أبواب الضــــوء :الداخل ليس كالخارج من أبواب الغزالي

جدار يفضح جداراً آخر
والظل يحميني من ظلي الخائف
كل الجدران تتسلل ببياضها إلى صمتي
جيورجيو دوكيريكو

-1-تنفتح دلالة الفضاء الإبداعي لتأسيس مفهوم جديد لسطح العمل الفني، والانتقال من السطح المغلق إلى السطح المفتوح بكشف الكثير من الحقائق، التي كان اللون أو الخط يطمس معالمها تحت تأثير قوة المادة، وتحكمها ببرمجيات التلقي المبنية على الثقافة التراكمية.. إنها هيمنة الأدوات الاتصالية.. واللون – على سبيل المثال – واحد من هذه الأدوات التعبيرية. لذلك فإن الأثر الذي تتركه مثل هذه البرمجيات يؤدي إلى تأثير مباشر في طرق الإبداع، أي بطريقة صياغة العمل، وطريقة استقباله. لهذا فإن التحول في صياغة حامل بنية العمل الفني يشكل تفكيكاً للمفاهيم الأساسية الثابتة، وإعادة بناء روابط جديدة بين البنية الداخلية للعمل الفني وبنية الحامل المستحدث، وهو ما يعيد الصلة التفاعلية فيما بينهما لإنتاج صياغة متطورة.

إن اختيار أدوات جديدة للتعبير والتواصل يؤدي حتماً إلى سبل جديدة لاستقبال العمل الفني، وطرق اتصال مستحدثة تعتمد على عناصر إضافية على مستوى الإيحاء، وهو مايلجأ إليه الفنان حكيم الغزالي في تجربته الجديدة، حيث يقوم بتنفيذ أعماله على سطوح الأبواب القديمة، بدلاً من قماشة الرسم، أو الورق، أوالرقائق الخشبية التي اعتاد على اختبارها في السابق، ولاقت رواجاً كبيراً من قبل المتلقي، ومقتني الفن. إلا أن ذلك لم يبعده عن استكمال مشروعه البحثي في المجالات البصرية، والذي يعتبر الركن الأهم في تجربته..
ولعل توظيف الباب لهذه المهمة التفاعلية إنما يأتي على خلفية إشكالات تطور المحترف المغربي على وجه الخصوص، والمحترف العربي على وجه العموم، والموقف من كثير من القضايا التي تهم التراث والمجتمع، والرؤى الحضارية والإنسانية. كون المغرب يمتلك بنية جمالية وميراثاً فنياً لا يمكن فصله عن بنية المجتمع المغربي، وذاكرته، وتاريخه الفكري. أو عن الموقع الذي يجعله يعيش حالة برزخية بين أفريقيا وأوروبا، أو تعايش الديانات السماوية إلى جانب بعضها البعض، وكل ما راكمه التاريخ في الهجرات التي تمت من الأندلس إلى المغرب، والاحتلالات الأجنبية، فرنسية وأسبانية.. في الجنوب والشمال، وغير ذلك من القضايا الإنسانية المفصلية التي جعلت المغرب اليوم على ما هو عليه على المستوى البصري والفني.

هذه الطبقات مجتمعة، ولدت بالتأكيد فعالية بصرية تجلت في كثير من الجوانب المتصلة بالمعمار، والإرث الزخرفي الهائل الذي نشاهده في كل موقع، وتنوع المهن والمهارات اليدوية، والحرف المتقنة المتشبعة بقراءات جمالية متميزة للمكان والطبيعة والإنسان، وهذا المكون المعقد والمتداخل الذي يمتزج فيه الحاضر بالماضي، وكل مايمزج الإنسان بالطبقات الثقافية والفكرية والعقائدية المتعددة القراءات والتأويلات، لسل مفهوم التفاعل فيما بين استلهام المبدع وذاكرته من جهة، وفيما بينه وبين الواقع المتغير بسرعة في ظل ظروف شمولية وإنسانية عامة من جهة أخرى، ما يجعل المنتج التشكيلي مكوناً اختبارياًَ وتفاعلياً يعيش مخاضاً طويلاً ومديداً، منذ قام ابن علي الرباطي بتحقيق أولى لوحاته العام 1910م بتأثير الثقافة الغربية وحتى اليوم، حيث يقوم مجموعة من الفنانين بتوليد رؤاهم التي تتجاوز الكثير من الحركات الفنية التي شهدها المغرب، والتي ضمت نخبة كبيرة من المبدعين المؤثرين الذين تركوا بصمات مهمة، ليس على مستوى المغرب، وإنما على المستوى الدولي والعالمي. بخاصة بعد الاستقلال (1955م) حين بدأ الفنانون المغاربة بطمس معالم التبعية للمحترفات الغربية التي تأسست في المغرب، والتي كان لها أكبر الأثر بتوليد اشتغالات على صلة مباشرة بالمرجعيات الغربية (بيرتوتشي الأسباني الذي كان مشرف الفنون الجملية ومؤسس مدرسة الفنون بتطوان، ومدرسة الفنون الإسلامية. والفرنسي ما جوريل بمراكش الذي أسس للإتجاه الساذج في الفنون التصويرية المغربية). ما أدى إلى صراع حقيقي اشتبك فيه الأكاديميون مع من سواهم، كما اشتبك – لاحقاً – الذين يدعون لإحياء التراث وتمثله، والفئة التي رأت في التجديد خلاصها بإحياء الشخصية الإبداعية في إطار المناهج الإنسانية، للانعتاق بشكل كلي من كثير النقاشات التي كانت دائرة آنذاك في الثقافة المغربية.
