُ بِلَوْنٍ أَبْيَضَ – إن اُفتَرَضْنَا أنَّ الأبيضَ أحَدُ الألوانِ – خلاَّبةً ومَليئةً بالدَّهْشَةِ والعجائب …
القبضُ على الضَّوْءِ – في تصوُّرِهِ – هُوَ القَبْضُ عَلَى الْبَيَاضِ الكامِنِ فِي المُخَيّلَةِ ووضْعُهُ في المَكَانِ المُنَاسِبِ عَلَى نَحْوٍ تَصِيرُ فِيهِ الصُّورَةُ تدويناً لِمَا في المخيلَة ، هَذَا هُوَ تَرْتِيبُ العالَم الذي كان عبد الرحيم جبراني مولعًا به .
مِيلاَدْ صَدَاقَةٍ
في بدايةِ ثمانينَاتِ القرنِ الماضي كنتُ أحدَ مُرْتَادِي ” نَادِي السّينما الجديدة ” ، أًوَاظِبُ صَباحَ كُلِّ أحَدٍ عَلَى الحُضُورِ بقاعة سِينما ” بوليو ” قاسِيَّةِ البُرُودَةِ بعينِ السَّبُع ، لأُشَاهِدَ الفيلْم الّذي يبْعَثُ إلينا بِهِ السَّيد سعد الشرايبي محمَّلاً بهُمُومِ شعُوبِ الاتحادِ السوفياتي وبولَنْدَا وبَلْغَارْيَا ، لكنَّهُ يَفْتَحُ شهيةَ الّنقَاشِ حَوْلَ البرولتياريا ، والحزب الثوري ومواقِفِ روزا لوكسومبورغ من لينين ، والأروشيوعيةِ إلخ ….. نقاشٍ قلَّما جاورَهُ نِقَاشٌ سينمائي حَوْلَ حركةِ الصورة ، والضوءِ ، وحَوْلَ الَّلوْنِ والصَّوْتِ والمُونْتَاجِ إلخ ….
هُنَاك تَعَرَّفْتُ عَلَى السَّيد عبد الرحيم جبراني ، قَبْلَ أَنْ يُبَادِرَ صديقي الشَّاعِرُ محمد الزاهر ، آنذاك ، إلَى عَقْدِ لِقَاءَاتٍ لَنَا ، تَقَاسَمْنَا خِلاَلَهَا أفكاراً وَمَوَاقِفَ فِي الفَنّ والْحَيَاةِ ، ومُنْذُئِذٍ لَمْ يعد لِجَلْسَتِنَا – محمد الزاهر وأنا – طعمٌ في غيابِ عبد الرَّحِيم جبراني .
لاَ أَعْرِفُ إنْ كَانَتْ مَكْتَبَةُ الْمَدْرَسَةِ العُلْيَا للفنونِ والدِّيزاين الَّتِي أَسَّسَها وتولَّى إدَارَتَهَا منذُ سنة 2006 هُنَاكَ فِي شَارِع طانطان بحي العنق ، إن كَانَتْ مَاتَزَالُ تَضُمُّ إلَى رُفُوفِهَا ” رائحة الجوافة ” الكِتَابَ الَّذِي جَمَّعَ حِوَارَاتِ كَابرييل كَارسيا ماركيز مَعَ صَدِيقِهِ الحَمِيمِ بلينيو أيوليو ميندوثا : إنه الكتابُ الذي أَعَارَنِي إياهُ بمناسبة أَوَّلِ لِقَاءِ لنا ، مُعْجَباً بحِرْفةِ الكاتِبِ وطقوسِ الكتابَةِ واعْتِيَادِ هَذَا الروائي العظِيمِ عَلَى الجُلُوسِ مِنَ الخَامِسَةِ صباحاً إلى الواحِدَةِ بَعْدَ الزَّوَال للكِتَابَةِ بالْقَلَمِ الرَّصَاصِ ، على طاولَةٍ تعُجُّ بأَقْلاَمِ الرصاصِ ، حَتَّى إذا مَا هاجمتْهُ حُبْسَةُ الكِتَابَةِ ، مَضَى يَبْرِي الأَقْلاَمَ ريْثَمَا تَحُلُّ السَّاعَةُ الْوَاحِدَة.
