محمد شكري آسير غواية الكتابة وشرفات طنجة

محمد شكري  آسير غواية الكتابة وشرفات طنجة

أما زال من المهم أن يكون الكاتب،أوالفنان،قد عاش تجاربه،كيفما كان إغراؤها وإغرابها،ليقدمها لنا بنفس الدينامية التي عاشها؟
كان هذا السؤال الذي طرحه الكاتب الطنجاوي والعالمي محمد شكري على نفسه ساعة تحدث عن مفهومه للتجربة الادبية ونشر نص المادة في كتابه “غواية الشحرور الأبيض” في طبعته الأولى سنة 1998 وهو الكتاب الذي أفصح عبر نصوصه عن تجربته مع القراة والكتابة في آن،وعبر أيضا عبر فصول هذا الكتاب عن نظرته-نظريته -المسلهمة من تجربته الشخصية والذاتية لقاضايا الادب والابداع وشؤونهما.


إنه سؤال إشكالي في جوهره طرحه الكاتب محمد شكري ليستجلي كثيرا من الغبار عن  نصه السير- روائي “الخبز الحافي”  الفضائحي والجريء والجارح بالنسبة لمجتمع محافظ كالمجتمع المغربي يراكم في السر حياة مختلفه عما يفصح عنه في العلن وفي الحياة الاعتيادية، حياة مثقلة بالمسكوت عنه واللامفكر فيه ، حياة أخرى موازية وعميقة ،ربما يتعلق الأمر بنوع من المصالحة مع الذات خصوصا وأن شكري لم يستدر هذه الاستدارة الكاملة الى في بداية استعابه لخريف العمر-حدث هذا في منتصف تسعينيات القرن الماضي-  هل يمكن أن نعتبر هذا نضجاً ام انزياحاً عن مألوف شكري فهو أدرى بشعاب تقلبات رؤاه للحياة والكون والتجربة، رغم ان الجزء الثاني من العمل ذاته  الذي حمل عنوان “زمن الاخطاء” بوشاية من من الناقد محمد برادة الذي حته على تعديل العنوان الاول المقترح وهو “الشطار”،”أخطائي التي أحب ” كما وصفها محمد شكري ،منتصرا بذلك لقيم المتخيل والخيال والمخيال باعتبارهم ملح الادب والابداع عوض رص وقائع موضوعية حدثت وبشكل تقريري في واقع الحياة الشخصية للكاتب وسجلات اليومي العادي،وشكري يعترف لذاته ولا يعترف للاخرين أن الجزء الأساسي من “الخبر الحافي”هو من انتاج وصناعة الأدب وبهارات الخيال والمركة مسجلة لمحمد شكري ومن هنا عالميته وقبلها “طنجاويته” وهو الآتي من ريف الشمال المغربي.


“إن الابداع الحقيقي، يتجاوز التجارب التسجيلية ،أو إ مكان حدوثها في الخيال العلمي”. هذا  وفي “غواية الشحرور الأبيض” دائما ما ينص عليه الكاتب محمد شكري ليؤكد بشكل او آخر الحد الفاصل بين الواقع والخيال وأتربة الادب التي تحتاج أن تحرث بحبر الخيال لتسمو في أفق الكتابة وإبداعيتها.
“لا كتابة بدون تخييل.أ ما عن مدى ما رويته هل هو كله صحيح فهذا لا يهم كثيراً.فإما هو كتاب جيد وإما هو كتاب ردئ.” وهذا يدخل من باب انفعالات محمد شكري كلما حصر بالسؤال التقليدي الذي يطرحه الناقد والمتلقي والصحفي على حد سواء،وهو هل كل صفحات الخبر الحافي واقع أم من افتعال الكاتب وفعل الادب والابداع ؟وهذا الاستشهاد وار في كتاب “حوار”الذي وضع أسئلته كل من الناقد يحيى بن الوليد والمسرحي الزبير بن بوشتى.