وكما شهدت الثلاثينيات استهلالاً لأفكار الانعتاق من التأثيرات الغربية، فقد عاشت مرحلة الأربعينيات صراع الجدل فيما بين التجريد والواقعية ذات الصلة بالناس وأحداثهم وقضاياهم. فالتجريد يمثل البذرة المركزية، والمحور الذي تدور حوله قيم التراث الفني المغربي عبر تاريخه الطويل.. قبل أن يدخلها الإسلام، وبعده. فالدراسات تشير إلى أن الفنان المغربي كان ملتصقاً بالأرض والواقع، ومستجيباً للأفكار التي تقصي التمثيل والتشخيص، حتى فيما قبل تعرفه على الإسلام، والتمثل بالزخارف والتزاويق على الأواني والجدران التي لا أثر فيها للتمثيل الإنساني أو الحيواني، وتؤكد الكتابات والوثائق بأن المسيحية في بداية عهدها كانت قد حرمت رسم الأشخاص ومنعت رسوم الأشخاص في الكنائس وبقي هذا التحريم سارياً إلى أن حدث الإنسجام بين الدولة والكنيسة في القرن الرابع للميلاد.
الإنسان الذي تخلى عن وضع نفسه في الصورة، أبدع فنوناً مختلفة تحرره من سلطة الشكل، ليوغل أكثر في الإبداعات التجريدية المتمثلة في الزخرفة والنقش والنسيج والصناعات المتنوعة التي تدمج النفعي بالجمالي، والتي ارتقت أكثر فأكثر مع دخول المغرب المرحلة الإسلامية، وخاصة في عهد الأدارسة في القرن التاسع للميلاد، ليتوضح أكثر في القرن العاشر على يد بني يفرن، ولينتشر في زمن المرابطين والموحدين، والدولة المرينية ما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر للميلاد، إثر سقوط غرناطة العام 1492م. وأضحى الفنان الذي عاش على صلة بالأرض والواقع مرتبطاً بالمناخ السياسي والفكري والاقتصادي مطوراً وعيه بالمكان والبيئة.
صراع الثلاثينيات من القرن الماضي مثل وعياً واضحاً بمضمون الذات للخروج عن التلاقحات الغربية، بالالتفات – أكثر وأعمق – إلى المكونات الشخصية، في إطار حركية التطور الحضاري والتاريخي، وما توفر من تبدل في الأدوات المنتجة للعمل الفني. أو ماتحقق في الوعي الاجتماعي، وذهنية الفئات المختلفة لاستقبال الأفكار إثر التبدلات التي حصلت في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، وما راكمته بيانات المبدعين من حقائق للتفكير بمصير الإبداع، وكل ما أدى إلى تحطيم الجدار الخامس لصالة العرض الفني في الستينيات، والخروج بالأعمال الفنية إلى الفضاءات العامة، لاختبار صلة الناس بما ينتج من أجلهم. حين عرض بلكاهية وشبعا والمليحي وحميدي وأطاع الله وحافظ أعمالهم في الشوارع والساحات العامة، بموازاة البيانات التي حددت خيارات الفن التشكيلي المغربي أواخر الستينيات من القرن الماضي بالتوجه مباشرة إلى الشارع. أي إلى جمهور متنوع، ومراجعة المبادئ الأكاديمية المسبقة التي أتت بشكل ما على “رجل الشارع”، كما كان هدفهم إثارة اهتمام الناس ودفعهم لإدخال تعابير تشكيلية جديدة في ميادين حياتهم، وفضاءاتهم اليومية.
هكذا كان الصراع في الربع الأخير من القرن المنصرم فيما بين الفنانين، والذي ولد الاختلاف في الآراء والرؤى تجاه القضايا المطروحة آنذاك حول الحداثة، والمعاصرة، والتراث، والأصالة، والتجديد، والتحديث. فالطليعة البصرية في المغرب كانت تستلهم في تمردها على ذاتها وعلى الآخر ما كان قائماً في الحركة الزنجية، ذات الصلة بالتشكيل والموسيقى واللغة، وهي جزء من خصوصية الانتماء فيما بين المغربي والعربي والزنجي، أو ما كان مطروحاً في قراءات “الباوهاس” أو حركة “الهاردج” في أمريكا. وقد شهدت مدن كثيرة في المغرب حضور الأنشطة المكثفة للطليعة، وفي مقدمتها مراكش، والدار البيضاء، والرباط. ليتحول الفنانون في غير اتجاه للتقلب في نظم البحث والتجريب، بحثاً عن مستقر لخصوصية الشخصية والموقف الثقافي من العالم..
وقد مضى التجريب على أيدي كثيرين لتكون مسألة الإبداع هي الأساس.. سواء مثل الاشتغال البحثي قضايا تحليل التراث وترميزه وتفعيله، أو كان التخلي عنه خطوة لولوج المفاهيم الجديدة، التي تضيف وتثري ما هو متحقق. فمنذ السبعينيات تخلى الفاطمي والزبيدي عن الحرف والكلمة ليوغلوا في عالم الألوان، فيما كان البناني آنذاك يسعى لتأسيس منفتح على الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وسيكون لانفتاح القاسمي وبوركبة والمليحي واليعقوبي وابن الشفاج ومغاره الدور المهم في نقل الصراع إلى أبعاد أوسع. كما سيكون لبيان محمد شبعة حول غربة التشكيل في محيطه ما ينقل التجربة إلى مواقع على صلة بالثقافة بشكل عام والتقنيات بشكل خاص.. إضافة إلى سبل بناء الشخصية.
لقد خلص الفنان محمد شبعا في بيانه العام 1966 إلى مواقف من الالتزام كمفهوم، وإلى أن “الواقعية التمثيلية ليست من صميم عقليتنا التشكيلية” وأن الفن الفطري ليس الإمكانية الوحيدة، وأن “الالتزام الحقيقي يجب ألا يعني الرجوع إلى قوالب فنية ورجعية غريبة عنا” وقد انتهى بضرورة العودة إلى الهندسة والزخرفة، التي يعتبرها أكثر واقعية وتعبيراً عن العقلية التاريخية المغربية من أية صورة تمثل مشهداً من مشاهد الحياة اليومية آنذاك.. وهي دعوة صريحة للتجريد الذي سيحتل مساحة واسعة لاحقاً في الفنون البصرية، ستقود الكثير من الفنانين إلى عوالم التجريد، الذي يتميز على المستوى العربي والعالمي. من أمثال فؤاد بلامين وأحمد جاريد وحكيم الغزالي وماحي بين بين وآمال بشيري وسواهم ممن أغنوا المشهد الحالي بعطاءاتهم البصرية.

-2-لقد حاولت تقديم الصورة المختزلة للموقع الذي ينتمي إليه الفنان حكيم الغزالي بتجربته وللتنويه بمعنى الصراع والحراك الذي عاشه المحترف المغربي في بحثه عن الذات، وفي دأبه على بناء هيكله بين الفنون العربية والإفريقية والدولية. وللتأكيد أن العملية الإبداعية في حقيقة أمرها تعتمد على تراكم الخبرات، وعلى النقاشات الحادة القائمة بين القضايا المطروحة في كل فترة فيما بين الفنانين، بالإضافة لإنضاج الذوق، وإبقاء العملية الإبداعية حية في مناخ من الحرية والشاعرية المولدة لجوهر الفن والتعبير الصادق، واختيار الموقف الواعي في إطار تبدل المدارس والاتجاهات والتجاريب، وتذويبها مجتمعة لصالح الطاقة التعبيرية، والضرورات الفنية البصرية والتشكيلية المعاشة.
نشأ حكيم الغزالي في المغرب، ودرس في فرنسا، وعمل في الإمارات، وما بين أفريقيا وأوروبا وآسيا حمل الغزالي ذاكرة المغرب، وذاكرة المحترف التشكيلي المغربي بنجاحاته وانتكاساته، ليبني رؤيته وتفرده في التشكيل. منطلقاً من أهمية متابعة البحث في الفضاء التخيلي الذي تحققه سيولة المجال، الذي تبنيه العلاقات والإشارات والرموز.. عالمه السابح على جدران البنائين البيضاء، المبتهجة بسطوع الشمس عليها في نهارات المغرب المعتدلة، شماله أو جنوبه، سهوله أو جباله، متخلياً عن العناصر الأساسية التي شكلت محور اشتغال مختلف الفنانين في المغرب، والمستندة في بعضها إلى الغنى اللوني، والتنوع الصباغي الصريح، ومعاني التزويق، وكل ما نراه في مفردات الحياكة والتطريز، أو التخطيط والتذهيب، أو في السقوف وواجهات السقايات والأرضيات والأبهاء والأعمدة والمحاريب، وغنى القصور بالتجيس، والشمسيات والزليج، والمرصعات والفوادات، والقباب والأقواس والأعمدة، والأحواض والأروقة في المدن المنتشرة على مساحة المغرب.. فاس وتازه وأغادير وسلا والرباط والدار البيضاء وطنجة وسواها.

كما أنه كان واضحاً في اختياره للضوء المنطلق من بنية العمل بدل أن يكون منعكساً عليه، ولهذا لم يلتفت إلى صلات الضوء بالظل في التنضيدات الهندسية المتشابكة النتشرة في كل مكان، فبقيت المساحة المشغولة تعتمد على نبضه الداخلي والذاتي، ناظراً عن بعد إلى القياسات الحسابية الدقيقة في هندسة المفارقات، كشكل يمكن أن يغلق عليه أبواباً يحتاج بنفسه إلى ولوجها بحرية، وبانفعال خاص يجعل العين تتعقب الفكر لا الشكل، واللا لون بدلاً من اللون. وكأن شهيقاً عميقاً يمنح النفس الرضا وهو يصور بواقعية شديدة حساسيته المفرطة تجاه الزمن، مترجماً عالمه بما امتلك من خبرات ثقافية واحترافية جعلت من أعماله لغزاً محيراً. فهي بيضاء خالية إلا من إشارات، أو لمسات بسيطة تظهر على خجل في أي موقع، وبصغر يجعلها تُظهر حجم المساحة المقتطعة في محاكاتها للجدار، محققاً رهافة الإصغاء والنقاء في مجال هو في غاية السكون. وكأن الضوء المبهر المنطلق من البياض هو نور الشرق الذي يخفي المعالم، في حين يكشف ضوء الغرب الأشكال ويجعلها في اهتمام النظر ومركزه.
القطيعة، والتوازن الذي يلعبه النور في جعل المساحة تمتد خارج حقيقة رؤيتها، ونفي قيم الضوء بالمعنى الفيزيائي، إضافة لنفي الواقع بحضوره على صورة الدوافع الباطنة التي تجعل علاقة حكيم بالمجال علاقة تحليلية لكل ما هو ذاتي. كما أن تغييب اللون وإخفاء الحركة يجعلان الفنان يمضي في تجربته خارج الموروث التجريدي، ليؤكد أن قيمة العمل مرتبطة بوجوده في العلاقات المستقلة عن العناصر اللونية، وبنية المتاهة الهندسية بوحداتها المتكررة والمتناظرة والمتوازنة.. وكما حفر الإنسان البدائي آثاره ورسمها على جدران الكهوف في المغرب، فإن حكيم يبدع جدرانه ليحفر ويترك آثاره و”خربشاته” عليها، ببساطة تشبه تلقائية الطلبة الذين يتركون آثارهم على الجدران البيضاء، لتبقى – لفترات طويلة – شاهداً على مرورهم بها.
لقد كان حكيم يمضي ساعات من نهاره – في طفولته – وهو يحاول أن يكتب بيتاً من الشعر على أحد جدران منزل جده فوق السطح، إلا أنه لم يستطع أن يترك أي أثر، وبقى ذلك حلماً مستحيل التحقيق، لأنه كان يكتب بالماء، وبفرشاة يغمسها بالماء ليكتب على الجدار، وما أن ينتهي من كتابة الشطر الأول وينتقل إلى الشطر الثاني حتى يكون الجزء الأول قد بدأ بالجفاف، بعد أن يتبخر الماء عن الجدار الممد في عين الشمس، ويغيب الشعر في الضوء.. كان يمضي في الكتابة، ويعاود الأمر من جديد، ليرى أثر الرطوبة في البياض للحظات، ثم تمضي في الزمن.. إنه يرسم اللا مرئي في اللا مكان، وهو المجال الذي يتألف من الفضاءات المتفاعلة مع بعضها البعض، فضاء ذاته، وفضاء خياله، وفضاء المكان الذي ينتمي إليه..
مقارنات لا تغيب عن ذهنه أينما رحل.. صلة المكان الواقعي المفعم بميراث زخرفي وهندسي ومعماري يشكل شاهداً حياً على أناقة الحياة وبهائها، ومكان افتراضي يخلقه الفنان في محاولته إعادة تركيب المكان الذي يحلم به، المكان المتحقق والآخر المتوَهم، مكان بسيط وآخر مركب، عالم يضج بالتفاصيل التي تعين على قراءة الحياة الاجتماعية وطبيعة الحياة في المغرب، وعالم الفنان الهادئ الذي لا يحاول الوقوع في التقريرية التجريدية. لهذا فهو لايصور أحداث الأشكال وتناميها باعتبارها مادة للسرد البصري، كما أنه لايذهب إلى الألوان الصريحة الصافية المستلة من الطبيعة الأخاذة والزخارف وسواها، نضيف إلى ذلك أنه لم يحاول الربط بين الآلة والسرعة وبين فنه، وكل ما يمكن أن يخرجه عن مساره الذي مشى عليه منذ زمن.

لقد بقى حكيم وفياً لسطح منجزه كحامل للأثر، مستفيداً – أحياناً – من حالات الإضافة المعاصرة التي تبدو كأثر أو علامة، تساعده في ذلك التجويفات البسيطة لطبيعة المواد التي تصل عمله بقيم نحتية كمجوفات الـ (تيغرمت) الموجودة في منطقة “الداس” بجنوب المغرب، بل قد تحيل المربعات الشطرنجية المرسومة بدقة ورهافة بقلم الرصاص في أحد جوانب بعض أعماله إلى ما نراه في أفاريز وحواشي في نماذج منحوتة في الفن البربري على الجدران، والتي تطلى أجزاؤها العليا بالجير الأبيض.. إنه فنٌ يتعقب الخارج بالانطلاق من الداخل، نرى ما يماثله في الشوارع والأزقة التي عركها الزمان لتضحي مادة تحريضية، مفعمة بالخروج على قوى الطبيعة، ولتمتلك سحر السحر في المغرب، وتتشرب سحر الزرابي والحلى والأوشام والرقصات والتزاويق والنقوش دون أن تقلدها أو تستخدمها، فسحر الجمال وغايته هو الذي يحفر في العين ما يريد أن يبوح به حكيم، دون تكلف أو تعقيد.. وبفطرة تجتمع فيها نظرة الفنان ورؤيته إلى فطرة الحرفي، الذي يختزن طاقة إنشائية ومهارة وجودية موحية.. هكذا يتجاوز المادة لتصعيد الرؤى، التي تجعل الزمن يبني عمله بصبر، مكتشفاً كل مرة لذةَ ولوج أسرار المادة التي تجعل الزمن مرئياً، والمطلق حضوراً للجوهر بالتحلل من الإيحاءات الشكلية، وبالاستقرار في أولوية التجريد الذي يختار السطح كخزان للضوء والذاكرة بشاعرية حلمية، ورباط روحي صوفي.
لوحة حكيم – إذن – تحيل إلى نفسها، وتسعى – برغم قلة السنوات – إلى ابتداع لغتها، وبنيتها، وسبل مشاهدتها. ففيها من الإحكام والتأليف بقدر ما فيها من التبصر والإلفة، تنشد صياغة علاماتها من الرغبة في الانوجاد، والاحتفاء بالنقاء، وبلمسات الريح التي تحمل إلى نتوءاتها غبار العالم، وإلى فناءاتها نفوذية النور… تأتي على هيئة الموروث ولا تشبهه، وتشهد على الحاضر دون أن يحرقها اللون. بساطتها في كل ما تظهره من تبادل مع الجدران، فلا أعماق، ولا يسار، ولا يمين. فاللوحة تؤلف سطحها دون الإشارة إلى ما يوحي بالحرارة أو البرودة، أو أن للمساحة بؤرة، أو مركزاً على صعيد المكان أو الضوء. فالامتداد هو امتداد المعاني المتطورة في دلالاتها، والعالم الرحيب الذي ينشره الفنان ويبدع رموزه قد يقود إلى الغموض.. الغموض المثير الذي يجعل كل ما خلف الجدار مادة للشوق والغياب والفقد، وإتاحة المجال للخيال كي يعلن تأويلاته عن حيرة المعنى، وكل ما يفصل بين الواقفين أمام الجدار والموجودين أو الغائبين خلفه.. نحن نعرف هذا الجدار جيداً.. وهذا أقصى ما نراه أو مايربطنا به، أو ما يجعل العيون تتجمد وهي تسعى لتجاوزه إلى أعماق المدلولات التي يبتغيها الفنان كل مرة.
حتى حين نستطيع أن نلتقط بعض الحروف المتناهية والمتهالكة في الوضوح، أو بعض الإشارات المكتوبة بعكس ما هي عليه، فهي تتحقق بفعل درامية الحياة، لتبدو في صيغة الأثر وهو يخلق للزمن طبقته الخاصة على الجدار. ووعينا بوجوده كقوة تثير إمكانية استحضار المفقود، والارتكاز على صفاته لتوليد مجازات على صلة باللا وعي، وبمخزون المشاهد واستجاباته في تلقي الخيالي والرمزي والتجريدي جنباً إلى جنب، برواء المساحة التي تحن إلى اللون قدر اشتياقنا لملامسة باب في هذا الجدار، نحقق التجوال في بَرزخية “الداخل والخارج”، وهو الأمر الذي دفع الفنان حكيم الغزالي لاستبدال جدرانه بالأبواب كحامل لتجربته، بعد أن طال مكوثه في الجدران.

-3-في هذا المعرض، يعيد الفنان حكيم الغزالي صياغة تجربته على حامل مختلف، إذ يستبدل اللوحات القماشية بأبواب قديمة لها دلالاتها الخاصة في إطار استخداماتها ونفعيتها، وموقعها في العمران. محاولاً الإجابة عن التساؤلات التي ربطت لوحة الحامل بأصولها الغربية، وهي ممارسة إبداعية ونقدية معاً لتأصيل صلة الحامل بالمحمول، وصياغة جدل جديد، وفهم حديث عن علاقة الذات بمحيطها المعرفي، وبتاريخها، ومناخها. من خلال الممارسة التشكيلية، التي تربط روح الحرفة بجوهر الفن.
أبواب تاريخية عتيقة وثمينة ومتفردة، من مناطق متفرقة في المغرب، تتحول إلى رموز لانتزاعها من الاستخدام، ووضعها كفعالية معرفية، ومادةَ تعبير في صالة العرض. بعد أن أعاد الفنان تأهيلها كوثيقة حية، ثم استلالها من الزمن، ومن المادة، ومن المنفعة، ومن المكان، لتضحي قراءتها شاهداً على استمرارية الزمان، وانقطاعاً عن المفاهيم الأكاديمية التي رسخت معارفها وثبتت معاني المشاهدة، وأرست آلية انتاج العمل الفني على قياس اعتباراتها وتعريفاتها. لهذا يأتي هذا النوع من الانزياح في أعمال حكيم ترسيخاً لقيمة التجريب في الفنون البصرية العربية المعاصرة، باعتباره الباب كاملاً حيزاً يمتلك جمالياته الشكلية، إضافة إلى أن حضوره بهذا الشكل: هو نوع من تفكيك العلاقة بين العمل الفني وسبل مشاهدته.. وكما رصد حكيم الأثر كمفهوم على جدرانه، فإنه يرصد اليوم هذا الأثر على الأبواب المعمرة، باعتبار الأبواب برازخ بين الداخل والخارج.. الظلمة والنور.. المكان والزمن.. الخاص والعام.. بأصالة، وانفتاح على مستقبل اللا مرئي.
تتنوع الأبواب في المغرب بتنوع الطبيعة والطبائع، فهي الجزء المتحرك شكلاً ومضموناً في العمائر والمدن والأسواق والأحياء والأزقة والبيوت، تفصل دائماً بين عالمين عن بعضهما البعض، وتروي حكاياتهما. فالباب أصل الثنائية التي تجعله وسطاً بين السر والجهر، الداخل والخارج، الما بعد والما قبل، الظاهر والباطن، المرئي والمستور، الأمان والخوف، الضوء والعتمة، الأرض والسماء، المجهول والمعلوم. وأينما توجهت في أصقاع المغرب يبقى الباب شاهداً على أهله، وممثلاً لهم، بما يخفي خلفه من أسرار وما تشي هيئته من عبق التاريخ.. رغم هشاشته وخفته وحركته. ليبقى أداة اتصال بين الثنائيات التي ذكرتها، ومادة اتصال بين الطارق والمجيب، يقصي الأذى ويدني المشتاق.

وبقدر ما يثير الباب المهجور من شجون وحنين فإن انمحائه يثبت فعالية الزمان، صوته الأنين الذي يصدر من تمفصله بالجدار، ومن الصدأ وغياب الحركة. فلكل باب حكاية، حكاية أصله وحكاية صنعه، وحكاية حياته في الموقع الذي عاش فيه، وحكاية انقلاب الزمن على تحققه في بعض الأحيان. وكما للجنة أبواب، فللمدن أبواب.. وكما للروح أبواب فإن البيوت لها أبوابها التي تبدو في أحلى زينتها أحياناً، وأبلغ حالات التقشف أحياناً أخرى. وفي كلتا الحالتين تبقى المهام النفعية واحدة، وتبقى دلالته على قدرة أصحابه ومكانتهم، وتبقى إمكانية الحرفي الماهر الذي صنعه، والفنان الذي زوقه، وكذلك الحكمة والرمز الذي يحمله، مثلما يحمل عبارات الترحيب والحماية، أو رموز دفع الأذى كالسحر والعين الحسودة.
الباب حصن، ولغز، ورمز.. يرى ويُرى، يُغلق ويُفتح.. ووحدها أبواب المساجد تبقى مفتوحة، ينفتح لتبدو الجنان والحدائق وحميمية العلاقات الإنسانية، أو بؤس العيش والحزن والشقاء، فالباب روح سكانه، يحفرون في غدوهم وإيابهم حكاياتهم في صدره وظهره، وهكذا يكون روحياً ومادياً، مرصوداً وموصداً ومفتوحاً، وجزءاً لا يتجزأ من الوجدان الشعبي.. وكما تنفتح الأبواب في ليلة القدر على الجنة والنار والسماء، تُفتح الأبواب الأرضية على مصائر الناس، وانهماكهم بالحياة، في مختلف مدن المغرب وقراه.. مراكش وطنجة والدار البيضاء والرباط وتطوان وأغادير وسلا والصويرة وشفشاون وآسفى ووجدة وسواها من المدن كالتي في الجنوب، آيت سمكان، تينزولين، تاعقليت، وتامنوكالت.. أبواب تعانق مساميرها ومكملاتها لتزهو بعبق السعادة، ورائحة الأرز، وباقي أنواع الخشب الذي تبدعه طبيعة المغرب.
يستحيل الباب في وجوده الفعلي إلى حاضن جديد لرؤية الفنان حكيم الغزالي، وهو إذ يستجيب لهذا الاختيار، فإنه يتمثل بالتأكيد معانيه التي تحرك في ذاته سلسلة من الانفعالات والتأثيرات والاستجابات المتأصلة والمتداخلة فيما بينهما، فالباب يمتلك تأثيراً معنوياً على المشاهد وهو يراه معلقاً في غير موقعه كمادة للتواصل تعيد صياغة العلاقة فيما بين الفنان ومحترفه، وفيما بينه وبين الحامل التعبيري، إضافة للصلة التي تقوم بين المعرفة الاجتماعية بالفن والفن ذاته.

هذا التفاعل يلقي الضوء على مقدار الزخم الذي يسعى إليه حكيم الغزالي لإثارة الجدل حول معنى الحامل واختبار الصيغة التي يقدمها، ومدى الاستجابة الجمالية لها. دون أن يتخلى عن تقنياته في مزج صباغياته بالأصماغ والمواد المختلفة، والطريقة التي ينفذ من خلالها معالجاته للسطوح، بعين تعي امتداد الموسيقى والكلمة في الروح، وكل ما يتولد من سحر باطن العمل المتصل بالثقافة والتفكير، أي بالمبصور والمستبصر معاً، في كون يدفع للتخيل والامتثال لصفات ومفردات النص البصري بمعناه التشكيلي، مازجاً المبصور المحسوس برؤية الجمال الذي تفوح منه رائحة بلده وسير أهله وتعاويذهم وشهوتهم للحياة.. الباب في هذا الإطار إبداعٌ، ووثيقة تروي معاني الكشف المعرفي بالوجود، وبما هو وراء هذا الوجود. بإحالة الباب عبر الصياغة الابتكارية إلى مادة للتلقي، واشتهاء الحقيقة، والسعي لاختراق جمود المادة إلى الكيفية التي تتبلور عبرها قيم البوح البصري لذاكرة مركبة تيسر التركيز عليها من خلال الإجابات التي يقدمها الباب، ليس في شرط ما كان، بل في كينونته الجديدة وهو يمضي إلى جوهر الفن.
مرة أخرى يحرر الغزالي الصورة من كادرها ومحيطها، كما يحرر الإنسان من وجوده في العمل.. ليترك الأثر الذي يدل عليه، وقد يكون ما أنجزه الغزالي في هذه الأعمال تنبؤاً بمستقبل لوحة الحامل، التي باتت محط جدال ونقاش في أوساط الفنانين والنقاد، نتيجة للتأثر بالمعايير الفنية الجديدة لإنجازات ما بعد الحداثة، وكل ما يجري من تفكيك لدائرة الوعي بالفنون البصرية الإنسانية لاكتشاف المعاني الخفية للإبداع، وتفكيك لغز الفن الذي يستحيل حله، والذي على ما يبدو أن المتعة البشرية تبقى محصورة في تحولاته وانقلاباته من شكل إلى آخر دون أن يصل إلى غايته..
هذا ما يدفع الغزالي لمزيد من التجريب والبحث عما يثير الاهتمام في تجربته، وتقديم التأويلات التي يمكن أن يستند إليها المتلقي لفك اللغز، واستنباط المعاني الخفية من هذه الأبواب التي تحضر جسداً بشخصها المادي، وروحها باعتبارها كشفاً لما يخسره الإنسان، وهو يسعى إلى قوة تمكنه من الخلود بالمعنى المعرفي. فالمعنى الذي يبحث عنه كل من الفنان والمتلقي هو السر الدفين المتكون من مزاجهما وليس من المواد، ومرجع المعنى قضية ذهنية بحتة، وإنما تقوم المواد بدور الوسائط المحرضة، ولهذا تشير التعريفات إلى أن الحامل هو “كل سطح يسمح بتنفيذ عمل تصويري، القماشة وألواح الخشب والورق والورق المقوى والحائط….”
القضية ليست وليدة هذه الأيام، ففي السبعينات أثيرت مشكلة الحامل في التشكيل المغربي، وكذلك مرجعيات المواد، في صراع حضاري بين الفضاء الغربي والفضاء العربي، بالتحول عن الشكل المعهود للوحة القماشية المدعوة لوحة الحامل الغربية. وقد أثارت البيانات آنذاك ظروف العرض ومكانه وصلة ذلك بالعمل الفني باختراق الصالة، وهو الأمر الذي اشرت إليه سابقاً، واعتبار ظروف العرض تنطلق من داخل العمل الفني وأعماقه البصرية.. ولهذا يحاول حكيم إحياء صلة العمل بحامله استناداً إلى هذا الحراك المعاصر، ومدعماً مكانة الباب في التراث الفني الإسلامي كحامل جمالي تندغم فيه قيم الجمال ومعاني الوظيفة والاستخدام في الحياة.

إنه النموذج الذي نواجهه في كل موقع، نتعرف عليه بحسب الصياغات التي آل إليها وفق تطور المهن في المجتمعات وتنامي معرفتهم الفنية، التي جعلت صياغاته لا تختلف كثيراًعن بعضها على مستوى البنية المنضبطة والصارمة للمعمار المديني بخاصة، والحقيقة أن هذا الباب أو ذلك إنما يبلغان عن الواقع بشموليته وتعدده كما يبلغان عن المقدس، ولهذا تتوقف طرق إدراكنا له كحامل على ما يحمل، وعلى الرصيد الذي أنجزه الغزالي للوصول إلى البنية التي يقدمها كمجال مواز لجماليات الباب، بل إن كليهما يعيدان صياغة التصور الذهني للعملية الفنية، وتقديم مفهوم جديد للباب كموضوع يولج فيه غوايات الحسن.
واقع الأمر أن حكيم لا يجزم الوصول إلى حقائق ثابتة في هذه التجربة، وكل متعته وهمه يتجليان في أنه يسير في مسالك التجربة وتفرعاتها، تأئهاً في التدفق الذي يمنحه القدرة على تحديد مظهر الخصوبة البصرية التي يمنحها لسطح عمله، سواء كان قماشاً أو باباً، أو غير ذلك مما يراه حاجة وضرورة تعبيرية في لحظة بعينها، ولهذا يمكن الحديث عن مقدار إندفاعه ليكون حاضراً في هذه الأبواب، أو غائباً عنها حين يستيقظ من التجربة التي استغرقته. فما حققه لم يكن متصوراً من قبل وإنما قادته التجربة إليه، بإيجاد غائب طال فقده، وهو الأمر الذي يدعونا لمشاهدته هذه المرة، وإلقاء نظرة متأملة عليه باعتباره فرضية وإمكانية لتجارب قادمة، سيصرح بها بصرياً بعد أن كانت طي الكتمان.
ولكي ندرك الباب السحري المفعم بمخزون الماضي والحاضر، وكل المعاني التي يفصح عنها الرمز في حالات يشي بها الباب كمعايش للإنسان في حزنه وفرحه، وجده وشوقه وانتظاره. فإننا لابد أن نتوقع ما يخفي خلفه من مفاجآت، عالم الفنان الخاص، وعالم الحياة العام، والذي لا يمكن دخوله إلا عبر ولوج هذا الباب.. أي العمل الفني المنجز، المغلق والمفتوح بآن معاً، فالباب في هذا الوضع خارج إمكانية التحديد. وقد لا يفيد تعريفه وفق أصله، أو باعتباره جزءاً من العمل الفني، وإنما يتم إدراكه عبر الموقف الذي يعرضه، والذي يجعله فوق مرجعياته النفعية والبصرية. أي بعدم اعتبار الباب شيئاً كباقي الأشياء، وإنما من خلال ما يسقطه الغزالي عليه، والذي سيسقطه المتلقي فيما بعد على وجوده الجديد، بثقة تتجاوز المتداول عن مميزاته، أوالمستقر في ذاته، إلى الوجدانيات التي تفتح الشعور على كونية الباب، باب العقل، والعواطف، وباب الروح، وباب التأويل الذي ينفتح على لا نهائية الأبواب.

-4-لحكيم الغزالي موقعه اليوم في المشهد التشكيلي، يتبدى ذلك في معارضه الشخصية ومشاركاته واختيارات الأسواق الفنية والصالات لأعماله، وكذلك المتاحف كالمتحف البريطاني وسواه. وتشيد الكتابات باختلافه، وقدرته على الجمع ما بين الفن واستجابة المقتني، الذي يجد في أعماله ما يقدم له المستوى المطلوب، والافتراضات التي يصنعها في العمل الفني. وهي قضية في غاية التعقيد.. كون الاستجابة تمثل علامة عن حلول توصل إليها الفنان في مسيرته، تجعل الرائي يطيل المكوث أمام عمله مستمتعاً بعذوبة المجال، والفراغ المفكك إلى عناصره الأولى. مع ربط كاشف لإشارات وموتيفات في غاية الدقة، تتناول عبر الخدش أحياناً أثراً أو أكثر.
كما يضيف كتابات عفوية على شكل “خربشات”بين الكتابة والرسم، أو يجتزئ صوراً وعلامات بقدر من الانضباط يجعلها تذوب في فضاء العمل، عاكسة جانباً أو أكثر مما يفكر فيه أثناء تنفيذ عمله. لتختفي كأثر أيضاً تحت الطبقات السائلة التي نستبصر فيها ابتعاده عن غلو الصورة، وموقفه من التفريط التشخيصي، معتمداً على الأثر كي يقدم نفسه وقد غابت ملامحه في الزمن، دون أن يشكل ذلك صعوبة في التلقي، أو متابعة لهذا الأثر في تحولاته. وما يهمني هنا ليس الطريقة التي ينفذ بها حكيم الغزالي أعماله، سواء أكانت على القماش أو الخشب أو الأبواب، بقدر ما يهمني طريقة قراءتها وهي جاهزة للعرض على من تتوجه إليه في الأصل، أي كيف يعيد المتلقي صياغتها انطلاقاً من ذهنيته التي قد تتعارض أو تتفق مع مألوفها البصري، وأين تمكن نقاط الالتقاء والتباعد في نفس الوقت، خاصة أن أعمال حكيم لاتعرض فقط في المغرب، وإنما في مواقع مختلفة من العالم، وفي أسواق الفن المتنقلة. وهو الأمر الذي يشير إلى تشابك الرؤى والمواقف من الصورة التي تفكك وجهات النظر المختلفة في إطار ثقافات هذه الوجهات ومكوناتها، للكشف عن الرغبة بالتجربة مجتمعة، أو بعمل محدد منها يحقق تناغم المتلقي معه.