كَانَ هَذَا الكتَابُ فَاتِحَةَ عهدي برِوائِيٍّ استثنائيٍّ ، قرأْتُ فِي مَا بَعْدُ كُلَّ رِوَايَاتِهِ وَقَصَصِهِ وحِوَاراته ، وَمَا أَزَالُ أعكِفُ عَلَى قِراءَةِ مَلْحَمَتِهِ العظيمة ” خريف البطريق ” منذ أزيدَ مِنْ ثلاثين سنة ، وبِمُتْعَةٍ تزيدُ عن سابِقاَتِهَا ، خِلال كُلّ قِرَاءَةٍ لَهَا .
مَتْحَفُ الصَدَاقَةِ
لِكلٍّ مِنَّا أوراشٌ كُبْرى في الحياةِ يتعهَّدها ويسهر عليها ويحتفلُ بإِنْجَازِهَا . كذلك كَان لَنَا وَرْشٌ سَمَّيْنَاهُ ورشَ الصَّدَاقَةِ. كنا نحنُ الثلاثةَ نؤمنُ بأنَّ الصَّداقةَ ورشٌ لا ينتهِي ، وكُنَّا – بواسِطَةِ صَبْرِنَا ، صبرِ الرِّواقيينَ الكبارِ – نعكفُ على تَعَهُّدِهِ بالتَّرْمِيمِ والتَّزيينِ مثلمَا يفعل متعَهّدُو المتاحِفِ كلَّ صَباح .
ذلك أن الصداقَةَ بالنّسبةِ إلينَا هي مَتْحَفٌ عظيم حافلٌ بالتُّحَفِ الثمينَةِ وبالأسْرَارِ ، يُغْرِي بتزايد الوافدين .
زوارٌ كثيرونَ توافدواْ على متحفنَا ، وتَرَكُواْ آثَارَ خُطاهُمْ على أرضِيَّةِ مَتْحَفِ صَدَاقَتنا ، ولِأنَّ كُلَّ صداقةٍ لا تشبهُ أُخْتَهَا ، ولأنَّ لكلِّ صداقةٍ بصمَتَهَا التي تميزُهَا عَنْ بَاقِي الصَّدَاقَات ، تميَّزَتْ صداقَتُنَا بطُمُوحٍ دَفِينٍ وغيرِ مُعْلَنٍ لَدَى كلٍّ منَّا ، في أن يكون تفوقُ ونجاحُ وتألقُ صَديقِه ، هو تفوقَه ونجاحَه وتألقَهُ أيضًا .
وَمَعَ وعْي كُلّ منَّا بأَنَّ هذا الطموحَ طُمُوحٌ ذَاتِي ، يقومُ بُرْهَانا سَاطِعًا على حُسْنِ اختيارِ الصديقِ ، وهو طموحٌ تتقاسمُهُ كُلُّ الصداقاتِ ، تميَّزَتْ صَدَاقَتُنَا بِوَاجِبِ تَحْريرِ كلّ مِنَّا لصديقِهِ، هكذا كنا نقول : ” نعم ” حيث يَتَوَجَّبُ القَوْلُ ” نعم ” ونقول ” لا ” حيثُ يَتَوَجَّبُ القَوْل ” لا ” ، حتَّى فِي المَوَاقِفِ الَّتِي تَخُصُّ المَصَالحَ الخاصَّة لِكُلٍّ مِنَّا من غَيرِ مؤاخذةٍ أو عِتَابٍ وَمنْ غَيْرِ خُضُوعٍ لدَفْتَرِ تحمُّلاتٍ مُعَدٍّ لَهُ سَلَفًا .
وهكذا اعتزَّ كُلٌّ مِنَّا بالآخَر ، في ميدانِ عملهِ وداخِلَ أُسرَتِهِ ولَدَى معارفِهِ حتى لَكُنَّا نُؤَلّفُ عائلة كبرى …
لَمْ يتَأَخَّرْ أَيٌّ منَّا فِي المسَانَدَةِ كلما اقتضَتْ امْتِحَانَاتُ الحَيَاةِ المساندةَ : كَان شِعَارُنَا دَوْماً ” لستَ وَحْدَكَ ، نحنُ مَعَك ” هكذا إلى أن تمرَّ السَّحَابَةُ ، فنعودُ إلى ورشتنا .
هكذا تعاقَدْنَا عَلَى أَنْ تَكُونَ صُحبتُنَا في الفَنّ مُقَيَّدةً بِرِبَاطِ العَدْلِ ، مقيدةً بالالتزَامِ بأن يَحْرِصَ كلٌّ منا نحنُ الثلاثةَ على تحريرِ الآخرِ من أي قيدٍ ، وعَلَى أن يكونَ وفيًّا لنفسِهِ ، إذ في هذا النوعِ من الوفاءِ ، وحدِه ، يتحقَّقُ الوفَاءُ للصَّدَاقة .