“وبالنسبة الي ليس ضروريا ان يكون ما وصفته او تحدثت عنه هو بالضرورة معيش،فحتى ما تخيلته هو معيش.” عادة ما يكون رد الكاتب محمد شكري بهذا المعنى أو يكاد ولم يحدث أن صرح محمد شكري لأحد أن كتابه “الخبز الحافي شهادة وقائع حقيقية  عاش تفاصيلها بدقة في مسار حياته أي في الفترة الممتدة من طفولته  ومراهقته و بداية شبابه.


“الخبز الحافي كتبته من خلال أحشائي،وأما زمن الاخطاء فقد كتبته من خلال تأملاتي”
وفي الجزء الثالث”وجوه”حاولت مثلا أن أزاوج بين الشعر والنثر،أو النثر المشعرن.”
بهذه العبارات الدقيقة يختزل الكاتب محمد شكري كنه علاقته بثلاثيته السير-ذاتية:الخبز الحافي ،وزمن الأخطاء ،ووجوه لكن الخبز الحافي يظل العمل الأكثر عمقا حتى بالنسبة لمبدعه محمد شكري وهو الذي يقول عنه الخبز الحافي كتبته بأحشائي والجملة دالة وتحتمل أكثر من تأويل لكن تظل وفية لمضمون يفصح عن الأثر الكبير الذي تركه هذا العمل ذاته في المسار الفني والابداعي والكتابي لمحمد شكري.فيما تبقى من أجزاء الثلاثية وكأنه واستنادا الى التصريح أعلاه عن “زمن الاخطاء” و”وجوه” يقول وما تبقى يؤسسه الشعراء على حد تعبير الشاعر الألماني هولدرلين.
وعنه قال الناقد يحيى بن الوليد الذي عايش محمد شكري عن قرب وأنجز برفقة المسرحي والكاتب الزبير بن بوشتى أسئلة كتاب”حوار” الصادر سنة 2003 والذي تضمن خلاصات معرفة شكري بالكتابة والحياة :
” أتصور-يقول الناقد الدكتور يحيى بن الوليد- أن الكتابة بالنسبة لمحمد شكري هي اكثر من وسيلة هي غاية بل غاية الغايات.الكتابة بالنسبة لمحمد شكري هي ملاذ،وهي أيضا وطن بديل بالمعنى الثقافي والجغرافي.محمد شكري من الصنف الذي كان يكتب بالمكان باعتباره رئة ثالثة،ومن تمة كانت الكتابة مزيجا وخليطا بالجغرافية ذاتها والثقافة بمعناها المفتوح والانثروبولوجية الثقافية والسوسيولوجية المفتوحة على الهامش”.


وعن ثقافة الهامش وسحرية الهامشية التي يعد محمد شكري بقوة ما نتجه من نصوص وأدبيات  وأفق انتظارات هذا الابداع المستحدث في شأن الادب المغربي الحديث يضيف الناقد يحيى بن الوليد:
“كان محمد شكري ،ومن حيث لا يدري،صوتا للمهمشين…وللذين رفضهم التاريخ الرسمي،ومن ثمة كان محمد شكري إصرارا،على إعادة الاعتبار لهؤلاء،وباعتبارهم صوتا ثقافيا،من داخل التخييل السردي في أبهى تجلياته الذاتية المجتمعية المسحوقة”.
وعن القيمة الأدبية المضافة يواصل يحيى بن الوليد قوله:
“محمد شكري في نظري قيمة أدبية وثقافية ستنمو مع الزمن الثقافي والفكري للمغرب.لقد كتب،بطريقته وبأسلوبه لكنه خلف أثرا ثقافيا كبيراً.
أتصور أن طنجة،الأسطورة والواقع،لا يمكنها أن تُقرأ بمعزل عن محمد شكري،وتحديدا كتاباته النابضة واللاقطة والحاصدة لطنجة الأخرى.”