إن آليات استحواذ هذا النموذج من الأعمال الفنية على الاهتمام نابع أساساً من إشكاليات العصر الذي نعيشه، بكل ما يحتويه من عنف تدفق الصور، وصلابة الموضوعات وثقلها، وتعقد وسائل العرض.. ما يشكل ناقوساً يكاد لا يصمت في مواجهة العقل البشري، وتشتيتاً لمعاني الجمال المرتبطة بالروح، واختلالاً في ربط الوجود بما ورائه.. وبصرف النظر عن الإجراءات التصويرية في عالم الفن بانزياح الأفكار، فإن حكيم يلتقط اللحظة المناسبة لتفكيك الأصول على نحو مثير للدهشة، بالانفتاح اللا محدود على المجال بفضاءاته المتعددة، وتطويع نزوع الإنسان إلى المعنى لقضية أخرى تجري خارج التمثيل، وبصيغة تتيح للإنسان البقاء في أثره دون أن يعيش رصيده التاريخي بالحلول في اللوحة، وبناء فراغ مضاد للتدفق. وهو مشروع بدأه منذ سنوات، يذيله دائماً بهوامش ليست بذات الأهمية المضمونية التي قد ينظر إليها من خلالها، وإنما تكمن الأهمية في العمل مجتمعاً، أي المجال المفتوح على بصيرة إبداعية خيالية تقوم على نفي الواقع البصري، من خلال تيه روحاني يغلف العمل ليحقق وجود عالم آخر ينتمي بكليته للفنان مهما احتوى من إيماءات إلى ثوابت تقنية، هي ذاتها في حالة تغير وتبدل وتنقيح. ويمكن الإشارة هنا إلى أن حكيم في كل مرة يبدأ فيها نسج فراغه، فإنه مع وضع اللمسات الأولى لا يدري بالتأكيد إلى أية خاتمة سيؤول عمله البصري، حيث يمضي بحرية إلى حضوره الكلي في العمل.

الباب بمجمله أثر لمفهوم، وإذ يحمله الغزالي من موقعه الوجودي إلى موقعه المعنوي، فإنما ينقل هذا الأثر عبر وعينا له. على الرغم من أن التوصيفات التي نراها في الباب تشير إلى هويته النفعية والجمالية، أي التوصيف الوجودي الذي يقتضي أن يثير سلوكنا تجاهه على المستوى النفسي. إلا أن مبدأ المتعة الذي يمضي إلى الوعي به كعمل فني حاضر أيضاً، ويبرز مباشرة من خلال النقاش الذي يعتمل في نفس المشاهد وهو يقصي الحضور الوجودي للكتابة، منفعلاً بالأثر الفني عليه، ومفكراً بالاختلاف الحاصل في استبدال الواقع بالمتعة، أي حضور الأثر كذات مجسدة لتجربة الفنان.
غالباً ما تثار قضية صلة العمل بمنتجه، ويكون التساؤل حول مدى المطابقة المفترضة بينهما، كي يكتسب العام هويته وانفتاحه، وهنا لابد من الإشارة إلى أن ذات الفنان المقصودة، هي مايتعلق بالمعرفة وليس الذات بشمولها العيني، خاصة إذا افترضنا أن المعرفة كالذات.. قضية إشكالية. كما أن الباب المتحقق كفعل فني هو شكل في النهاية وفق الرؤية الإبداعية التشكيلية. وبه يتم تضمين الفعل الإبداعي والجمالي الناتج عن الذات، محققاً الكشف عن مكونات العمل الفني والفعالية الجمالية. فكل باب لوحة.. ولكل لوحة كيانها المستقل في إطار مجموع التجربة. أي المجال الذي يتضمن تخارج الغزالي مع مكونات الوعي المعاش، كوحدة متغيرة ومتكاملة وشاملة لاختياراته الجمالية الاختبارية. حيث تشكل كل لوحة فضاء مستقلاً يمتلك روابطه مع الأعمال الأخرى، كون التجربة في طور التكوين المستمر، وما زالت تخفي الكثير مما لانعرفه عنها. ولعل هذا الجزء الغامض هو المحرض للمشاهد كي يبقى في شراك الفن، والرغبة في التعمق أكثر فأكثر في لغته المتجددة، التي من أهم مهامها المغامرة الدائمة في عوالم الخيال الإنساني، والبداية من جديد مع كل مواجهة للعمل الفني، تُبقي الاهتمام في الأثر ليغيب الفنان وراء الباب الذي فتحه، باب الروح المبدعة التواقة إلى الجوهر.

ولد حكيم غزالي في الدار البيضاء بالمغرب، حصل على بكالوريوس الفنون الجميلة في المغرب ثم سافر إلى فرنسا لمتابعة الفنون التطبيقية للطباعة في فرنسا وكذلك المدرسة العليا للفنون والتصميم في أميان.
تم تكريمه بالجائزة الأولى في بينالي الشارقة للخط عام 2006، أعماله موجودة في مجموعات المتحف البريطاني ، كلية إدارة الأعمال ، لندن ، متحف كاري للفنون في رومانيا ، مؤسسة Written Art Foundation فرانكفورت ألمانيا ، وزارة الثقافة أبوظبي ، مركز دبي المالي العالمي دبي ، الدار دبي الإمارات العربية المتحدة ، متحف الشارقة للفنون بالإمارات العربية المتحدة ، Societe Generale des Banques المغرب ، القصر الملكي المغربي ، أكاديمية دو روما للمغرب الرباط المغرب ، مؤسسة أوريكس زيورخ سويسرا ، متحف ميسن ميسن ، متحف فانف كونتيننتي ميونيخ ألمانيا.