إذْ لم يَكُنِ الخداعُ والتَّمْويهُ وإعلانُ العَوَاطِفِ غيرِ الحقيقيَّةِ من اختصاصِنَا ، مَعَ إدراكنا أَن ” العالم يحبُّ أن ينخدعَ “، ولَمْ يكُن أيٌّ منَّا مَعنِياً ببنَاءِ ” القلاع الفنية ” ذلك أننا اتَّفَقْنَا على أن القِلاعَ الفَنِّيَةَ هي مُجَرَّدُ مُعَادِلٍ موضوعيٍّ للطُّمأنينة ، على أَنَّ مَاءَ الفَنِّ لاَ يجْرِي إلاَّ محفوفاً بالأخطارِ وبالأعاصيرِ .
وها هي جَلَسَاتُنَا شِبْهُ المنتظمةِ تفسَحُ للدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ والحدوسِ ، تَفْسِحُ للمتْعَةِ الفّنيةِ الّتي ليستْ سِوى الشعورِ بالحريةِ : المقَدّمَةِ الكُبْرَى للعقل فهماً وتفسيراً …
على هذا النحو كنا نَتَصَدَّى للاستبْدَادِ والطَّاعَةِ فِي الرَّأْي ونُقِيمُ مكانَهُ العَدْلَ حَيْثُ القَبُولُ بِكُلِّ الآراء ، وحيث الاحتفالُ بِكُلّ الرُّؤى الفنية ، وبكُلّ مُبْدِعي الوطن كتاباً وشعراءَ وفنانينَ و تَشْكِيلِييّن ونَحَّاتِين ومَسْرَحِيّين وَسينمَائيّين ، منْ غَيْرِ تشَنُّجٍ تُجاهَ البعضِ ولا إقصاءٍ تُجَاهَ غيرهم : كُلُّ التجارِبِ مَحَطَّ تقديرٍ مُرَحَّبٌ بِهاَ في مَتْحَفِ الصَّدَاقةِ ، وَرْشَتِناَ العظيمة.
غِيَّاب
أَثْنَاءَ زِيَّارتِنَا لَهُ يَوْمَ الأربعاءِ السَّابِقِ عَلَى تَارِيخِ وَدَاعِهِ لنا ، كان غائبا عَنَّا ، يفْتَحُ عَيْنَيْهِ بين الفَيْنَةِ والأخْرَى ويبتَسِمُ ، خُيّلَ إلَيْنَا أَنَّهُ كَانَ يُولَدُ فِي كلّ لَحْظَةٍ ليمُوتَ فِي اللَّحْظَةِ المُوَالِيَةِ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يُصْغِي إلَى حدِيثنَا نَحْنُ الثلاثَة قُرْبَ سَرِيرِهِ ، ذَلِكَ أَنَّهُ نُطَقَ بِهَذِهِ العِبَارَة ” حَصَلَ هَذَا فِي السَّبْعينات ” ثُمَّ عَادَ إلَى نَوْمِهِ الْعَمِيق ، فِي الْيَوْم الْمُوَالِي قِيلَ لَنَا إنَّ حَالَتَهُ تَحَسَّنَتْ وَأَنَّ شَهِيَّتَهُ للأكلِ عَادَتْ إلَى سَابِقِ عَهْدِهَا ، فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ سَاءَتْ حَالَتُهُ بالْقَدْرِ الْكَافِي لِيَجْعَلَنَا نَقُولُ ” لم تَكُنْ تِلْكَ الانتِعَاشَةُ سِوى يَقَظَةِ مَا قَبْلَ الرحيل” .
كانت السماءُ شديدةَ التجهُّمِ ذلك الرابع عشر من فبراير 2026 ، عندما شَيًّعْنَاهُ إلى مثواهُ الأخيرِ ، فُقْدَانٌ لم نفكّرْ فيه يوماً ، فقدانٌ حَضَرَ من غيرِ أن يضرِبَ موعِداً ، حَضَرَ في صُورةِ غيابٍ متعدّدِ الألوانِ ، فقدانٌ على هيئة قوسِ قُزَح. ما أكثر ألوَانَكَ أيها المَوْتُ!
مـحـمـد الصابر
شاعر ورفيق درب الراحل عبد الرحيم جبراني
الدارالبيضاء : 10 مارس 2026

مع رفيقي دربه الشاعرين محمد الصابر و محمد الزاهر