طنجة المدينة المكان الأفق الآسر للمتخيل الابداعي لمحمد شكري أسهمت وبقوة في تشكيل متخيله الابداعي،ألهمته مفاتيح الافتتان بسر الصندوق الأسود لفعل الكتابة، وبالحجم الذي كان وفياُ لتناقضاتها أجزلت له العطاء وأنتج في تعدد أجناس الأدب :الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والمذكرات الشخصية او اليوميات مع “تينسي وليامس” و”بول بولز” وجان جنيه”  ،ولأن “طنجة مدينة لا تنام” على حد تعبير “تشرشل” فقوة محمد شكري تكمن في كونه راصد لليل طنجة ونهارها بامتياز وبمهنية الساحر الشاطر ، وهو القائل”أيها الليليون والنهاريون…”


الكاتب والمسرحي الزبير بن بوشتى الذي عايش محمد شكري في ليل طنجة ونهارها،لدرجة أن شكري كان ينادي الزبير بغير إسمه ويسميه “الفلوس”
“ما كان اختيارا في حياة محمد شكري أصبح قدرا. فما كان لديه مشروعا جماليا صار قدرا مبجلا باللعنات. ما كان شكري ليكتب لولا حاجته إليها أو بالأحرى إلى فلوسها و قليلا من الامتياز الاجتماعي الذي قد تحققه له. فقد كان لابد من فقر حتى تصير الكتابة لدى شكري قدرا لعينا. ومنذ أن وعى طنجة وبغواياتها المفتوحة على السماء وشكري تتوزعه لعنتان. لعنة طنجة ولعنة الكتابة. تستهويه طنجة بحاناتها وبورديلاتها بعاهراتها ولياليها المشتعلة، وتستهويه أكثر الكتابة فيها بمذاق الغد الواعد بالشهرة والمال. ظلت الكتابة لدى شكري عشيقة سرية تتوارى في الظلال الخبيئة من مشاريعه المؤجلة إلى حين بتبريرات شتى.”


يضيف الزبير بن بوشتى في وصف تقلبات وتقاطعاته مع شان الحياة ووظيفة الكتابة صاحبه محمد شكري:
” إنه الكاتب المقل الإنتاج، المقبل على الحياة بابتهاج في طنجة/المدينة الشرهة، تلتهم منه الكاتب ولا تترك منه إلا هيكل عظم من طموحات أدبية ثرثارة في الحانات والمطاعم. كمحارب تخلى عن سلاحه يقايض أحلامه بفرجة عابرة لراقصة الستربتيز وهي تعيد عريها للمرة الألف على نفس الحلبة بنفس العلبة ،كل ليلة.


وما أن يستسلم لعشيقته المتوارية وراء دولاب البحتري، حتى يستقطر من قناني عربداته عري طنجة بأجساد عاهراتها الأوانس ومومساتها العوانس پورتريهات مشتهاة من حياته اليومية أو بالأحرى الليلية المعاشة. وكأني به رسام عري قادم من القرن التاسع عشر الفرنسي، حيث تعيش الأجساد انهيارها الأبدي على خشبة مأساة لا تنتهي فصولها إلا بانتهاء الرسام من تأليه الذات المصلوبة على القماش”.


ويختم الزبير بن بوشتى في وصف حالة صاحبه محمد شكري:
“هكذا ظل شكري يلتمس من الكتابة صلب موديلاته على قماش طنجة، حيث ينحدر بعريها الفادح إلى حضيض القاع فتسمو مرتقية سلم الصليب إلى ذروة قداستها، فاسحا لأجساده المعطوبة باب الحداثة الموؤودة، وهي تلجه  تحت ”هتافات“ السب والشتم والقراءات المصلوبة وراء عناوين شتى لأدب عربي أُسقطت صومعة حداثته فبات البحث ساريا عن شكري/الحجام الذي أسقطها”.


كأن الزبير بن بوشتى يقتفي أثر “جون بول سارتر” في كتابه القديس “جان جونيه” بهذا الوصف،ليظل محمد شكري علامة مشرقة  في دكنة مدينة هيئتها الجغرافية والتاريخ وأحوال طقس ريح الشرقي النابعة من تصدعات ملتقى البحرين حيث المتوسط والاطلسي يركنان الى شرفات البحر اللامتناهية.
وسيظل محمد شكري الكاتب والانسان على مدار السنين الآتية لا محالة أسطورة طنجة أولا التي لا تعرف ما الأفول،وكاتب حقيقي لن يمحى إسمه من سجلات الأدب المغربي والعالمي معاً.

marocculturel

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *